الرئيسية » مقالات » عندما توقف الزمن في عامودا

عندما توقف الزمن في عامودا

معروف في تاريخ الك,رد أن الكوارث التي تصيبهم والمآسي والأهوال التي تنغص حياة أجيالهم قديما وحديثا ليس كلها من زلازل الأرض وحمم البراكين ولا من هياج البحار وفيضانات الأنهار بل من صنع صنف شرير من البشر فعلاقة الك,رد بالطبيعة أزلية وروحية مبنية على التكامل والتعامل برفق وتفاعل بعكس ممارسات الشوفينيين ألم يقال منذ القدم أن الصديق الوحيد للك,رد هو ” الجبال ” , بدأت بهذا الاستدراك بمناسبة استعادة الذكرى الأليمة لكارثة سينما – شهرزاد – في عامودا قبل أربع وأربعين عاما التي أودت بحياة ثلاثمائة طفل كوردي وعدد مماثل من المشوهين جسديا نتيجة الحروق وكل الضحايا من المتبرعين بشراء تذاكر لحضور فلم لصالح الثورة الجزائرية .
الى جانب التعاطف مع ذوي الضحايا وعمق الجرح الانساني الذي أصاب قلوب ومشاعر أهل البلدة المسالمة ومختلف أطياف سكان محافظة الحسكة وكل من تلقف النبأ المفجع من مواطني سورية الا أن وقوع هذا الحدث الجلل كان أشد أثرا على الكورد السوريين سواء من أبناء منطقة الكارثة او خارجها وأثار لديهم مشاعر الارتياب حول احتمالات أن يكون الحادث مفتعلا لدوافع عنصرية ومن حقهم في مثل هذه الحالات اتخاذ جانب الحذر والشك لكونهم جماعات وأفراد ينتمون الى شعب غير معترف حتى بوجوده في الدستور والقوانين ويتعرض في الوقت ذاته الى الاضطهاد والقمع والتهجير والتمييز وبالتالي لم يصبهم من الأنظمة والحكومات سوى الشرور والأذية والاستهداف بالاقتلاع من ارض الآباء والأجداد والمعاملة الأمنية المهينة وكلها تعبر عن عملية عدائية متواصلة تجسد الى جانب النهج الشوفيني شكلا من أشكال نفي الآخر والتخلص منه بوسائل متعددة مما أدت الى حصول فجوة واسعة وعميقة بين الشعب الكوردي من جهة وبين كل ما يمت بصلة الى الادارات الرسمية من أصغر المؤسسات المحلية الى أعلى مراتب السلطة في العاصمة والتي فقدت المصداقية والثقة والاحترام منذ عهود وحتى الآن من جانب أغلبية الكورد في مختلف مناطقهم ولذلك فان الحذر الكوردي من مضطهديه مشروع ومفهوم .
الحادث المروع بوقائعه وتفاصيله قوبل من جانب الأهالي والمتابعين لتأويلات شتى أكثرها اتهامية وفي دائرة الشك ورغم مرور أكثر من أربعة عقود مازالت التساؤلات بانتظار من يجيب عليها ومنها تدور حول المسائل الاجرائية والفنية والاهمال والفوضى وعدم الدقة والتي أدت مجتمعة الى ماحصل دون أن تكلف السلطات نفسها حتى بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة يتمثل فيها ذوو الضحايا أو تحويل من هم في دائرة الاشتباه الى المحاكم المختصة أو تحديد المسؤؤلية القانونية تجاه هذه الكارثة .
أما على صعيد الاعتقاد السائد الذي يرجح الدافع السياسي – العنصري في التخطيط للجريمة وتنفيذها فانه يستند الى جملة قرائن منها تصاعد الموجة الشوفينية ضد الكرد حينها وبداية عهد القمع الأمني في المناطق الكوردية واطلاق يد الأجهزة للمرة الأولى بهذا الشكل الحاسم في سورية لمواجهة – الخطر الكوردي – المزعوم سبقتها حملة تعبئة منظمة تتباكى على عروبة الجزيرة السورية قادها شوفينييون معروفون من أمثال – سعيد السيد – وأسعد محاسن – متزامنة مع التحضيرات الجارية ليقوم الملازم أول – محمد طلب هلال – رئيس جهاز الأمن السياسي في القامشلي لاصدار دراسته السيئة الصيت ذات المفاهيم الفاشية المعادية للكورد , ومن الملفت أنه يوم وقوع الحادث كان المقدم – حكمت مينة – رئيسا للمكتب الثاني في القامشلي ذلك الجهاز القمعي الذي كلف بملف الكورد في المنطقة وحددت له مهام واضحة في ملاحقة النشطاء السياسيين وتحريض العشائر العربية لمعاداة ومواجهة العشائر الكوردية وخنق الثقافة الكوردية بما في ذلك منع الأغاني ومضايقة الفنانين الكورد الى درجة التصفية( وقد تردد أن المكتب الثاني كان وراء تسميم الموسيقار الكوردي المبدع – جلبي – ) وارسال رجال الدين العرب من مدن الداخل للقيام بأداء الواجبات الدينية باللغة العربية بدلا عن رجال الدين من الكورد وهكذا تتوفر أسباب وجيهة لأن تتجه الأنظار الى – الفاعل العنصري – المتمثل في السلطات وأجهزتها وأدواتها .
مشاهدات لن تنس
في صبيحة اليوم التالي لوقوع كارثة الحريق وبعد انتشار الخبر المفجع في مدن وبلدات الجزيرة كنت طالبا في ثانوية – العروبة – بالقامشلي وأحد أعضاء الهيئة الحزبية المسؤولة في التنظيم الطلابي ” للبارتي الديموقراطي الكوردستاني – سورية ” فبادرت مع مجموعة من رفاقي الى التوجه الى الادارة والطلب من – مراقب المدرسة الأستاذ حسين حاج حسين – البعثي المتشدد ذو الخلفية الأمنية والذي أصبح فيما بعد محافظا ثم وزيرا لمنحنا اذنا بالتوجه نحو عامودا وتقديم المساعدة للمنكوبين ولدى مقابلته اصبنا بصدمة بالغة لكونه كان عالما بالأمر دون أي تأثر ومواجهتنا بالرفض وبعبارات قاسية والتهديد والوعيد اذا ما خالفنا أوامره بضرورة الالتزام بالدوام ( خلفه فيما بعد الأستاذ علي شمسين الذي كان على نفس الشاكلة ) , وبعد مغادرة مكتبه قررنا التوجه الى الكاراج مهما كانت النتائج ووصلنا البلدة الجريحة ساعات قبل الظهر وكانت تفوح منها رائحة شواء اللحم البشري ولم نشعر الا وكنا مع عشرات بل مئات آخرين من المتطوعين وأهالى الشهداء ننقل ماتبقى من جثث مفحمة لأطفال في عمر الورود من دار السينما المتهدم الى عدد من مراكز التجميع من جوامع وصالات حتى تتعرف الأمهات وألآباء والأقارب على ما تبقى من فلذات أكبادهم وكانت المناظر مرعبة والأجواء حزينة واستغاثة النسوة تشق كبد السماء وكنت تلاحظ معاني أخرى في عيون ونظرات رجال عامودة من ذوي الضحايا تتوزع بين الأسى والاباء والاتهام الضمني للسلطة الشوفينية .

الشهيد الذي أحزن أهل قريتنا
وبما أن – الشيء بالشيء يذكر – لابد من العودة الى ما قبل الحادث بعام او اكثر – لا أتذكر بدقة – وعندما تعرضت غالبية مناطق الجزيرة الى الجفاف بسبب ندرة الأمطار وكان الأثر أكثر ظهورا في ما عرف بجنوب خط المطر حيث الأزمة كانت تخف كلما جرى التوجه شمالا باتجاه جبال طوروس وتشاء الصدف أن نجد صبيحة أحد الأيام في مشارف قريتنا – جمعاية – قطعان من الماشية وحولها جمع من الرجال – الغرباء – وبين أيديهم خيم سوداء كمن ينتظر تنصيبها وكنا حينها شبابا يافعين دفعني الفضول مع آخرين للتوجه نحو ذلك الجمع وقبل الوصول بمسافة لاحظنا قدوم عدة أشخاص يتصدرهم رجل يكبرنا بأكثر من عقد من الأعوام بقليل بهندام نظيف يلبس الجلابية ويضع على رأسه مثل مرافقيه الكوفية البيضاء والعقال يبدو على محياه النبل والثقة بالنفس وقد رحب بنا خاطفا منا مبادرة واجب الاستقبال وكأننا نحن بضيافته وليس هو في ديارنا ولم نكد ننتهي من السلام والكلام حتى شاهدنا الخيمة وقد انتصبت لتوفر سبب مبرر لهم على الأرجح وألح – مضيفنا – علينا بالجلوس وتناول طعام العشاء بعد حين وتم كما أراد .
لم يمض وقت طويل حتى كنا في – معمعة – تبادل أطراف الحديث حول أحوال السياسة وشعرنا بتوفر ما يجمعنا حول القضية القومية الكوردية وكنت حينها العضو الأصغر بشهادة الجميع في الحزب الديموقراطي الكوردستاني – سورية وفي الهيئة التنظيمية في منظمات الحزب في منطقتي التي كانت تغطي حينها معظم الريف الشرقي للقامشلي حيث كان لنا شرف بناء الخلية الأولى في تلك المنطقة باشراف المربي الكبير ومعلمي المرحوم – سيد ملا رمضان – وظهر الارتياح على وجوه الحاضرين بسبب ذلك التوافق العفوي البسيط في وحدة الحال وكان ذلك كافيا لأن نستمع بهدوء وروية الى مشكلة مضيفنا حول اضطرارأصحاب الماشية الى التوجه لقريتنا بسبب الجفاف والمحل في مناطقهم ولم نكن ندري هل الماشية عائدة اليه أم أنها لمعارفه وأصدقائه وأبناء عشيرته وهو كان وسيطا نظرا لمكانته ولباقته وكم كان جوابنا سريعا في الترحيب به والموافقة على طلبه دون اعتبار وجود – المختار – وأهل الحل والربط حيث أصبحنا بقدرة قادر مصدر اقرار مصير القرية ومن فيها ويجب الاعتراف هنا بأن الجزء الأكبر من قوة دفعنا المعنوية هو وجود أحد ابناء المختار معي وكذلك المكانة الاجتماعية الرفيعة للمرحوم والدي وحظوته لدى ملاكي القرية وسكانها .
خلال حديثنا المتبادل عرف الرجل عن نفسه وعائلته دون أن يجلب انتباهنا خاصة واننا كنا ما زلنا في عمر يصعب فيه استيعاب دور ومكانة الشخصيات والعوائل العريقة في الحياة الاجتماعية الكوردية في مناطق الجزيرة هذا اذا لم نكن ضد مثل تلك التقسيمات من الأساس في تلك المرحلة وفي عز المد اليساري الهائج والعارم وكنا على أعتاب تشكل البنية السياسية والفكرية والتنظيمية لليسار القومي الديموقراطي الذي شغلت مسيرته وقتا طويلا حتى انبثق عام 1965 في كونفرانس الخامس من آب الذي انعقد في قريتنا – جمعاية – وبعد كارثة سينما شهرزاد في عامودا بأيام تضاعفت علائم الحزن والأسى في قرية جمعاية عندما علمنا أن الشهيد – محمد سعيد آغا دقوري – الذي ضحى بحياته من أجل انقاذ عدد من الأطفال من الموت المحتم وتحول بطلا اسطوريا في نظر أهل عامودا والكورد عموما هو نفسه الذي كان وسيطا ناجحا وضيفا عزيزا ومضيفا كريما في قريتنا .
جرائم عنصرية برسم المحكمة الدولية
يتعرض كورد سورية منذ الاستقلال الى التجاهل والحرمان من جانب الأنظمة المتعاقبة ولايتم التعامل معهم كشعب من مكونات سورية يتمتع بكافة العلائم القومية ومن السكان الأصليين يعيش على أرضه وفي موطنه منذ فجر التاريخ ليس ذلك فحسب بل عملت الأوساط الشوفينية الحاكمة في جميع العهود على اذابته أو تهجيره أو سد أبواب الحياة عليه عبر مخططات عنصرية باتت مكشوفة ومعروفة من تجريد من حق المواطنة ( نتائج الاحصاء الاستثنائي عام 1961 ) وحرمان من الأرض ( مخطط الحزام العربي منذ أواسط السينات ) وتحويل المناطق الكوردية وحسب قرارات عليا الى اختصاص أجهزة الأمن بصلاحيات مطلقة من دون الاكتفاء بقانون الطوارىء والأحكام العرفية النافذة في كل المناطق السورية – حسب مقتضيات الأمن القومي – لتعبث ارهابا واعتقالا وملاحقة ضد كل من تريد وتبتز من تشاء وتفرض الخوات والرشوة على الجميع وبسبب فشل معظم المخططات العنصرية بفضل صمود الشعب الكوردي والتزامه بقضاياه القومية والوطنية صعدت الأوساط الشوفينية بين الحين والآخر من وتيرة ارهابها العنصري وأقدمت على تنفيذ عمليات انتقامية كانت باكورتها احراق سينما شهرزاد في عامودا مع من فيها عام 1960 ( 300 قتيل و200 مشوه ) , واحراق مهاجع مختارة من سجن الحسكة ( 24 – 3 – 1993 ) وفيها ( 60 سجينا كورديا ) ثم تنفيذ حكم الاعدام بعد الحادث مباشرة بخمسة أكراد آخرين كانوا الشهود الوحيدين , واغتيال الشيخ معشوق الخزنوي بطريقة همجية لنفس الدوافع العنصرية ( 10 – 4 – 2005 ) وقد أجمعت المصادر على مسؤولية اللواء – محمد منصورة – المشرف على الملف الكوردي تجاه الجريمتين الأخيرتين .
من الواضح أن هذه الجرائم الثلاث ذات طبيعة عنصرية اقترفت في اطار ابادة الجنس وتعتبر جرائم – ضد الانسانية – وبحسب ميثاق وقرارات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها فان القانون الدولي يجيز تحويل مثل هذه القضايا الى محاكم دولية مختصة في النظر بمثل هذه الجرائم على غرار المحكمة الدولية الخاصة بقضية الرئيس الحريري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *