الرئيسية » التاريخ » الكورد في الاتحاد السوفيتي – الجزء الاخير

الكورد في الاتحاد السوفيتي – الجزء الاخير

أوضاع الكورد اليوم بعد تفكك الاتحاد السوڤييتي

(بقلم مؤلف الدراسة)

إن المتابع لأحوال الكورد في الجمهوريات السوڤييتية السابقة وما آلت إليه أحوالهم بعد انهيار الاتحاد السوڤييتي وقيام 15 جمهورية مستقلة وعدد أكبر من الجمهوريات والمقاطعات الذاتية على أنقاض هذا الاتحاد ، سيكتشف مدى انعدام الاهتمام الإعلامي بالكورد في هذه المناطق حتى من قبل أقرانهم في كوردستان ذاتها ولو من جهة تسليط الضوء على ما يتعلق بهم بشكل عام ، وذلك رغم أنه في الوقت الحالي بات الكورد هناك يشكلون أحد أكثر الأقليات نشاطا على الصعيد الاجتماعي .

غير أنه ولحد الآن لا توجد معلومات كافية عن الكورد الذين هجّر آباؤهم إلى آسيا الوسطى زمن ستالين وهم الموجودون حاليا في أوزبكستان وكازاخستان وكذلك في طاجيكستان وقيرغيزيا وحتى روسيا نفسها ، وما زالت أسئلة كثيرة مفتوحة عنهم من حيث هل اندمجوا في سكان هذه البلاد أم ما زالوا محافظين على تجمعاتهم وهوياتهم ، لكن يستثنى من ذلك رجوع 8 آلاف كوردي من آسيا الوسطى إلى أرمينيا في بداية عام 1995 بقرار من رئيس أرمينيا السابق (ليڤون دير پيتروسيان) أثناء الاحتفال بمرور 3 أعوام على استقلال بلاده في 21 أيلول / سبتمبر 1994 .

وحاليا فإن عدد الكورد في أرمينيا قد تخطى 250 ألف نسمة يتركزون في المناطق الشمالية المتاخمة لجيورجيا وعند جبال آرارات بالقرب من الحدود التركية ، معظمهم من الإزيديين والباقون مسلمون سنة مع أقلية مسلمة شيعية في جنوب أرمينيا ، وعملهم الأساسي هو الزراعة (زراعة الحبوب والخضروات) ، كما يمتلكون دورا لنشر الآداب والتراث الكوردي وكذلك للمناهج التعليمية باللغة الكوردية ، ونشير هنا إلى أنه قبل 5 أعوام ترجمت إلى اللغة الكوردية مسرحيتان غنائيتان لأستاذ الموسيقى السوڤييتية الشهير (آرام خاچاتوريان)[11] الأرميني الأصل وإحداهما تتعلق بقصة حب عاشتها إحدى مزارع الكورد في (يريڤان) في العهد السوڤييتي ، وكانت المسرحيتان مكتوبان بالروسية ثم الأرمنية قبل ترجمتهما .

وبالنسبة لجيورجيا فقد وصل عدد الكورد حسب آخر التقديرات الإحصائية إلى 120 ألف نسمة يتواجدون في العاصمة تفليس والمدن المحيطة بها (معظمهم إزيديون) كما ينتشر بعضهم في مقاطعة أوسيتيا الجنوبية التابعة لجيورجيا (هناك أيضا جمهورية أوسيتيا الشمالية وتتبع روسيا في شمال القوقاز) وكذلك بنسب أقل في جمهوريتي أبخازيا وآجاريا التابعتان لجيورجيا (أكثرهم مسلمون) ، والكورد في جيورجيا كانوا وما زالوا رجال صناعة يعملون في الصناعات الثقيلة (الغاز والأجهزة) وبعضهم استطاع تكوين طبقة صناعية قوية تمتلك عددا من الشركات الصناعية في جيورجيا .

أما في آذربيجان فحسب آخر مسح سكاني أجري هناك بلغ عدد المسجلين فعليا على أنهم كورد حوالي 80 ألف نسمة ، وليس معروفا هل شمل التسجيل أولئك الذين تم تتريكهم في العهد السوڤييتي أم لا ، لكن يعتقد أن التسجيل شملهم بشكل فعلي قياسا إلى عدد الكورد في الإحصاء السوڤييتي الأخير عام 1989 (قبل تفكك الاتحاد السوڤييتي بعامين) حيث لم يكن عدد المسجلين على أنهم كورد يتجاوز 18 ألف شخص بدون المسجلين كآذريين، كذلك فقد لوحظ تغير سلوك النظام في آذربيجان أثناء حكم رئيسها السابق (حيدر علييڤ) فيما يخص التعامل مع القوميات غير التركية وهو ما يفسر الاعتقاد بأن الكورد الذين كانوا مسجلين كآذريين قد استعادوا هويتهم الكوردية وبالتالي سجلوا في الإحصاء الآذربيجاني الأخير على أنهم كورد .

ويتواجد الكورد بشكل أساسي في غرب وجنوب آذربيجان وتحديدا في مدن گنجه ولاشين ولنكران وشمخا وإيروم ، كما ينتشر عدد منهم في العاصمة (باكو) وأيضا في مقاطعة (ناگورنو كاراباخ)[12] وجمهورية (ناخچيڤان) الذاتيتان التابعتان لآذربيجان ، وأغلبيتهم العظمى هناك مسلمون ففي الغرب هم من السنة الشوافع بينما أقرانهم في الجنوب من الشيعة الجعفرية ، أما الإزيديون في آذربيجان فالغالب أنهم موجودون فقط في ناگورنور كاراباخ ، ويتسم عمل الكورد هناك بالطابع التجاري فهم مثل مواطنيهم الآذريين في الجنوب والغرب يعملون في التجارة خصوصا التجارة الحدودية مع إيران جنوبا ومع تركيا غربا حيث يتبادلون البضائع التجارية مع أقرانهم في كوردستان إيران وتركيا ثم تباع البضائع في الأسواق المحلية ، وكثير من هؤلاء التجار هم أصحاب علامات تجارية مشهورة في آذربيجان .

بينما في تركمانستان تقول بعض المصادر غير الرسمية إن عدد الكورد هناك وصل إلى 50 ألف نسمة بما في ذلك الذين كانوا مسجلين سابقا كتركمان ويتركز هؤلاء الكورد جنوب تركمانستان في منطقة (پيرام علي) وقرب الحدود مع إيران وأفغانستان وأيضا ناحية بحر قزوين ، ودينيا فغالبيتهم مسلمون شيعة جعفرية خلافا لمعظم سكان هذه الدولة الذين هم مسلمون سنة أحناف مع أقلية مسيحية أورثوذوكسية (من أصل روسي) ، وقبيل عام 2000 لم يكن يسمح لهم ببناء مسجد خاص بهم لأن القانون التركمانستاني حينها كان يعطي الحرية الدينية للمسلمين السنة والمسيحيين الأورثوذوكس فقط ، لكن التعديل الأخير الذي أمر به رئيس البلاد (صابر مراد نيازوڤ) الشهير بلقب تركمان باشي (أبو التركمان) سمح للمسلمين الشيعة (الكورد والهزارة الأفغان وأقلية صغيرة من البلوش والفرس الإيرانيين) ببناء مساجدهم ، كما سمح للمسيحيين الكاثوليك (وهم من أصل كوري) ببناء كنائسهم .

ومن الناحية المهنية فإن معظم الكورد حسب هذه المصادر يعملون في قطاعات النفط والماء والكهرباء ، ومستوياتهم المعيشة مرتفعة مقارنة بالكورد في إقليم ما وراء القوقاز لأهمية وقوة القطاعات التي يعملون فيها خصوصا القطاع النفطي .


الخاتمة

لا يسعني بعد الانتهاء من إعداد وتأليف هذه الدراسة حول الشعب الكوردي في الاتحاد السوڤييتي السابق إلا طلب الموفقية من الله تعالى في طرح كل ما يتعلق بأوضاع الكورد في هذه الدولة السابقة قديما وحديثا من أجل تسليط الضوء على هذه الشريحة المعزولة إعلاميا عما حولها والتي عانت من التجاهل وقلة الاهتمام بها حتى من قبل أقرانها في كوردستان .

لكني ألتمس العذر لوسائل الإعلام الناطقة والمكتوبة بالكوردية في كوردستان لكونها ما زالت حديثة العهد والإنشاء بعدما صار لكوردستان العراق حكومة وإدارة خاصة ، وبدأت معظم الوسائل التي كانت مقيمة خارجها في التوجه إليها حيث تحولت برامجها من مجرد الاهتمام بالتراث والثقافة الكورديين إلى توسيع دائرة عملها لتشمل المجالات الأخرى بما فيها الأخبار والتعليم والشؤون الاجتماعية والأمور التقنية والعلمية وما إلى ذلك .

وبما أن هذه الوسائل قد خصصت نفسها لخدمة الشعب الكوردي في كل مكان وليس فقط في كوردستان ، فعليها بد أن تحاول تقديم نفسها بصورة أفضل من خلال توجيه قسم من برامجها إلى أولئك الكورد في الجمهوريات السوڤييتية للاهتمام بأوضاعهم وإبراز الحالة التي يعيشونها هناك ، وهذا طبعا دون إغفال باقي الكورد المهاجرين في جميع أنحاء العالم .

ولا يفوتني في الختام ذكر المصادر التي استندت إليها في كتابة ما تصرفت فيه من هذه الدراسة ، وهي مواقع الإنترنت التالية:

www.ethnologue.com

www.omniglot.com

www.geonames.de

www.wikipedia.org

encarta.msn.com

www.cia.gov

تمت الدراسة بحمد الله وعونه
——————————————————————————–

[1] من وجهة نظري فالعراق هو شقيق سورية ليس في العروبة فقط بل في كل شيء بما في ذلك التنوع العرقي والديني والمآسي المشتركة الناتجة عن التاريخ والسياسة وما يلحق بهما

[2] بسبب التنوع العرقي الكبير لشعوب الاتحاد السوڤييتي السابق ، فقد جرى تصنيفهم على أساس لغوي وكما هو معروف أن اللغة الكوردية هي من اللغات الإيرانية

[3] نظام المزارع الجماعية هو جزء من السياسة الاشتراكية الشيوعية للاتحاد السوڤييتي حيث الملكية تكون مشتركة ومشاعة بين الجميع وكذلك العمل والإنتاج

[4] في عام 1994 وبمناسبة ذكرى مرور 3 سنوات على استقلال أرمينيا ، أعلن الرئيس الأرميني السابق ليڤون دير پيتروسيان (وهو من أرمن سورية ومن مواليد حلب) عن السماح بعودة الكورد الذين هجرهم ستالين من أرمينيا زمن الحرب ، فعاد مع بداية عام 1995 نحو 8 آلاف كوردي منهم 3500 إزيدي والباقون مسلمون

[5] وقد شمل ذلك جميع الإحصاءات السوڤييتية لعام 1926

[6] في لغة الكورد بهذه المناطق يلفظ الحرف اللاتيني û مثل ü في الألمانية والتركية ، والحرف i يلفظ مخففا كما في الإنكليزية ، بينما الحرف e يلفظ كما في أداة التعريف le الفرنسية ، ويلفظ الحرف a قريبا من الألف الممدودة في اللغتين الفارسية والأوزبكية ، وهذا بخلاف اللغة الكوردية في كوردستان حيث تختلف حروف العلة حسب طولها فقط كما في جدول الأبجديات

[7] الاسم الحالي للينينگراد هو سانت پيترسبيرگ حيث كانت في العهد القيصري قبل أن تتحول إلى پيتروگراد في بداية العهد السوڤييتي ثم إلى لينينگراد بعد وفاة لينين عام 1924

[8] استثنيت من هذا الإجراء جمهوريات أرمينيا وجيورجيا وإستونيا ولاتڤيا وليتوانيا لأسباب فنية وتراثية تتعلق بثقافة ولغة الشعوب الواقعة في هذه الجمهوريات ، فبقيت إستونيا ولاتڤيا وليتوانيا تستعمل الخط اللاتيني وإلى الآن بينما حافظت أرمينيا وجيورجيا على أبجديتيهما

[9] الحروف e ، i ، u تتشابه مع الحروف ê ، î ، û في اللفظ وتختلف عنها في مد الصوت ، بينما الحرف a يلفظ مثل e في أداة التعريف le الفرنسية

[10] الزرادشتية: هي أقدم ديانة ظهرت في بلاد فارس (إيران الحالية) قبل الميلاد ، وتنسب لمؤسسها (زرادشت) الذي اعتقد بوجود إله للخير (آهورا مازداك) وإله للشر (آهريمان) ، وقد تقلصت الديانة الزرادشتية فترة ما بعد الميلاد بعد ظهور الصابئية والمجوسية

[11] آرام خاچاتوريان (1921 – 1978) هو من أشهر الموسيقيين في العهد السوڤييتي ، ولد في جيورجيا وتوفي في روسيا ، وهو من أسرة أرمينية فقيرة لكنه نبغ في الموسيقى فألف ثلاث سيمفونيات وسبع مقطوعات موسيقية ولحن عددا من المسرحيات الغنائية المشهورة في الاتحاد السوڤييتي وكان من معارضي الشيوعية ، ذاع صيته في الأوساط الموسيقية العالمية

[12] ناگورنور كاراباخ (بالأرمنية Լեռնային Ղարաբաղ): مقاطعة مستقلة ذاتيا تتبع آذربيجان ويشكل الأرمن الغالبية العظمى من سكانها ، كانت سابقا منطقة ذاتية الإدارة في نطاق آذربيجان ولكن قامت فيها حركة استقلالية عام 1993 نجحت بمساعدة الحكومة الأرمينية في إجبار السلطات الآذربيجانية على الاعتراف بها كمقاطعة مستقلة ذاتيا ، وأدت إلى قيام حرب بين البلدين انتهت عام 4199 بتوقيع اتفاقية رعتها روسيا وتركيا وإيران