الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها- القسم السادس عشر -مقترحات و توصيات للتغلب على التحديات التي يواجهها شعب كوردستان

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها- القسم السادس عشر -مقترحات و توصيات للتغلب على التحديات التي يواجهها شعب كوردستان

من خلال تفحص الواقع الكوردستاني و التحري عن مواطن القوة و الضعف فيه، يتوصل المرء الى رسم صورة حقيقية لهذا الواقع. الجوانب السلبية من هذا الواقع تتلخص في كون كوردستان مقسمة بين عدة دول و حدود مصطنعة تفصل شعبها و تُشتته و المجتمع الكوردستاني عبارة عن مجتمع زراعي متخلف، فقد هويته و فقد الكثير من ثقافته القومية و تم طمس و تشويه تأريخه العريق. لغته الجميلة تُكتب بثلاث أنواع من الحروف و لا تجمعه لغة كتابة موحدة و يفتقد الشعب الكوردي الى مرجعية سياسية موحدة و أهداف محددة و إستراتيجية مشتركة بالإضافة الى معاناته من مشاكل إجتماعية و نفسية و بيئية عديدة. بلده محتل من قبل حكومات عنصرية همجية و يشارك العيش مع شعوب متخلفة مشحونة بالأفكار الشوفينية لا تعترف بحقوقه. من جهة أخرى، شعب كوردستان شعب شجاع يعشق الحرية و يمتلك شعوراً قومياً عالياً. إنه مجتمع متفتح دينياً و إجتماعياً و تتميز كوردستان بسعة مساحتها و بموقعها الإستراتيجي المهم و بثرواتها البشرية و المائية و البترولية و المعدنية و السياحية الكبيرة و إمتلاك جالية متعلمة كبيرة في المهجر مؤهلة لأن تلعب دوراً مهماً في إدارة و دمقرطة و إعمار كوردستان. النظام العالمي الجديد و الحرب على الإرهاب و العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات، كلها يخدم بدوره القضية الكوردية و يُعجّل من وصول شعب كوردستان الى تحقيق أهدافه في نيل حريته و إستقلال بلاده.

على الشعب الكوردي أن يكون واعياً و ملماً بما يدور حوله و مستوعباً لمعادلات الظروف الذاتية و الإقليمية و الدولية و مدركاً للمؤامرات و الدسائس التي تحاك ضده، ليتمكن من رسم خططه التكتيكية و الإستراتيجية، على ضوء النتائج التي يتوصل إليها من خلال تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية. هذه الخطط العلمية و الواقعية، ستساعد في رؤيته لآفاق المستقبل و في ضمان نجاحه في تحقيق أهدافه و طموحاته. بتشخيص هذه التحديات و البحث عن حلول ناجحة لمجابهتها و الإنتصار عليها، يضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته و يتفادى أن يصبح ضحية لأخطاء إستراتيجة أو تكتيكية كبيرة. عليه، يجب علينا الإعتراف بأن هناك تحديات مصيرية كبرى نواجهها و تقف أمام طموحات و تطلعات الشعب الكوردي و التي تحتاج الى تحديد و تشخيص و تقييم أهميتها و آثار نتائجها و إختيار آليات و وسائل فعالة للتصدي لها. يجب على الشعب الكوردي أن يُعيد النظر في استراتيجته على ضوء هذه الحقائق، لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة و أن يعرف بأن شروط إمكانية العيش الإختياري للكورد مع العرب و الترك و الفرس غير متوفرة في الوقت الحاضر و يمكنهم التعاون فيما بينهم و العيش ضمن منظومات دول إتحادية في المستقبل متى ما وصل نضجهم الى مستوى نضج البلدان الديمقراطية في أوروبا و أمريكا. نظرة ثاقبة و دقيقة للواقع الكوردستاني، و للظروف الإقليمية و الدولية في الوقت الحاضر، تقودنا الى الإستنتاج، بأنه فيما لو لم تسمح الظروف الإقليمية و الدولية للكورد بإعلان إستقلالهم و تأسيس دولتهم، فأن النظام الكونفيدرالي هو النظام الواقعي الذي يناسب الشعوب الكوردية و العربية و التركية و الفارسية في كل من العراق و سوريا و (تركيا) و إيران، للعيش في ظلها بسلام و وئام و في عمل مثابر لتقدم هذه البلدان و توفير الرفاهية لشعوبها و لإبعاد شبح الحروب و الدمار عنها.

أتطرق في هذه المقالة الى إيجاد حلول موضوعية و واقعية للمشاكل التي يعاني منها شعب كوردستان لخدمة القضية الكوردية و للتمكن من تحقيق الأهداف الكوردية في التحرر و الإستقلال وحياة حرة كريمة. في المقالة القادمة، و التي بها أختتم هذه السلسلة من المقالات، سأركز على المهام التي تنتظر شعب كوردستان في إقليم جنوب كوردستان، حيث يتمتع الشعب هناك بإدارة ذاتية، لتحقيق طموحات الكوردستانيين في هذا الجزء و العمل على إنجاح تجربته الفتية ليكون نواة لدولة كوردستان.

.بعد إنتهاء الحرب الباردة و إختفاء المعسكر السوفيتي، بدأت تظهر معالم نظام عالمي جديد يقوده قطب أوحد هو الولايات المتحدة الأمريكية. بعد العمليات الإرهابية في كل من نيويورك و واشنطن، بدأت الحرب العالمية على الإرهاب و التي أفرزت معسكرين متعاديين، هما المعسكر المحارب للإرهاب و الذي يجمع الدول و الشعوب و القوى و الأحزاب و المنظمات الديمقراطية و الليبرالية في العالم، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، و معسكر الإرهاب الذي تنتمي إليه الدول و الأنظمة و القوى و المنظمات الإسلاموية المتزمتة و الدكتاتورية و الشمولية و العنصرية المتخلفة. في الوقت نفسه، فأن العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات جعلت من كوكبنا الأرضي مجرد قرية كونية صغيرة ، حيث أصبح في متناول الإنسان الإنترنيت و الستالايت و الموبايل، في بيته و أماكن عمله و في وسائط نقله، يتعرف عن طريقها على آخر الأخبار المحلية و العالمية لحظة بلحظة و تمتزج و تتفاعل خلالها الثقافات الإنسانية، التي ساهمت و تساهم في التأثير على المستوى الفكري و الثقافي و الإجتماعي و السياسي لشعوب الأرض قاطبة. هذه المستجدات تساعد في التسريع من تقارب الثقافات العالمية و تلاقحها و تضع في متناول الإنسان أحدث الأخبار و التطورات العالمية و قضت على إحتكار وسائل الإعلام و حرّمت الحكومات الدكتاتورية من التستر على ممارساتها القمعية ضد شعوبها و فسحت المجال للشعوب المضطهدة، مثل شعب كوردستان، من إسماع صوتها للعالم. كما أن هذه المستجدات العالمية الكبرى قسًمت العالم الى حلفين متضادين، هما حلف التحضر و الحداثة و خيار طريق الديمقراطية و الحرية و التعددية و الليبرالية و إحترام حقوق الإنسان، وحلف التخلف و الشمولية و إتباع وسائل العنف و الإرهاب و الإلغاء لتحقيق الأهداف الظلامية له. الشعب الكوردي، كشعب مضطهد محتل بلده، حيث تعرض للإبادة الجماعية و إلغاء الهوية و اللغة و التأريخ من قِبل الأنظمة القمعية الشوفينية عبر تأريخه الطويل، يجد موقعه الطبيعي في صفوف القوى الديمقراطية المتحضرة التي تعترف بحقوقه القومية و الإنسانية و تساعده على تحرير نفسه و التمتع بحقه في تقرير مصيره. من هنا يجب أن تكون أسس التحالفات الكوردية مع القوى المحلية و الإقليمية و العالمية مبنية على الإصطفاف الى جانب القوى الديمقراطية العالمية المناهضة للإرهاب والشمولية و الدكتاتورية و الإستبداد و التخلف. كما على الشعب الكوردي أن يعي تماماً بأن عصر الحرب الباردة قد إنتهى و أن نظاماً عالمياً أحادياً جديداً قد إنبثق و الذي يتطلب التعرف على النظام العالمي الجديد و فهمه و التخلص من الأفكار الآيديولوجية و الشمولية البالية التي تجاوزها الزمن. كما أن النضال القومي الكوردي يجب أن يكون بالتنسيق مع القوى الديمقراطية المتحضرة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لضمان تحقيق الأهداف القومية الكوردية. على الأحزاب و القوى الكوردستانية أن تعرف بأن النضال المسلح خارج برنامج الحلف الديمقراطي العالمي هو ليس في مصلحة الشعب الكوردي و إنما يصب في خدمة أعداء شعبنا و أن مصير مثل هذا الكفاح المسلح هو الفشل و جلب المزيد من الموت و الدمار للشعب الكوردي و لكوردستان. عليه، فأن الشعب الكوردي في كافة أرجاء كوردستان، يجب أن يتبع كفاحاً سلمياً حضارياً للوصول الى أهدافه القومية بإتباع وسائل ديمقرطية و شرعية، مثل العصيان المدني، بتنظيم المظاهرات الجماهيرية السلمية و الإعتصامات و الإضرابات و التجمعات و الندوات و المحاضرات و إيصال الصوت الكوردي و مطاليبه الى أروقة منظمة الأمم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان و العفو الدولية و محكمة العدل الدولية و البرلمان الأوربي و المنظمات الإنسانية و النقابات و الإتحادات المهنية و الأحزاب الديمقراطية وغيرها. تثقيف و توعية الجماهير الكوردستانية و تنظيمها و توجيهها الى النضال السلمي الحضاري، سيؤدي الى النصر المؤكد للشعب الكوردي على محتليه و سيُرغمهم على الإعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه و بناء دولته المستقلة.

مواجهة التهديدات التي تُشكّلها الأنظمة المحتلة لكوردستان، تستلزم تمتين الجبهة الداخلية في الأقاليم الكوردستانية الأربع و تأسيس جبهات سياسية كوردستانية في كل إقليم على أسس وطنية قومية ديمقراطية، تضع مصالح شعب كوردستان فوق المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة و من ثم التلاحم بين الأقاليم و تأسيس جبهة مشتركة بينها أو على الأقل التنسيق و التعاون فيما بينها لمنح زخم من القوة و المنعة و فتح جبهة عريضة بوجه الأعداء. كذلك يجب العمل على توحيد منظمات المجتمع الكوردستاني و التنسيق بينها لإداء مهمتها في خدمة القضية الكوردية. يتطلب الواقع الكوردستاني أيضاً الإستفادة القصوى من العمق الجغرافي والخاصية الطوبوغرافية الإستراتيجية لكوردستان و من الثقل السكاني لشعب كوردستان، حيث تتراوح نفوسه بين أربعين و خمسين مليون نسمة كحد أدنى، و بذلك يُشكل الكورد ثاني أكبر قومية في منطقة الشرق الأوسط، بعد العرب. كما ينبغي توحيده و جمعه حول المبادئ القومية و الديمقراطية، ليقود نضالاً سياسياً ديمقراطياً سلمياً للوصول الى هدفه في تقرير المصير و تحديد قدره و مستقبله بنفسه و بملء إرادته، مستفيداً من النظام العالمي الجديد المبني على الديمقراطية و الحرية و الإعتراف بالآخر و بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. إنجاز مثل هذه المهمة، يتطلب رسم إسترتيجية قومية واضحة، تأخذ بنظر الإعتبار التطورات الكبرى التي حصلت في الإقليم الجنوبي من كوردستان و الوعي القومي العالي للشعب الكوردي و الإنتفاضات الجماهيرية و الشعبية في الأقاليم الكوردستانية الأخرى و المستجدات الإقليمية و الدولية و مسار النظام العالمي الجديد، للإلمام بالظروف الذاتية و الموضوعية التي يمر بها شعب كوردستان. وضع مثل هذه الإستراتيجية يؤهل شعب كوردستان لخلق مستلزمات و مقومات النصر على الأعداء.

تستلزم الظروف الحرجة التي يمر بها شعب كوردستان التنسيق و التعاون و التحالف مع القوميات و الحركات المتواجدة في الدول المحتلة لكوردستان مثل العرب و البلوش و الآذريين و التركمان و الكلدان و الآشوريين و الأرمن و الحركات و الأحزاب و المنظمات و القوى الديمقراطية و الإنسانية و اليسارية المعارضة لهذه الأنظمة بالإضافة الى التعاون مع الحكومات و الأحزاب و المنظمات و الجمعيات الديمقراطية و الإنسانية في العالم و طلب العون و المساعدة منها. إذن تلتقي مصالح شعب كوردستان مع مصالح الشعوب الأخرى المضطهدة و التي يتعرض وجودها للخطر في المنطقة و يجمع هذه الشعوب مصير مشترك و تتحمل مسؤولية تأريخية كبرى لدمقرطة منطقة الشرق الأوسط بدعم أمريكي و بريطاني لتحرير شعوب المنطقة، بما فيها الشعوب العربية و التركية و الفارسية من العبودية و الدكتاتورية و القهر و الفقر و المرض و الجهل و الحروب و من الأفكار الشمولية و العدائية المتزمتة و وضع صرح جديد لحياة سكان منطقة الشرق الأوسط المبني على الديمقراطية و إحترام الحريات و حقوق الإنسان و السلم و قبول الآخر و التعاون السياسي و الإقتصادي و العلمي لبناء دول المنطقة و تقدم شعوبها و جعلها شعوباً متحضرة و منتجة و لتصبح طرفاً مهماً في بناء الحضارة الإنسانية و خدمة الجنس البشري، حيث تتوفر في المنطقة الثروة البشرية و الطبيعية و التكنولوجيا المتقدمة التي تجعل أن تتكامل دول المنطقة مع بعضها البعض لتصبح فردوساً لشعوبها و لنودع السلاح و الحروب و القتل و الدمار و روح الكراهية و الثأر و التزمت و الى الأبد.

إذن، قدر الكوردستانيين و الشعوب المقهورة الأخرى و شعب إسرائيل، أن يتحدوا و يتحالفوا من أجل تغيير الأنظمة الدكتاتورية و الأفكار الظلامية لضمان وجودهم و مستقبل أجيالهم القادمة. على شعب كوردستان أن يضع إستراتيجيته على ضوء هذه الحقائق و التنسيق الكامل مع الإسرائيليين و مع الشعوب الأخرى المضطهدة لتحقيق إستقلال كوردستان و الحرية و الرفاهية لشعبه الشجاع، و الا سيتعرض هذا الشعب الأبي الى مزيد من الأنفالات و القصف الكيمياوي و يُحفَر له المزيد من المقابر الجماعية. علينا أن نتحمل مسئوليتنا بكل إباء و إخلاص و أن نبعد عن أنفسنا المزيد من الهزائم و التشرد و العبودية. عندما ننهزم و نفشل في مسيرتنا، حينئذ لا تنفع التبريرات و تحليل النتائج الكارثية، و إنما يعني أننا شعب فاشل لا نستحق الحياة و سيلعننا التأريخ و تلعننا الأجيال الكوردستانية القادمة.

بهذه الإجراءات يمكن ضمان نجاح القضاء على آثار الفكر القوموي العنصري الفاشي و الإسلاموي المتخلف، الذي عفى عليه الزمن و أصبح من مخلفات زمن الحرب الباردة و بقايا عصر طغيان روح الإستعلاء القومي و الديني و المذهبي و نشوء الأنظمة الشمولية الدكتاتورية. يجب الكفاح بكل إصرار لكنس الأفكار العنصرية و الطائفية في منطقتنا و البدء ببناء مجتمعات متحضرة تبني بلدانها و تعمل على لحاقها بالبلدان المتمدنة و المتقدمة.

إن النظام العالمي الجديد و تحرير العراق و التحولات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، تحتم على الأحزاب السياسية الكوردستانية بشكل خاص، و المواطنبن الكورد بشكل عام، في كل إقليم كوردستاني، بتشكيل جبهة كوردستانية مشتركة و الإتفاق على إستراتيجية واضحة و محددة و وضع برنامج عمل متطور للتمكن من تحمل مسئولية قومية تأريخية و قيادة الشعب الكوردستاني نحو الحرية و تقرير المصير. إن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات هائلة و أن على الكورد ترتيب بيتهم و الإستعداد لهذه التطورات والتغييرات و التأقلم معها لإيصال الشعب الكوردستاني الى تحقيق حريته و وحدته و بناء دولته المستقلة. علينا أن نعرف بأن عهد الخلافات الأيديلوجية قد إنتهى. اليوم يبزغ فجر الفكر الديمقراطي الحر السائد بين المجتمعات البشرية. على الأحزاب الكوردستانية في الأقاليم الكوردستانية التخلص من آثار أفكار فترة الحرب الباردة و شعارات (الحزب القائد) و (االزعيم الأوحد) الشمولية الدكتاتورية المريضة، و التمسك بالمصلحة القومية و الإبتعاد عن المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة.

إن تنظيم الكودستانيين لأنفسهم و توحيد صفوفهم و تمسكهم بالمبادئ الديمقراطية و قبول الآخر، تؤهل شعب كوردستان أن يكون شريكاً مميزاً في الجبهة العاملة لدمقرطة منطقة الشرق الأوسط و تحرير شعوبها من الأفكار العنصرية و المتخلفة و من العبودية و الجهل و الفقر و المرض و الإرهاب و إزالة الأنظمة الشمولية و الدكتاتورية و العنصرية فيها. نجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير يُعتبر نصراً تأريخياً فريداً لشعب كوردستان، حيث ستنبثق حكومات ديمقراطية في دول المنطقة و تختفي الحواجز و الحدود و يبدأ التواصل و التكامل بين أجزاء كوردستان المجزأة و تحتضن بعضها البعض بعد فراق طويل و فصل قسري. هكذا بالنسبة للشيعة و الأذربايجانيين و البلوش في المنطقة، حيث تتوحد أوطانهم من جديد و تتوحد شعوبهم بعد تقسيم جائر.

تأثر الحركات و الأحزاب الكوردستانية بالآيديولوجيات التي كانت سائدة في فترة الحرب الباردة و بالأفكار الشمولية و الإقصائية التي إنتشرت في المنطقة، يتطلب تجديد الأحزاب و التنظيمات الكوردستانية و رفدها بكفاءات شابة واعية و بالأفكار الديمقراطية و الليبرالية و إعادة النظر بأنظمتها الداخلية و برامجها و إستراتيجياتها، بل أن المرحلة الحالية تحتاج الى إنشاء أحزاب و تنظيمات كوردستانية جديدة تتجاوب مع متطلبات النظام العالمي الجديد و تتبنى الأفكار الديمقراطية و التعددية و تتفاعل معها، لفسح المجال أمام ظهور تنظيمات ديمقراطية حرة تبني نفسها من القاعدة الى القمة بوسائل ديمقراطية شفافة و بناء علاقاتها فيما بينها على أسس ديمقراطية تحترم إرادة شعب كوردستان و خياراته . مثل هذه التنظيمات العصرية ستكون قادرة على مواكبة المستجدات العالمية و الإقليمية و الداخلية الكبرى و التفاعل معها، لقيادة شعب كوردستان الى حيث الحرية و الإستقلال.

يجب تنظيم الجاليات الكوردية المقيمة في في المهجر و تكثيف نشاطها لتصبح قوة لا يُستهان بها للتأثير على القرار السياسي لحكومات الدول التي يعيشون فيها، والمتعلق بالمسألة الكوردية و علاقات دولها مع الحكومات المعادية لطموحات الشعب الكوردستاني. الجاليات الكوردية بحاجة الى مرجعية قومية تجمع مواطني الأقاليم الكورستانية في هذه الدول، بعيدة عن النزعة الحزبية و الإقليمية و وضع برنامج عمل طموح للفعاليات و النشاطات السياسية و الثقافية و العلمية و الإعلامية و الإجتماعية و التثقيفية. كما تستطيع هذه الجاليات التصويت لصالح الأحزاب الملتزمة بالدفاع عن حقوق الشعب الكوردستاني و التصويت للمواطنين الكورد الممثلين لتلك الأحزاب، الذين يدافعون عن حقوق شعبهم الكوردستاني. تستطيع هذه الجاليات إداء دور ممّيز في تعريف شعوب العالم بالشعب الكوردستاني و بقضيته العادلة و جمع شمل الكورد في المهجر و العمل على تواصلهم مع شعبهم في كوردستان، و خاصة الأجيال الكوردية المترعرعة في الغرب و تعليمهم اللغة و الثقافة الكوردية. ممثلو الأقليم الجنوبي من كوردستان في السفارات العراقية في دول الإتحاد يمكن أن يلعبوا دوراً كبيراً في تطوير العلاقات الكوردستانية مع حكومات هذه الدول و في دعم الجاليات الكوردية. كما أن الجاليات الكوردية في الخارج، عبارة عن خزين إستراتيجي من المواهب و الخبرة و التخصص و القيم الديمقراطية التي ستساهم بدور كبير في المشاركة في إدارة كوردستان و بنائها و دمقرطتها.

يجب الإهتمام الكبير بالكورد الذين يعيشون خارج كوردستان في الدول المحتلة لكوردستان، في المدن الكبيرة مثل إسطنبول و طهران و دمشق و بغداد و غيرها، و الذين إقامت الحكومات العنصرية في هذه الدول بتهجيرهم أو ظروفهم المعيشية الصعبة في كوردستان إضطرتهم الى الهجرة الى خارج كوردستان في هذه الدول أو لأسباب أخرى لا مجال للخوض فيها هنا. يجب على حكومة إقليم جنوب كوردستان و الأحزاب و التنظيمات الكوردستانية في الأقاليم الأخرى تنظيم هؤلاء الأكراد و خدمتهم و العمل على توفير سبل تواصلهم المستمر مع اللغة و الثقافة الكوردية و توعيتهم قومياً و ثقافياً لمنع سلخهم عن وطنهم الأم و عن شعبهم.

نتجت عن تقسيم كوردستان و إنعدام كيان سياسي كوردي يجمع شمل شعب كوردستان في دولة واحدة، آثارسلبية خطيرة على الهوية و الثقافة و اللغة و التأريخ الكوردي. بات الشعب الكوردي يفتقد الى دولة تضمه و الى هوية يعرف بها نفسه أو يُعرّف بها نفسه للعالم. ثقافات الشعوب العربية و الفارسية و التركية تطغى على ثقافة الإنسان الكوردي، بسبب إحتلال كوردستان من قبل هذه الشعوب و فرضها ثقافاتها عليه، و خاصة الثقافة العربية التي تجذرت في نفوس الإنسان الكوردي منذ إعتناقه الدين الإسلامي، الذي يُعتبر السبب الرئيس لطغيان الثقافة العربية على ثقافات الشعوب غير العربية المسلمة. كما أدى إحتلال كوردستان و تقسيمها الى ظهور الكتابة باللغة الكوردية بثلاث أنواع من الحروف، العربية و اللاتينية و السنسكريتية، كما أنه أدى الى منع تكوين لغة كوردية موحدة تنعكس فيها اللهجات الكوردية، ليتوحد الشعب الكوردي حولها. المحتلون طمسوا التأريخ الكوردي العريق و عملوا على تشويهه، رغم كون الكورد مهد الحضارة البشرية الثانية و رغم كونهم أحفاد السومريين، الذين أوجدوا أول مجتمع مدني في التأريخ و إبتكروا الكتابة و الأرقام التي تُدين لهم البشرية جمعاء لإبتكاراتهم الجبارة هذه. تعدد حروف الكتابة الكوردية و فقدان لغة موحدة لها تُعتبر مشكلة خطيرة إذا بقيت بدون حل، فأنها تهدد وحدة كوردستان و وحدة شعبها. هذه مشكلة جدية و خطيرة ستؤدي الى تفكك الشعب الكوردي الى شعوب عديدة و تُسبّب في تمزق كوردستان الى دويلات مع مرور الوقت، إذا لم يتم التصدي لها بحزم و القيام بمعالجتها بسبب إمكانية تحول اللهجات الكوردية الى لغات مستقلة. عليه يجب إعطاء أهمية إستثنائية قصوى لهذا الموضوع و بسرعة.

لحل هذه المشاكل الخطيرة، يجب على الكورد النضال من أجل تحرير كوردستان لإيجاد هوية مميزة لهم. يجب العودة الى الثقافة الزرادشتية و الإيزيدية و الكاكائية الكوردية الأصيلة، للتمكن من العثور على ثقافتنا المفقودة. للتعرف على تأريخنا بشكل شفاف و كتابته بشكل موضوعي و أمين و إنقاذه من التهميش و التزوير و التشويه، التي قام بها العنصريون المحتلون، علينا القيام بنبش الآثار التأريخية القديمة و تصفح المستندات و الوثائق التأريخية. كما يجب العمل السريع في تشكيل لجنة علمية تجمع اللغويين الكورد من كافة أقاليم كوردستان و من مختلف اللهجات لتوحيد الكتابة الكوردية و إيجاد لغة كتابة مشتركة و بحروف موحدة. لا أدّعي الإلمام الكافي باللغة الكوردية، إلا أنني بحكم معرفتي المتواضعة لللغة الكوردية، أسمح لنفسي بإقتراح إستعمال الحروف اللاتينية في الكتابة باللغة الكوردية لثلاث أسباب وجيهة: الحروف اللاتينية، بعكس الحروف العربية، يتوفر فيها كل الأصوات الكوردية. بإستعمال الحروف اللاتينية، يمكن متابعة و مجاراة التطور التكنولوجي و العلمي، مثل برمجة الكومبيوتر و غيرها. السبب الثالث يهدف الى قطع الطريق أمام هيمنة الثقافة العربية على الثقافة الكوردية و العودة الى ثقافتنا الكوردية الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *