الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكورد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة التاسعة )معروف الرُّصافي

مشاهير الكورد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة التاسعة )معروف الرُّصافي

الجغرافيا.. والعصا
الحياة سلسلة اكتشافات.
كما أنها سلسلة تحولات.
وثمة قناعات نكتشف أنها كانت أوهاماً، فنتخلّى عنها.
وقناعات جديدة نكوّنها، ونتحمس لها، ونهيم بها حباً.
ولا عجب في هذا، ولا عيب في ذاك.
بل من الضروري أن نفعل هذا، ونمارس ذاك.
وإلا فالحياة والجمود ضدان لا يتفقان.
وقد بدأت حياتي العلمية الأكاديمية في مجال الأدب.
ثم اكتشفت أنه كي أفهم الأدب ينبغي أن أقرأ التاريخ.
ثم اكتشفت بعدئذ أن الطريق إلى فهم التاريخ هو الجغرافيا.
بل أدركت أنه كي أفهم الدين والفلسفة والأدب والفن لا بد من الجغرافيا.
وقل الأمر نفسه في فهم علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة.
وهكذا إن ما كان عندي ممقوتاً صار محبوباً جداً.
وما كنت أهرب منه صرت أسعى إليه.
أقصد: الجغرافيا.
بلى، كانت دروس الجغرافيا بغيضة إليّ أيام الدراسة العامة.
تعرّجات كثيرة ومتداخلة ومتشابكة تسمّى تضاريس!
خطوط تستقيم وتتلوىّ تسمّى بحاراً وأنهاراً!
نقاط تتالى صاعدة هابطة تسمى حدوداً!
دوائر صغرى وكبرى منثورة على غير نظام تسمى مدناً!
مثلّثات ومربّعات سود ترمز إلى مواطن البترول والمعادن!
لا، بل كان ثمة ما هو أدهى وأمرّ.
كان مطلوباً أن أحفظ كل هذه التعقيدات وعصا الأستاذ تحدّق فيّ.
فكيف لا أفرّ من الجغرافيا- والحال هذه – فراري من المجذوم؟!
وها أنا ذا والجغرافيا صاحبان منذ عَقْدين من السنين.
وكان أول ما فعلت أني اقتنيت كرّاساً فيه خرائط معظم دول العالم.
ثم وجدتني أشتري خريطة للعالم متوسّطة الحجم، وأعلّقها في غرفتي.
وكنت كلما أسمع خبراً عن حدث في دولة أقوم إلى الخريطة فأتأمّلها.
وكذلك كنت أفعل كلما قرأت عن فيلسوف أو روائي أو فيلسوف أو عالم.
كان أولادي حينذاك صغاراً، لا يدركون حقيقة ما أفعله.
أوضحت لهم الأمر بعد أن كبروا.
حسناً.. فللناس فيما يعشقون مذاهب.
القادة والزعماء أيضاً يقتنون الخرائط.
هم كي يحكموا العالم.
وأنا كي أعرف العالم.
البيت الكبير
أجل عبر الجغرافيا والتاريخ عرفت الكثير.
عرفت أنني أنتمي إلى بيت كبير، بل كبير جداً.
يقع بيتي الكبير هذا في شرقي المتوسّط.
إنه بيت في الغاية من العراقة والأهمية.
كم من المعيب ألا يعرف المرء بيته صغيراً كان أم كبيراً!
تتجاور في بيتي الكبير، منذ فجر التاريخ، شعوب مختلفة الأسماء والأعراق.
أما موقعه فتحده شرقاً صحراء إيران، وشمالاً جبال القوقاز (قفقاسيا)، والبحر الأسود، وبحر إيجا، وسواحل بلاد الشام على المتوسط، وغرباً الصحراء المصرية، وجنوباً أواسط السودان وبحر العرب ومضيق هرمز.
وأما الشعوب التي عاشت- وما زالت- تعيش في هذا البيت الكبير فهم بدءاً من الشرق: الفرس، والكورد، والآزريون، والأرمن، واللاز، والشركس، والترك، والعرب، والسريان، والكلدان، والآشوريون، والصابئة، والقبط، والنوبة، وأفارقة آخرون، ولعلي نسيت أسماء شعوب أخرى، فعذراً.
وصحيح أنه تقوم اليوم في هذه المنطقة الهائلة دول كثيرة؛ ملكيات وجمهوريات وإمارات، ولكن قلما تجد دولة منها إلا وفيها هذه الفسيفساء الحضارية الرائعة، وتجد أن ثمة عدة ثقافات تتجاور وتتعايش في الدولة الواحدة، بل ليس تتجاور وتتعايش فقط، وإنما تتزاوج وتتثاقف وتتكامل، فتبدع ثقافة متجانسة لم أجد إلى الآن اسماً مناسباً لها، إذا قلت: إنها إيرانية أو عربية، أو كردية، أو تركية، فماذا أفعل بالمكونات الأخرى؟ وإذا قلت: إنها إسلامية فماذا أفعل بالمسيحية والزردشتية والصابئية والموسوية، بل وقبل هذا وذاك: ماذا أفعل بالسومرية، والغوتية، والأكادية، والخالدية، والحورية (الميتانية)، والحثية، والميدية، والأخمينية، والآرامية، والفينيقية، والفرعونية؟
إن هذا البيت الكبير كان- وما زال- مدرسة حضارية كبرى.
ومن الخطأ تناول جانب منها، وإدارة الظهر إلى الجوانب الأخرى.
كما أنه من الإثم تلميع مكوّن من مكوّناتها، وطمس مكوّن آخر.
وأنجبت هذه المدرسة الحضارية رجالات أفذاذاً في مختلف الميادين.
نقف الآن عند أحدهم.
إنه معروف الرُّصافي.
فمن هو الرجل؟!
وما هي إسهاماته في تاريخ البيت الكبير.

في حيّ القراغول
ولد معروف بن عبد الغني المشهر بلقب (الرُّصافي) سنة (1875 م) في حي من أحياء بغداد، يدعى حيّ (القراغول)، وهو ينتمي من جهة أبيه إلى عشيرة (جبارة)، وهي عشيرة كردية تدعى بالكردية (جباري)، لكن يذكر أدهم آل جندي في كتابه (أعلام الأدب والفن، الجزء الثاني) أن الرصافي من العشيرة الكردية (بَرزنْج)، والأرجح أنه من عشيرة جباري. وجاء في كتاب (العشائر الكوردية) أن عشيرة جباري تسكن لواء (محافظة) كركوك، وهي تمتهن الزراعة، وقد وقفت إلى جانب الشيخ محمود الحَفيد خلال ثورته ضد الإنكليز سنة (1919) في كوردستان العراق.
وكان عبد الغني والد معروف يعمل في سلك الجَنْدِرْما (الدَّرَك)، كما أنه كان كثير التنقل بحكم وظيفته، ويبدو أنه توفّي مبكّّراً، فتلقّى الصبي معروف الرعاية الكاملة من أمـه فاطــمة بنت جاسم، وهي من بنات حيّ (القراغول)، وكذلك من جدّه جاسم، وهو من أصل عربي بدوي، ولّما بلغ معروف الثالثة من عمره أرسلته أمه إلى الكُتّاب، ليتعلم تلاوة القرآن والكتابة، طبقًا للعادة المتبعة في تعليم الصبية حينذاك.
وبعد أن أنهى معروف دراسته في الكُتّاب، وختم القرآن الكريم، انتقل إلى كُتّاب آخر كان يعتبر من أرقى الكتاتيب ببغداد في ذلك الوقت، وكان من شروط قبول التلميذ فيه أن يكون قد ختم القرآن، وكانت الدروس التي تُدرَّس في هذا الكُتّاب أرقى من التي كانت تُدرَّس في الكتاتيب الأخرى؛ سواء أكان ذلك من حيث الكمّ أم النوعية، ولذلك كان لهذا الكتّاب امتياز خاص، وهو أن الطالب الذي يُنهي دراسته فيه يحق له التسجيل في الصف الأول من صفوف (المدرسة الرشيدية العسكرية).
وهكذا أصبح معروف من طلبة المدرسة الرشيدية العسكرية، لكنه جابه فيها مشكلتين لم يكن في مقدروه تحمّلهما:
– الأولى هي صعوبة الدراسة؛ إذ اقتصر التدريس في المدرسة الرشيدية على اللغة التركية، تلك اللغة التي يجهلها معروف، سوى ألفاظ متناثرة وتعبيرات بسيطة، شأنه في ذلك شأن الغالبية العظمى من الكورد والعرب حينذاك.
– والثانية هي التنافر الشديد بين الطبع الأدبي المتأصّل في شخصية معروف، وروحه الشاعرة من ناحية، وبين صرامة نظام الجندية، وقسوة الحياة العسكرية، والطاعة العمياء المطلوبة على الدوام، من ناحية أخرى.

لقب الرُّصافي
وأمضى معروف سنتين في المدرسة الرشيدية بجهد جهيد، واستطاع بصعوبة أن يجتاز الصفين الأول والثاني، وكان مضطراً إلى حفظ نصوص المواد الدراسية عن ظهر قلب، دون أن يفهم مضامينها، ولما انتقل إلى الصف الثالث لم تُسعفه طريقته هذه في التغلّب على الموادّ الدراسية الجديدة، وعجز عن النجاح، فاضطر إلى ترك المدرسة الرشيدية، وانصرف إلى الدراسة الحرة، يقرأ ما يميل إليه طبعه، ثم توجّه نحو المدارس الدينية، فدرس فيها العلوم الدينية والأدبية واللغوية، واختار من تلك المدارس مدرسة العلاّمة محمود شكري الآلوسي، صاحب الكتاب الشهير (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب)، فلازمه أكثر من اثنتي عشرة سنة، درس خلالها علوم اللغة العربية وآدابها، كما درس علوم الفكر والمنطق.
ونظراً لنبوغ معروف في دراسته أصبح موضع اهتمام أخواله، فكانوا يقدّمون له ما يحتاجه من نفقات، على أن معروفاً كان كريم الطبع، جواداً، إذا رأى زميلاً له في المدرسة من غير جبّة خلع جبّته وأعطاه إياه، بل إنه كان يخلع حذاءه من رجله ويعطيها لمن يجده بحاجة إلى حذاء، مع أنه كان لا يملك غيره، وكان كثير المواظبة على الصلاة، ويمشي في طريقه مرتدياً الجبّة، والعمامة على رأسه، وعيناه في الأرض لشدّة ورعه، فلقّبه أستاذه الآلوسي بـلقب (الرُّصافي)؛ نسبة إلى شيخ قديم معروف بالتقوى والصلاح في محلّة الرصافة ببغداد.
ومن مدرسة شيخه محمود شكري الآلوسي التحق الرصافي بمدرسة جديدة، هي مدرسة الملاّ البغدادي، واستمر في استكمال تعليمه، مواظباً على الدروس دون كلل أو ملل، يساعده ذكاء وقّاد وفطنة نيّرة، وتشجيع من شيخه الملاّ البغدادي الذي لمح فيه النجابة والنبوغ، وكان ذلك من العوامل المساعدة على أن يسير بخطوات ثابتة في التحصيل العلمي، وأن يكون متميّزاً ومتفوّقاً على أقرانه من الطلبة.

في ميادين الحياة
استكمل الرصافي دراسته، وتسلّح بعلوم تجعله أهلاً لأن يتحوّل من طالب علم إلى معلم، فحصل على وظيفة معلم بمدرسة ابتدائية في إحدى قرى العراق النائية، وبعد سنة عمل معلّماً في مدرسة ابتدائية ببغداد، ومنها نقل إلى المدرسة الإعدادية ليصبح مدرّساً للغة العربية، وفي سنة (1908 م) أُعلن الدستور العثماني، فاستدعاه صاحب جريدة (إقدام) التركية في إستانبول، ليكتب في جريدته التي عزم على إصدارها باللغة العربية، فسافر إلى هناك ليتولّى عمله في الجريدة ، لكنه لم يقم في إستانبول طويلاً، وعاد ثانية إلى بغداد.
وما إن استقر به المقام في بغداد فترة من الزمن حتى استُدعي إلى إستانبول ليدرّس اللغة العربية في المدرسة الملكية الشاهانية، إضافة إلى الكتابة في مجلة (الإرشاد)، فسافر إلى إستانبول من جديد، وأثناء وجوده فيها تم انتخابه نائباً عن لواء (المنتفق) العراقي. واندلعت الحرب العالمية الأولى، فعُهد إليه تدريسُ الخطابة في مدرسة الواعظين التي أسستها وزارة الأوقاف، وبقي في عمله إلى أن أُعلُنت الهدنة، فقرر العودة إلى العراق، ولم يكن السفر إلى العراق ميسوراً، فتوقف في دمشق وبقي فيها سبعة أشهر، ومن دمشق رحل إلى القدس، فتولّى تدريس آداب اللغة العربية بدار المعلمين فيها.
وفي سنة (1921 م) تألّفت الحكومة الوطنية بالعراق، فعاد إلى بغداد، فعيّن نائباً لرئيس لجنة (الترجمة والتأليف)، وقضى في عمله هذا نحو عام ونصف العام، انتقل بعده إلى العمل في القطاع الخاص، فأصدر جريدة سياسية تحت اسم (الأمل). لكن الضائقة المالية لم تسمح له بأن يصدر أكثر من ثمانية وستين عدداً.
ولما حلّت سنة (1924 م) عيّن مفتشاً للغة العربية بوزارة المعارف، وانتقل من هذا المنصب إلى دار المعلمين العالمية ليتولّى تدريس اللغة العربية وآدابها. وبعد أن أمضى في مهنة التدريس أربعة أعوام استقال، واكتفى بالمقعد النيابي الذي شغله خمس مرات متتالية خلال ثماني سنوات، ترك العلم بعدها في وظائف الدولة ومجلس الأمة، وكان ذلك سنة (1933 م).

الرصافي مفكّراً وكاتباً
إرث الرصافي زاخر بالعطاء، فقد ترك وراءه سبعة عشر مؤلفًا طُبع بعضها، وبعضها الآخر ما زال مخطوطًا؛ إذ لم يستطع أن يدفع إلى الطباعة بكل ما كتب، لضيق ذات يده، وتولّى بعض أصدقائه دفع تكاليف طباعة بعض كتبه، وتولّت الحكومة العراقية طباعة بعضها الآخر.
ومن أقدم مؤلفاته كتابه (الرؤيا)، ويُعدّ أول مؤلفاته، وهي رواية كتبها الأديب التركي (نامق كمال)، ونقلها الرصافي إلى العربية بعد إعلان الدستور العثماني، وأهم ما جاء فيها هو النداء الذي وجّهه المؤلف إلى الشعب في السلطنة العثمانية، يستنهض هممهم، ويطلب إليهم العمل لتحقيق المجد والسؤدد.
واتجه الرصافي إلى أدب الأطفال فكان لديه اهتمام بتنشئتهم تنشئة كريمة، وإذكاء الروح القومية والوطنية فيهم، فلما كان في القدس وعمل فيها أستاذاً للغة العربية وضع كتابه الثاني باسم (الأناشيد المدرسية)، وطبع هذا الكتاب ووزّع على المدارس، فكان الطلاب يبدؤون يومهم الدراسي بإنشاد هذه الأناشيد التي ترددت في مختلف البلدان العربية.
وبعد كتابه هذا وضع كتابه الثالث (تمائم التعليم والتربية)، وضمّن هذا الكتاب عدداً من الأناشيد القومية والوطنية ومكارم الأخلاق والسعي لطلب العلم، وغيرها من التوجيهات اللازمة لتربية التلاميذ تربية صالحة، وقد ذاعت هذه الأناشيد في البلاد العربية، وحفظها طلاب المدارس، وكانوا يرددونها في كل يوم.
والكتاب الرابع للرصافي كان بعنوان (دفع الهُجْنة في ارتضاخ اللُّكْنة)، وقد جمع فيه كلمات عربية ردّها إلى أصولها في المعجم، إذ كانت هذه الكلمات تستعمل في اللغة التركية، وكان يرمي من وراء تأليف هذا الكتاب إلى حماية المتكلمين بالعربية من اللُّكْنة.
أما الكتاب الخامس فهو (نفحُ الطِّيب في الخطابة والخطيب)،وقد ألّفه الرصافي عندما عهدت إليه الدولة العثمانية بتدريس الخطابة العربية في مدرسة الواعظين بالأستانة مع بدء الحرب العالمية الأولى.
ثم وضع الرصافي كتابه السادس (دروس في تاريخ آداب اللغة العربية)، ويتألّف من الدروس التي ألقاها على طلبته في دار المعلمـين بالعراق، ونشرها سنة (1928 م) بمجلة (التربية والتعليم) التي كان يصدرها ساطع الحصري، ثم جُمعت ونشرت في كتاب بعنوان (دروس في تاريخ آداب اللغة العربية).
ولم يترك الرصافي كتاباً وقع نظره عليه فقرأه إلا علّق عليه، مما يدل على سعة اطلاعه وعمق ثقافته، ولما توفي ترك كثيراً من المخطوطات التي حالت الفاقة من إرسالها إلى المطابع، ومنها: (الأدب الرفيع في ميدان الشرف)، و (خواطر ونوادر)، و(الرسالة العراقية)، و(آراء أبي العلاء)، و(الآلة والأداة)، و(دفع المَراق في كلام أهل العراق)، و(الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدس).


الرصافي .. شاعرًا
اشتهر الرصافي شاعراً أكثر من اشتهاره كاتباً، وله ديوان في جزءين، ويعـدّ شعره سجلاً تاريخيًا صادقًا لما كان عليه العراق منذ أواخر العهد العثماني حتى نيله استقلاله في ظل النظام الملكي، إنه شارك أبناء وطنه مرارة البؤس وآلام الحرمان، فكانت قصائده تصدر عن شعور صادق وضمير يقظ وحس مرهف أصيل.
وكان الرصافي بحق من أبرع الشعراء الذين صوروا بؤس الشعب ومآسيه، وكان أصدق من ترجم آمال الجماهير وأحزانها، فكان- رحمه الله- إذا صوّر لوحة من تلك اللوحات الحزينة لا يكتفي بمجرد التصوير، بل يستخلص منها ما يراه مفيداً لاستنهاض الشعب وإيقاظه من سباته، والتنديد بركوده وجموده، وفي معظم قصائده نراه يهيب بالجماهير كي تتطلّع إلى حياة أعز ومنزلة أسمى، وهذه الحقيقة ماثلة للعيان في معظم أشعاره.
وإذا دققنا في شعر الرصافي وجدنا أنه اتخذ من الكون كله غرضاً له، وقد أعانه على بلوغ ما أراد بيان ناصع، وأسلوب بليغ، وألفاظ مختارة منتقاة، وقريحة ثرّة، وديباجة مشرقة، ولغة واضحة لا حشو فيها ولا تعقيد، وهذا يظهر جليّاً في ثروته الشعرية التي أبدعها، تلك الثروة التي تمتاز بمعانيها الفياضة والتبويب الرائع.
كما أن الرصافي تأثّر بأفكار جمال الدين الأفغاني، وأسهم بشعره في رفد الحركة الفكرية- الاجتماعية بكثير من القوة والحيوية؛ سواء أكان ذلك في مجال تحرير العقول من الأوهام، أم في تحرير النفوس من العبوديات، أم في مقاومة الجمود وتعليم المرأة، حتى إن عبد اللطيف شرارة يقول في كتابه (الرصافي):
” إن الفضل فيما توصّلت إليه المرأة العربية، والعراقية خاصة، من حرية وثقافة، إنما يعود إلى بضعة أفراد، بذلوا غاية الجهد في هذا المضمار، وعلى رأسهم قاسم أمين في مصر، والزُّهاوي والرصافي في العراق “.
ولا يخفى أن هؤلاء الثلاثة هم من الكورد، واهتمامهم بالمرأة وتحريرها أمر يستدعي وقفة تحليلية جادة. ونرى الرصافي في هذا المجال يدعو إلى تعليم المرأة، مندّداً بحجب المعرفة عنها باسم الدين الإسلامي:

لقد كذَبوا على الإسـلام كِذْباً تزولُ الشُّمُّ منــه مُزلزَلاتِ
أليس العلمُ في الإسلامِ فرضاً على أبنائه وعلى البنـاتِ؟!

بل يرى الرصافي أن البناء الخلقي القويم للإنسان يبدأ من الأم، لذا من الضروري الاهتمام بتعليم المرأة وتربيتها تربية حسنة، كي تكون قادرة على تنشئة الأجيال تنشئة فاضلة:

هي الأخـلاقُ تَنبتُ كالنباتِ إذا سُقيتْ بماء المَكْرُماتِ
ولم أرَ للخـلائق من محلٍّ يُهذّبُها كحِضنِ الأمّهـاتِ
فحِضنُ الأمّ مدرسةٌ تَسامتْ بتربية البنـينَ أو البناتِ
وأخلاقُ الوَليدِ تُقاسُ حُسناً بأخلاق النسـاء الوالداتِ

والرصافي عاشق للحرية، ومدافع مخلص عن كرامة الإنسان، لذلك نجده يعبّر عن سخطه على سياسات الدولة العثمانية الاستبدادية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فيقول:

عجبتُ لقـومٍ يَخضعون لدولـةٍ يَسوسهمُ بالمُوبقـاتِ عميدُها
وأعجـبُ من ذا أنّهـم يَرهبونها وأموالُها منهمْ، ومنهمْ جنودُها

وكم كان سروره كثيراً بحدوث الانقلاب على النظام الاستبدادي الذي مارسه عبد الحميد، وإعلان الدستور في العشر من شهر تموز/يوليو سنة (1908)، لقد قال:

أَكرِمْ بتمّــوزَ شهراً، إنّ عاشرَهُ قد كان للشرق تكريـماً وتعزيزا
شهرٌ به الناسُ قد أضحتْ محرَّرةً مِن رِقِّ مَن كان يَقْفو إثرَ جنكيزا
هي المسـاواةُ عمّتْنا، فما تركتْ فضلاً لبعضٍ على بعضٍ وتمييزا

ودعا الرصافي الأجيال إلى عدم الانغلاق على النفس، واجترار الماضي، فلا يكفي أن يكون الماضي مشرقاً، وإنما لا بد من التشمير عن سواعد الجدّ، وبناء الحاضر على أسس راسخة:

أرى مستقبَلَ الأيــام أولى بمَطمحِ مَن يحاولُ أن يسودا
فوجّهْ وجهَ عزمكَ نحو آتٍ ولا تُلفتْ إلى الماضـين جِيدا
وهل إنْ كان حاضرُنا شقيّاً نسودُ بكونِ ماضيـنا سعيدا؟َ!

والرصافي صاحب نفس أبيّة، يحب الطموح والمجد، ويشجّع الآخرين على ذلك:

سِرْ في حياتِكَ سيرَ نابِهْ ولُمِ الزمـــانَ ولا تُحابِهْ
وإذا حَلَلْتَ بموطـــنِ فاجعــلْ محلّك في هِضابهْ
واخترْ لنفســك مَنزلاً تَهفو النجـومُ على قِبـابِهْ
فالمجدُ ليس يَنـــالُه إلا المُخاطِـــرُ في طِلابِهْ
وإذا يُخاطبــك اللّئيـ ـمُ فصُمَّ سَمعَك عن خِطابِهْ
وإذا انبرى لك شــاتمٌ فاربَأْ بنفسكَ عن جــوابِهْ
فالروضُ ليس يَضـيرُهُ ما قد يُطنْطِنُ من ذُبــابِهْ

وسبق القول بأن الرصافي عانى اليتمَ والفاقة وبؤس العيش، لذا كان كثير الاهتمام بالفقراء والأيتام والأرامل، شديد التعاطف معهم، ونجد في شعره لوحات كثيرة تجسّد عمق تأثّره بمشاهد البؤس والشقاء، إن تلك المشاهد كانت تهيج عاطفته وتثير شاعريته، فقال في حديث له: ” كانت مشاهد البؤس أشد الدواعي عندي إلى نظم الشعر “. وله قصائد عديدة في هذا المجال، منها قصيدة بعنوان (أم اليتيم)، وأخرى بعنوان (الأرملة المرضع)، وثالثة بعنوان (اليتيم في العيد)، ورابعة حول مأساة أمّ حُكم على ولدها الوحيد بالسجن ظلماً، وغير ذلك كثير.
والرصافي هو الابن المخلص للبيت الحضاري الكبير الذي ذكرناه، وها هو ذا يدعو إلى التعايش، بعيداً عن العصبيات العرقية والدينية والمذهبية، مندّداً بتعصّب الجهلة من المسلمين والمسيحيين، ومشجّعاً على التآخي بين أبناء البيت الحضاري الواحد:

أما آنَ أنْ تُنسى من القومِ أضغانُ وتُبنى على أُسّ المؤاخاة بُنيانُ؟!
علامَ التَّعــادي لاختلاف ديانةٍ؟ وإنّ التعـادي في الديانةِ عُدْوانُ!
وما ضَرَّ لو كان التعــاونُ دينَنا فتَعمُرَ بُلـدانٌ، وتأمنَ قُطّــانُ؟!
إذا القـومُ عمّتْهـمْ أمـورٌ ثلاثةٌ لسانٌ، وأوطــانٌ، وباللهِ إيمـانُ
فأيُّ اعتقـادٍ مانعٌ من أُخـــوّةٍ بها قال إنجيـلٌ كما قال به قرآنُ؟!
أنَشقى بأمر الدين وهو سـعادةٌ؟! إذاً فاتّباعُ الدِّين يا قـومُ خُسْرانُ؟!

تحوّلات كبرى
بقدر ما تعرف تتألّم.
وبقدر ما تتألّم تصبح أكثر وعياً.
وتصبح حياتك عرضة لتحوّلات أعمق.
وهذا ما يتجلّى في حياة الرصافي، فهو مثقف واسع الرؤية، وشاعر مرهف الحس، ثم إن الفاقة خيّمت على حياته في البدايات، وواكبته في النهايات، فكيف ينجو من الألم، وكيف تكون حياته بمنأى عن التحوّلات الكبرى؟! هذا عدا أنه عاصر أحداثاً عالمية وإقليمية جساماً، أبرزها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وزوال السلطنة العثمانية، وتداعيات اتفاقية سايكس- بيكو في شرقي المتوسط. إن جميع هذه العوامل والظروف كانت كافية لأن تُدخل التحوّلات في فكر الرصافي وفي رؤيته وقيمه وحياته. ولنستمع إلى أمين الريحاني يتحدث عن الرصافي قائلاً:
” إذا لم يكن معروف بدوي المولد، فهو بدوي الإرث، إني أذكر اجتماعنا الأول سنة (1910)، يوم كان يلبس العباءة والعقال، ويلقي الشعر بلهجة بدوية ساحرة، ثم سافر إلى الأستانة، ولبس هناك الجبّة والعمامة، وانضم إلى الأتراك في نهضتهم المدمّرة، فحمل اللواء والمصحف ليلاً ونهاراً، ثم وثب وثبة واحدة من المسجد إلى الحانة، خلع معروف الجبّة والعمامة وكل ما ترمزان إليه، وجعل المقاهي محطّ رِحاله، فنظم من الشعر ما يفصح عن المحطة الجديدة في حياته “.
ويقول عبد اللطيف شرارة، متحدّثاً عن الانعطافات الشديدة في حياة الرصافي:
” إن هذا الرجل الذي يصفه الريحاني على تلك الحال عام (1910)، ينقلب بعد عشر سنوات إلى (راضٍ) عن الحياة والناس، ثم ينقلب بعد فترة وجيزة إلى ثائر…، ثم يخوض الحياة الرسمية ووظائفها،… ثم ينصرف عن السياسة في فترة يأخذ خلالها في نشر الآراء والأفكار المتطرفة التي تخالف المألوف حول الدين والإيمان والشريعة، فيثير حول اسمه ضجة تستكّ لها الأسماع “.
ويذكر عبد اللطيف شرارة أن الرصافي اتُّهم بالمروق من الدين لأنه قال:

أحبُّ صراحتي قولاً وفِعـلاً وأكرهُ أن أَميـلَ إلى الرِّياءِ
ولستُ من الذين يَرَون خيراً بإبقاء الحقيقة في الخَـفاءِ
ولا ممّن يَرى الأديان قامتْ بوحيٍ مُنزَلٍ للأنبــــياءِ
ولكنْ هـنّ وضعٌ وابتـداعٌ من العقــلاء أربابِ الدّهاءِ

وإن الفاقة التي خيّمت عليه وهو في ريعان الشباب حدّت من مخالطة من هم في سنه، ممن كانوا ينعمون بالمال الوفير، فلجأ إلى التدخين ينفث في سيجارته همومه، وارتاد المقاهي ليحتسي كوباً من الشاي أو فنجاناً من القهوة، لقد كان الشاعر في صراع مستمر مع نفسه، وكان قوياً في الحدّ من شهوته، وقد قال في هذا:

وأَقنعُ بالقـوت الزهـيدِ لطيبهِ حِذارَ وقوعي في خبيث المطاعمِ
وأتركُ ما قد تشتهي النفسُ نيلًه لِما تَشتهـيه قــلّةٌ في الدراهمِ

وكان الرصافي طيّب القلب رحيماً، شديد العطف على الفقراء، إذا سمع عزاء في بيت بكى، وكان ذا كرم وأنفة، يرفض الظلم، ويندّد بالظالمين وأتباعهم، وقد تزوّج حينما أقام في استانبول بامرأة تركية، لكنه طلّقها لعجزه عن توفير أسباب الحياة المناسبة لها، ولم يتزوّج بعدئذ، وعاش وحيداً.
وابتلي الرصافي بالخمرة، ينفق فيها ما يملك، وعانى الفقر في أواخر عمره، حتى إنه اضطر إلى بيع السجائر في حانوت صغير، ليكسب قوت يومه، على أن السيد حكمت سليمان رئيس الوزارة العراقية حينذاك علم بذلك، فأقال عثرته، وكذلك فعل كل من شقيقيه مراد وخالد سليمان، وأحاطه الشيخ مظهر الشاوي بعطفه أيضاً، فخصّص له مبلغ أربعين ديناراً كل شهر، يكفيه للعيش بعيداً عن الفاقة.
ـ ـ ـ ـ
وفي صباح يوم الجمعة الموافق السادس عشر من شهر آذار/ مارس (1945 م) انتقل الرصافي إلى منازل الخلود، وطويت صفحة مشرقة من صفحات الشعر في العراق وفي البلاد العربية وفي البيت الحضاري الكبير. إنه كان الشاعر الفذ الذي يدرس شعره في المدارس، ويتغنى بشعره الأحرار، وقد أوصى بأن يدفن في أرض بِكر لم تفلح، فدفن في مقبرة الأعظمية، بجوار صديقه ومنافسه الشاعر جميل صدقي الزُّهاوي، رحمهما الله رحمة واسعة.

المراجع
ـ إيليا حاوي: معروف الرصافي الثائر والشاعر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، دار الكتاب المصري، القاهرة، الطبعة الأولى، 1978.
ـ خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السابعة، 1986.
ـ عبد اللطيف شرارة: الرصافي، دار صادر، بيروت، 1960.
ـ عمر رضا كحالة: معجم المؤلّفين، مكتبة المثنى، لبنان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957.
ـ فؤاد حمه رشيد: العشائر الكردية، مطبعة الحوادث، بغداد، 1979.
ـ معروف الرصافي: ديوان الرصافي، دار العودة، بيروت، 1972.
ـ مير بصري: أعلام الأدب في العراق الحديث، دار الحكمة، لندن، الطبعة الأولى، 1994.