الرئيسية » مقالات » العراق وغياب الدولة المؤسسية!

العراق وغياب الدولة المؤسسية!

أقيمت على أرض ولايتي بغداد والبصرة في العام 1921 الدولة العراقية الملكية الدستورية, ثم صدر في العام 1925 الدستور الأول. وفي العام 1926 تم إلحاق ولاية الموصل, التي كانت تضم في حينها إلى جانب الموصل المحافظات الكردية, على وفق قرار عصبة الأمم. كان الدستور الجديد مدنياً وديمقراطياً إلى حدود كبيرة, في حين كان المجتمع بمكوناته المختلفة ما يزال يرزح في ذات الظلمات التي كانت تعيش في ظلها الدولة العثمانية المحتلة لترك الأراضي باسم الدولة والسلطنة أو أحياناً الخلافة الإسلامية. وخلال الفترة الواقعة بين 1921-1958 برزت تناقضات وصراعات كثيرة في داخل المجتمع العراقي, وبين المجتمع وسلطة الاحتلال البريطاني, ومن ثم بين المجتمع والحكومات العراقية المتعاقبة, حول سبل بناء دولة المؤسسات الديمقراطية التي كان يفترض أن تستند إلى دستور العام 1925. وخلال ثلاثة عقود ونصف العقد من عمر الملكية العراقية برزت إلى الوجود بعض ملامح وليدة لدولة المجتمع المدني. ولكنها كانت ملامح مشوهة بسبب ممارسات الدولة البريطانية والحكومات العراقية المتعاقبة والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية التي سادت الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة في آن, حيث غيبت النخب الحاكمة الدستور الجديد إلى حدود غير قليلة وشوهت جملة من مضامينه ودلالاته, وأصدرت الكثير من القوانين والقرارات المخالفة لنص الدستور, ونفذت الكثير من الإجراءات السياسية المتعارضة مع الدستور والتي أساءت إلى عملية بناء المجتمع المدني الديمقراطي, إضافة إلى ضعف دور النخبة الحاكمة في إرساء قواعد وأسس المجتمع المدني, وأقصد تغيير بنية الاقتصاد وإقامة الصناعة الوطنية وتحديث الزراعة وتطوير الثقافة … وتغيير بنية المجتمع الطبقية. وفي الوقت الذي وجدت في الدولة العراقية السلطات الثلاث, المؤسسة التشريعية والمؤسسة التنفيذية والمؤسسة القضائية من جهة, وإقرار الدستور لاستقلالية هذه السلطات عن بعضها الآخر من جهة ثانية, فأن التشويه لحق بالجانبين وإلى حدود كبيرة, بحيث تشوهت المؤسسة التشريعية (البرلمان) والمؤسسة القضائية (المحاكم) عبر ممارسات السلطة التنفيذية (الحكومة) وخضعتا للسلطة الأخيرة. ولا شك في أن قوى المعارضة التي قاومت سياسات الحكومة وعانت من اضطهادها, لم تنشأ وتتطور في ظل الديمقراطية, وبالتالي كانت بنيتها لا تختلف كثيراً عن بنية النظام السياسي والدولة غير الديمقراطية القائمة. وإذ لم يكن هذا الأمر واضحاً في فترة الحكم الملكي بسبب الصراع بين الحكومة والمعارضة ووقوف غالبية المجتمع إلى جانب المعارضة, إذ كانت المعارضة هي التي تعاني من القمع والاضطهاد, فأن اللوحة في أعقاب ثورة تموز 1958 قد كشفت عن الطبيعة غير الديمقراطية لجميع أحزاب المعارضة السياسية العراقية في العهد الملكي, سواء أكانت سرية أم علنية, وأن اختلفت في المستوى. ولا شك في أن الحكومات الملكية المتعاقبة كانت تتحمل مسؤولية هذا النشوء غير الديمقراطي والمشوه للمعارضة أيضاً, وخاصة في منعها من العمل كأحزاب سياسية شرعية وعلنية, وإجبار بعضها على العمل في السر وما يرتبط بمثل هذه الممارسات من أجواء غير ديمقراطية.
لم تساعد قوى ثورة تموز 1958, سواء التي كانت في الحكم أم التي كانت في المعارضة, على تغيير الواقع العراقي باتجاه بناء دولة القانون والحياة الدستورية والديمقراطية وتأمين الفصل الفعلي بين السلطات الثلاث. ويمكن الادعاء بأن تراجعاً ملموساً حصل في أعقاب الثورة على بدايات تكون المجتمع المدني الديمقراطي العراقي, إذ أصبح العمل يجري دون مؤسسات دستورية حتى لو كانت قبل ذاك مشوهة, كما هو حال الحكم في العهد الملكي. وفي أعقاب سقوط العهد الجمهوري الأول سقط المجتمع المدني نهائياً في العراق وتواصلت فترة الحكم الفردي وتعمقت صوره وأساليبه وتحول إلى نظام دكتاتوري تجلى بشكل قاطع في العقود الثلاثة الأخيرة من وجود البعث في الحكم.
في فترة حكم البعث تفاقمت السمات المميزة للدولة الدكتاتورية التي لا علاقة لها بدولة المؤسسات الديمقراطية والحياة الدستورية, إذ كانت تجمع في ممارساتها اليومية بين أساليب الاستبداد الشرقية المتخلفة وأساليب الاستبداد الحديثة المأخوذة عن النظم الفاشية الحديثة. وكان النظام السياسي الفاعل في دولة البعث, نظاماً استبدادياً قاهراً للإنسان وحريته وكرامته وحياته, وبشكل خاص ضد قوى المعارضة السياسية وضد القوميات الأخرى, إضافة إلى كونه قد مارس التمييز القومي والطائفي وأشكال أخرى من التمييز ونفذ الكثير من الحروب والمجازر البشرية في كردستان العراق وفي الجنوب والوسط.
تهلهلت أركان الدولة الاستبدادية وفقد النظام القدرة على إدارة البلاد مركزياً منذ أن بدأ النظام بحروبه, وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية وغزو الكويت واندحاره في الحرب ضد التحالف الدولي لتحرير الكويت, ولكنها بقيت جوانب من الدولة الاستبدادية فاعلة ومحافظة على استمرار وجودها بفعل عدد من العوامل المهمة. تسنى للنظام بناء شبكة واسعة من الأجهزة الأمنية التي كانت تمارس مهمة حراسة النظام وتقوم بمهمة دور دولة بوليسية داخل الدولة وتستخدم أقسى أساليب العنف والقسوة والقتل للمعارضة, كما تسنى له بناء جيش عقائدي بعثي ملتزم, على الرغم من تفكك الكثير من بنيته وتلقيه ضربات قاسية, إضافة إلى ضعف قوى المعارضة التي توجهت لها ضربات قاسية وعجزت عن توحيد نشاطها وممارسة الضغط على الحكم الصدامي لإسقاطه. ولعبت الأموال العراقية دوراً مهماً في حماية النظام من السقوط. لم يسقط هذا النظام المهلهل والفاقد للكثير من عناصر القوة السابقة فيه, على الرغم من عزلته الشديدة عن غالبية فئات المجتمع, بل سقط بفعل قوة خارجية وعبر حرب 2003. وللحرب, كل حرب, تداعياتها المعروفة على مختلف الأصعدة والمجالات, خاصة وأن العراق شهد حكماً فردياً ثم دكتاتوريات غاشمة متعاقبة طيلة الفترة التي أعقبت ثورة تموز 1958. فسقط العراق, الذي تخلص لتوه من النظام الدكتاتوري الشرس والعنصر والطائفي عبر الحرب, تحت وطأة الاحتلال الأمريكي البريطاني الدولي وبقرار من مجلس الأمن. ووضع على رأس الإدارة المدنية حاكم فردي مستبد لم يكن يعرف ويعي واقع العراق ولم يسمع به إلا من بعيد. فرسم ونفذ سياسات وإجراءات أتت على ما تبقى من تلك الدولة المهلهلة التي وجدت في آخر فترة من حكم الدكتاتور صدام حسين. فما هي السياسات والإجراءات التي مارسها الحاكم بريمر في العراق في ضوء موافقة المحافظين الجدد ورئيسهم جورج دبليو بوش عليها؟
يمكن تلخيص أبرز القواعد التي اعتمدها بريمر في بناء سياساته وممارسة إجراءاته فيما يلي:
• تغييب كامل للسلطة العراقية التنفيذية, ومنها بشكل خاص حل القوات المسلحة كلها دون استثناء ومن دون أن تكون هناك قوات بديلة غير القوات الأجنبية التي كانت وما تزال لا تعرف البلاد أصلاً ولم يسبق لها أن وجدت فيه. وشمل هذا الأمر الجيش والشرطة وأجهزة الأمن كلها, والتي شكلت القاعدة الأساسية لما يواجهه العراق حالياً. ثم تدمير عملي لكل الوزارات العراقية في ما عدا وزارة النفط!
• غياب أي سلطة تشريعية إلا سلطة الحاكم بأمره بريمر, الذي اعتقد جازماً بأن العراق لا يحكم إلا بالفرد وهو المؤهل لذلك. وحين شكل مجلس الحكم الانتقالي لم يكن يثق به ولا بالعاملين فيه وعاملهم من فوق وعامل بعضهم دون أي احترام. وبهذا خلقت السياسة الأمريكية فراغاً حقيقياً في الساحة السياسية (الحكومة) في العراق لم تستطع قوات الاحتلال إملاء هذا الفراغ, فشاعت الفوضى وتلبدت الغيوم وكان ما كان ولا يزال.
• وإذا كان العراق قد عرف التمييز القومي والطائفي عبر ممارسات الحكم, فأن سياسات الولايات المتحدة كرست الطائفية السياسية على مستوى الحكم وأجهزة الدولة والمجتمع من خلال سياسة وسلوكية المحاصصة الطائفية السيئة الصيت. وأصبحت الوزارات تقوم على أساس طائفي ليس بالوزير ووكيل الوزارة والمدراء العامين حسب, بل وبالعاملين فيها أيضاً, وهو ما نجده اليوم على نطاق واسع في وزارات الدفاع والداخلية والصحة والتعليم العالي والتربية والثقافة …الخ.
• وإذا كانت هذه العوامل كافية لتدمير أي دولة, فأن الحاكم بريمر قد زاد في الطين بلة حين سمح للفساد, الذي كان موجوداً قبل ذاك على نطاق واسع, أن يصبح نظاماً سائداً ومعمولاً به فعلياً, كما سمح للشركات الأمريكية والخبراء الأجانب وأجهزة الدولة ..الخ إلى أن يمارسوا ذلك علناً ودون أدنى وجل أو حياء. ولم تكن المشكلة في حجم المبالغ التي نهبت عن هذا الطريق, والتي بلغت عشرات المليارات في فترة قصيرة, بل كانت المصيبة في النظام الذي كرسه الوجود الأمريكي في العراق عبر الحاكم بريمر ومن معه من أجهزة عاملة.
• ويبدو أن المصيبة لم تبق في حدود أجهزة الدولة والخبراء الأجانب والشركات الأجنبية, بل انتقلت على الأحزاب السياسية العاملة, إذ لا يعرف الإنسان كيف تمول ومن يمولها وما هي المصالح التي تختفي وراء ذلك والعواقب المترتبة عنها وعليها.
• وإذا كان الإرهاب السابق منطلقاً من جلادي حكومة صدام حسين وأجهزتها الأمنية والسياسية إزاء الشعب الكردي حتى العام 1991 وإزاء قوى المعارضة العراقية كلها حتى سقوط النظام, وإذا كان المجتمع يعرف حينذاك من هو الجلاد والقاتل والمغتصب …الخ, فأنه اليوم لم يعد يعرف من سيكون الجلاد والقاتل والمغتصب في كل لحظة, هل سيكون من إرهابيي القاعدة أم من إرهابيي قوى صدام حسين السابقة, أم من قوى الجريمة المنظمة أم من المليشيات المسلحة التابعة للقوى والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية, ومنها فرق الموت التي يقال أنها تابعة لوزارة الداخلية بصورة غير رسمية.
لقد سقطت الدولة العراقية ولم تنهض بعد! هذه هي الحقيقة القائمة حالياً في العراق. وعلينا أن نعترف بهذه الحقيقة البسيطة, ولكنها كارثة فعلية. فلا الحكومة المكونة على أساس طائفي صارخ, ولا المجلس النيابي الذي يعشش فيه الكثير ممن لا علاقة له بمصالح الشعب, بل بمصالحه الخاصة وانتماءاته المذهبية والذي لا تتكامل عضويته إلا لأغراض حزبية محددة, ولا القضاء أو لجان النزاهة والرقابة المالية أو المفتش العام, المتنازعة والمتهاترة في ما بينها حيث يوجه بعضها المزيد من التهم للبعض الآخر. ليس هناك اختلال هنا وهناك في بنية الدولة العراقية الراهنة, بل هناك غياب للدولة العراقية ومؤسساتها, هناك غياب للروح الوطنية وروح المواطنة, وهناك سيادة للهوية المذهبية!
تقوم اليوم في العراق دويلات وميليشيات حاكمة وأجهزة قمعية عديدة واختراقات لا مثيل لها لأجهزة الدولة المركزية. هناك مراكز قوة حاكمة في مقاطعاتها على مستوى المحلات أو المدن. هناك سقوط فعلي في مستنقع الطائفية السياسية والفساد المالي والإداري والإرهاب الشامل الذي يُمارس من الكثيرين ضد الكثيرين, ضد الإنسان. هناك إصرار على إجهاض قيام دولة عراقية ذات مؤسسات دستورية اتحادية وديمقراطية.
ليست الولايات المتحدة وحدها مسؤولة عن هذا الجهد في تخريب الدولة العراقية, وليست القوى السياسية العراقية الطائفية وحدها مسؤولة عن ذلك أيضاً, بل هناك القوى أيضاً الدول الإقليمية التي كانت وما تزال تنشط مناهضة قيام دولة وطنية ومواطنة حقيقية ومتساوية في العراق, فهي تتحدث عن دول صفوية وأخرى مناهضة لها. هكذا أصبح الحديث صريحاً كما جاء على لسان الدكتور عدنان الدليمي رئيس قائمة التوافق العراقية, وهكذا يتحدث آخرون بلغة مماثلة ومنهم الشيخ حارث الضاري الذي وجد في تنظيم القاعدة الهمجي ملاذاً آمناً له, أو جماعات من مليشيات المجلس الأعلى والتيار الصدري أو غيرها.
لقد تحول العراق إلى ساحة للصراع بين الطائفيين السياسيين على صعيد الدول الإقليمية وعلى صعيد الأعضاء والمؤيدين للأحزاب السياسية السنية والشيعية التابعة لها. إن جزءاً من هذا الصراع محلي الصنع, ولكن الجزء الأكبر منه مرحل إليه من دول وقوى الجوار. إنها المأساة التي يواجهها العراق حالياً, ولكنها سوف لن تبقى محصورة في العراق, بل ستمتد نيران الطائفية السياسية الحارقة إلى ذات الدول التي تؤججها اليوم, ومنها إيران والسعودية وسوريا وبعض دول وقوى الخليج…الخ.
إن مواجهة الصراع الطائفي السياسي وكسر شوكته أمر ممكن قطعاً, ولكنه بحاجة إلى الكثير من الجهود الاستثنائية من الإنسان العراقي الذي يرى في كل ذلك تدميراً له وللمجتمع وللحياة الديمقراطية التي يسعى إليها. إن تغيير الحالة الراهنة أمر ممكن إذا ما التقت إرادة القوى الديمقراطية واللبرالية والمدنية والجماعات المتفتحة والمتنورة من المسلمين ومن أتباع بقية الديانات المتعايشة في العراق والمنحدرة من قوميات عديدة.
لم تنجح الأحاديث والحوارات والنداءات التي توجهت إلى قوى الإسلام السياسي الطائفية, فهي مصممة على خوض الصرع والنزاع حتى النصر على الطرف الآخر, وهو وهم كبير لا يرقى إليه أي وهم آخر, إنه تدمير حقيقي للعراق وقتل المزيد من الناس الأبرياء. إنه الجحيم!
20/11/2006 كاظم حبيب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *