الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها- القسم الخامس عشر-الإستنتاجات المُستَخلصة من الواقع الكوردستاني

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها- القسم الخامس عشر-الإستنتاجات المُستَخلصة من الواقع الكوردستاني

أحاول في هذه المقالة أن أتناول الإستنتاجات التي يتوصل المرء إليها من خلال دراسة واقعية و موضوعية للواقع الكوردستاني على ضوء ما جاء في الحلقات السابقة من هذه الدراسة ، مستعرضاً الجوانب الإيجابية و السلبية من هذا الواقع للعمل على المضي في إيجابياته و تطويرها و دراسة السلبيات و مسبباتها و وضع الحلول الصائبة لها.و من ثم العمل على رسم إستراتيجية صائبة لتحقيق أماني و طموحات الشعب الكوردي في حياة حرة مزدهرة.

كورستان بلد مجزأ و محتل من قبل أربع دول و محاطة بالأعداء من كل الجهات و لا تطل على ممر مائي يربطها بالعالم الخارجي، بعد أن إنكمشت مساحة كوردستان نتيجة التعريب و التتريك و التفريس المتواصل عبر التأريخ، حيث كانت بلاد الكورد تمتد من المدائن الى القفقاس. حكومات الدول المحتلة لكوردستان هي حكومات عنصرية بدائية متخلفة، تنكر الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني و تعمل جاهدة على صهره و إبادته و إستعباده و نهب خيرات بلده. حكومات تختلف فيما بينها و تعادي بعضها البعض، إلا أنها تلتقي في نقطة واحدة وهي التنسيق و التعاون فيما بينها للإبقاء على إحتلال و تقاسم كوردستان و قهر شعبها و حرمانه من أبسط الحقوق الإنسانية.

المجتمع الكوردستاني لا زال مجتمعاً زراعياً متأخراً، حيث جعل المحتلون من كورستان ساحة للمعارك و الحروب و القتل و الدمار و زرعوها بالمعسكرات و المعتقلات و السجون، بدلاً من بناء المدارس و المستشفيات و المصانع و المعامل و تحديث البلاد. الحكومات العنصرية فرضت على الشعب الكوردستاني حصاراً إعلامياً و ثقافياً و خبرياً و إقتصادياً و عزلته عن العالم الخارجي. إضطر المواطن الكوردستاني الى الإنشغال بالدفاع عن وجوده و هويته و بلده و العمل على إنقاذ نفسه من الملاحقات و السجون و أعواد المشانق و بتدبير قوته اليومي، مكافحاً من أجل ديمومة حياته، بدلاً من التفرغ للتعليم و البناء و تطوير كفاءاته و الإستزادة من العلم. هكذا فرضت الأنظمة المحتلة الجهل و المرض و الفقر على شعب كوردستان و منعته من التطور الطبيعي لمجتمعه و الإنفتاح الفكري و الثقافي على العالم المتقدم و التحول من مجتمع زراعي عشائري الى مجتمع صناعي متمدن.

الكورد يفتقد الى مرجعية موحدة توحّد خطابهم السياسي و تُحدّد أهدافهم و على ضوء هذه الأهداف و الواقع الكوردستاني و الإقليمي و العالمي، ترسم إستراتيجية شفافة و تُحدّد الآليات و الوسائل اللازمة لتحقيق تلك الأهداف. إنني أرى أن الكورد يرتكبون خطأ تأريخياً لا يُغتفر إذا قاموا بتجزئة القضية الكوردستانية و رفع شعارات مختلفة، من قبل الأحزاب أو الأقاليم الكوردستانية. لا يمكن ربط مصير شعب مسحوق ، مثل شعب كوردستان بالشعوب التي يعيش معها، حيث أنه من المستحيل على الكورد أن يعيشوا مع شعوب هذه الدول مجزئين في العراق و (تركيا) و إيران و سوريا لأسباب تأريخية و جغرافية و ثقافية. على الكورد أن يرفعوا شعار الإستقلال و توحيد كوردستان و وضع هدف واضح أمام شعب كوردستان ليرسم إستراتيجيته و تكتيكاته المرحلية على أساسه و ليتهيأ ليكون بمستوى المسئولية التي يتطلبها إستقلال كوردستان و تحرره. هنا أريد الإشارة الى أنه في حالة وضع إستراتيجية قومية موحدة و تنظيم الشعب الكوردي و تسليحه بالفكر القومي الإنساني، سوف لا تستطيع أية قوة في العالم قهر إرادة شعب كوردستان و الحيلولة دون تحقيق إستقلال كوردستان، حيث تبلغ نفوس الكورد ما بين 40 الى 50 مليوناً على أقل تقدير، أي أن الشعب الكوردستاني يأتي في المرتبة الثانية من حيث العدد السكاني في منطقة الشرق الأوسط، بعد العرب، و تبلغ مساحة كوردستان أكثر من نصف مليون كيلومتر مربع. هذه النفوس العالية للكورد و المساحة الشاسعة لكوردستان، تؤهلان شعب كوردستان أن يؤسس دولته المستقلة، فيما لو تم توحيد و تنظيم الجماهير الكوردستانية بشكل جيد و وضع الإستقلال كهدف إستراتيجي لهم، و أن النظام العالمي الجديد و العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات القائمة على كوكبنا الأرضي، كلها يقف بجانب التحرر الكوردستاني و يدعم و يساهم في تحقيق الكوردستانيين لهدفهم الذي يناضلون من أجله.

مشكلة أخرى تُلقي بظلالها على الواقع الكوردستاني و يعاني منها شعب كوردستان بسبب الظروف الإستثنائية التي عاشها المجتمع الكوردستاني ولا زال يعيشها، بإستثناء إقليم الجنوب الذي تحرر من قبضة الحكم البعثي منذ سنة 1991. نتيجة الحروب الهمجية للحكومات المحتلة لكوردستان و الإعتقالات و السجون و الإعدامات و الإرهاب و الإستبداد و القمع و الأنفال و عمليات التهجير و التعريب و التتريك و التفريس التي يتعرض لها شعب كوردستان، تعرضت الحالة الإجتماعية و النفسية للمجتمع الكوردستاني الى تدمير و تخريب شديدين و الى إختلال توازنها. بسبب الحروب و الإعدامات و عمليات الأنفال، فقدت مئات الآلاف من الذكور حياتهم، تاركين وراءهم عائلاتهم تواجه قدرها بنفسها، تفتقد الى من يعيلها و يرعاها، و المشلكة تتفاقم أكثر في مجتمع زراعي ذكوري، كالمجتمع الكوردستاني الذي فيه الرجل من يقوم بتحمل مسئولية الأسرة المعيشية لوحده، حيث أن غالبية النساء يقبعن في بيوتهن كربّات بيوت، دون المساهمة في العمل و الإنتاج الى جانب الرجل نتيجة الثقافة الإجتماعية السائدة في كوردستان. هذه المشكلة خلقت مشاكل و أمراض إجتماعية و نفسية خطيرة في المجتمع الكوردستاني و أفرزت أجيالاً تعاني من الكثير من الأمراض النفسية، نتيجة تربيتها في بيئة قلقة غير مستقرة و تفتقد الى الضمان الإجتماعي و المعيشي و الصحي و بعيدة عن رعاية و حب الأبوة. هذه الأجيال الكوردستانية أجبرتها الظروف المادية من عوز و فقر و دفعتها الى ساحات العمل وهي في مرحلة طفولتها، لتعيل أسرتها و تناضل من أجل البقاء. كما أن عمليات التهجير و إجبار الكوردستانيين على العيش في مجمعات سكنية قسرية لا يتوفر فيها أبسط مقومات الحياة و التي أجبرت المواطنين على ترك أعمالهم و حقولهم، خلقت هي الأخرى مشاكل إجتماعية و نفسية و إقتصادية كبيرة، حيث أن هذه الإجراءات العنصرية خربت الإقتصاد الكوردستاني و حرمت كوردستان من طاقاتها البشرية و منعت هؤلاء المواطنين من الإستمرار في مواصلة تعليمهم و دراساتهم، و أصبحوا مجبرين على العيش في بيئة شاذة، مؤدية الى إفراز كثير من الأمراض الإجتماعية و النفسية، مثل السرقة و التسول و القلق و الكآبة و اليأس و عمليات الإنتحار. تعرض كوردستان لقصف الطائرات و المدفعية و مداهمات الإعتقال و الإرهاب الحكومي، كلها أدى الى خلق أجيال مريضة، تعاني من القلق و الرعب و تشعر بعدم الإستقرار و الأمان.

إحتلال كوردستان من قبل حكومات و مجتمعات عنصرية بدائية متخلفة، نتج عنه محاولات لإلغاء هوية و تأريخ و شخصية و لغة الشعب الكوردي. المحتلون أخذوا يحاولون طمس الهوية و الشخصية الكوردية و سحقها و تعريب و تتريك و تفريس الكورد و فرض ثقافاتهم و مفاهيمهم و أفكارهم على الشعب الكوردستاني. حجب الحكومات العنصرية التأريخ الكوردي عن الكورد و بات الكثير من الكورد يجهلون تأريخهم، بينما تتحدث كتبهم و أبواق دعاياتهم و أكاذيبهم عن تأريخهم الكاذب الذي كله إنتصارات و إنجازات و حسنات و بطولات و أمجاد وأعمال إنسانية لا نرى أثراً لها الا في المخيلة المريضة لهؤلاء العنصريين. يقومون بحرمان الإنسان الكوردي من تعلم لغته الجميلة، التي هي أصل اللغات كلها، بشهادة الباحثين اللغويين العالميين، حيث أن كوردستان هي مهد الحضارة الإنسانية الثانية، و منها إنتقلت اللغة و الأرقام، جغرافياً و زمنياً الى بقاع العالم. نجح مستعمرو كوردستان في مخططاتهم لمنع الكثير من الكورد من التحدث و الكتابة باللغة الكوردية. أعتقد أن أكثرية الشعب الكوردي يجهلون الكتابة و القراءة باللغة الكوردية.

نتج عن تقسيم كوردستان و إنعدام كيان سياسي كوردي، ظهور الكتابة باللغة الكوردية بثلاث أنواع من الحروف، العربية و اللاتينية و السنسكريتية كما أنه أدى الى منع تكوين لغة كوردية موحدة تنعكس فيها اللهجات الكوردية، ليتوحد الشعب الكوردي حولها. هذه المشكلة الخطيرة إذا بقيت بدون حل، فأنها تهدد وحدة كوردستان و وحدة شعبها. هذه مشكلة جدية و خطيرة ستؤدي الى تفكك الشعب الكوردي الى شعوب عديدة و تُسبّب في تمزق كوردستان الى دويلات مع مرور الوقت، إذا لم يتم التصدي لها بحزم و القيام بمعالجتها. عليه يجب إعطاء أهمية إستثنائية قصوى لهذا الموضوع و بسرعة.

البيئة الكوردستانية نالت حصتها من الدمار و الخراب من جانب الحكام الجهلة الذين يتحكمون بمصير شعب كوردستان. منذ تقسيم كوردستان و ظهور الأسلحة الحديثة، تتعرض كوردستان لحروب عدوانية دمرت البيئة الكوردستانية و لوثتها بشكل خطير. بقايا القنابل و العربات والمركبات و الصواريخ و الغازات المنبعثة منها و البترول و الزيوت المستخدمة من قبلها و حرق الغابات و المزارع و تدمير القرى و المدن و صب الينابيع و إستعمال الأسلحة الكيمياوية و حرق آبار النفط في المنطقة و تراكم الفضلات من دون تصنيعها مجدداً، كما يحصل في الدول المتقدمة، و التدفئة و الحرائق، كلها سببت تلوثاً خطيراً لبيئة كوردستان و التي تؤثر سلباً على صحة المواطنين و إنتاجيتهم و على إقتصاد كوردستان. آثار هذا التلوث ستستمر لسنين طويلة و تحتاج الى دراسات ميدانية في مختلف مناطق كوردستان، لتشخيص الملوثات الكيمياوية و كميتها و نسبها في الغذاء و الهواء و المياه و التربة و النباتات و الأشجار و من ثم وضع الحلول اللازمة للتخفيف من آثارها السلبية.

المجتمعات العربية و التركية و الفارسية في كل من العراق و سوريا و (تركيا) و إيران، التي تعيش مع الكورد ضمن كيانات سياسية مشتركة، هي مجتمعات زراعية قبلية متأخرة و متعددة الأديان و الطوائف. هذه المجتمعات لم تشهد أية ممارسة ديمقراطية منذ تأسيس دولها التي رسمها كل من بريطانيا و فرنسا حسب إتفاقية سايكس-بيكو التي أُبرمت بينهما بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، بل عوضاً عنها، تم غرس الأفكار العنصرية و الإستعلائية و الإقصائية و الكراهية في نفوس أبنائها و خداعهم من قبل حكامهم الشموليين و الدكتاتوريين و الشوفينيين، بحجب الحقائق عنهم و تزوير التأريخ و الوقائع و تربيتهم على مفاهيم خيالية و عنصرية و طائفية و العمل على إلغاء القوميات و الأقليات الإثنية و الدينية و المذهبية و طمس هوياتها و تأريخها التي أدت الى إلقاء شعوب المنطقة في بحر من الدماء و الحروب و الدمار و نتجت عنها تفكك أنسجة هذه المجتمعات إثنياً و طائفياً و دينياً و خلق جدار من عدم الثقة و جبال من الكراهية بين المكونات القومية و المذهبية و الدينية لهذه المجتمعات. هذه السياسة الشوفينية عملت أيضاً على خلق واقع يستحيل معه الإستمرار في العيش المشترك لهذه الأطياف ضمن كيانات سياسية موحدة. إن حشر هذه المكونات القومية و الدينية و المذهبية للعيش المشترك ضمن كيان واحد بالقوة و البطش و الإرهاب، دون توفير مستلزمات و مقومات العيش المشترك من مساواة و عدالة و خلق ثقافة مشتركة و مصالح و أهداف مشتركة و مستقبل مشترك تجمع هذه المكونات، أنتجت شعوباً مفككة و علاقات متنافرة لا يمكن إصلاحها و تصحيحها إلا بالإعتراف بحق تقرير المصير لهذه المكونات و إعادة تأسيس علاقات متكافئة بينها بعد أن يصبح كل شعب حراً، يقرر مصيره بنفسه. لم يقتصر هذا الأمر على شعوب الدول المحتلة لكوردستان لوحدها، بل يمكن القول بأن الشعوب العربية و الإسلامية، بشكل عام، لها موقف سلبي من القضية الكوردية. من هنا يجب على الكورد أن يدركوا بأنه من المستحيل على شعوب متأخرة و مشبعة بالأفكار العنصرية، مثل الشعوب العربية و التركية و الفارسية، التي يجمعهم معها في كيانات واحدة، الإعتراف بحقوق شعب كوردستان و بالعيش المتكافئ بينها. لذلك يفرض هذا الواقع على الكورد العمل على تقرير مصيرهم بأنفسهم و بناء دولتهم المستقلة و من ثم تحديد علاقاتهم مع شعوب و حكومات المنطقة.

العيش المشترك بين مجموعة من الشعوب و الأديان و الطوائف، يتطلب توفر ثقة و حسن نية بين هذه الأطياف، الا أنهما ينعدمان في المجتمعات العربية و التركية و الفارسية التي يعيش الكورد معها، نتيجة تراكم تجارب مليئة بالمرارة و الهيمنة و الغدر و الإضطهاد. كما يُشترط في إنضمام شعوب مختلفة الى كيان سياسي موحد، أن يكون الإتحاد طوعياً بين مكونات الشعب و يؤخذ رأي كل طيف، الا أن هذا الأمر لم يؤخذ به من قبل القائمين على ادارة البلدان التي يعيش فيها الشعب الكوردي. بما أن شعب كوردستان يشترك في العيش مع الأطياف العربية و التركية و الفارسية و غيرها من القوميات الأخرى، فأن إنعدام توفر الشروط الموضوعية لهذا العيش المشترك سينعكس سلباً على مصالحه كما هو الحال بالنسبة لمصالح الأطياف الأخرى.

نستنج مما تقدم بأن المجتمعات العربية و التركية و الفارسية في كل من العراق و سوريا و (تركيا) و إيران، التي تعيش مع الكورد ضمن كيانات سياسية مشتركة، هي مجتمعات متخلفة تحتاج الى وقت طويل لتتعلم ممارسة العملية الديمقراطية و أنها غير مؤهلة للعيش مع الشعب الكوردي و غيرها من الشعوب المتعائشة مع هذه المجتمعات، ضمن أنظمة سياسية ديمقراطية فيدرالية تعددية في الوقت الحاضر. إنها تحتاج الى فترة زمنية قد تصل الى عدة أجيال لتتطور و تستطيع بناء مجتمعات مدنية متحضرة و تحترم حقوق القوميات و الأديان و المذاهب الأخرى.

حب الكورد لوطنهم و شعورهم القومي العالي و العميق و عشقهم للحرية، تُعتبر من أهم العناصر الإيجابية التي تُعبّد طريق الحرية أمامهم و تدفعهم الى بذل المزيد من الكفاح و العمل من أجل ضمان مستقبل جميل لهم و للأجيال القادمة. التضحيات السخية و القرابين الكثيرة التي دفعها الشعب الكوردستاني و لا زال يدفعها في سبيل تحرير وطنه، تشهد على عمق إرتباط هذا الشعب بأرضه و ثباته و إصراره بعزيمة لا تقهر، على تحقيق آماله، رغم المخاطر و الأهوال و الصعوبات. ثبات الشعب في كفاحه المرير الدامي و النجاح في الحفاظ على وجوده و تحقيق بعض مطامحه في إقليمه الجنوبي، رغم قوة و قساوة و شراسة و وحشية أعدائه و رغم الخلل الكبير في توازن القوى بينه و بين محتليه، تؤكد على أصالة هذه الأمة و حيويتها و قدرتها على الإستمرار و التأقلم.

إن المجتمع الكوردستاني مجتمع متفتح و متسامح، قياساً بالمجتمعات المجاورة له، حيث أنه يتبنى و يتقبل الأفكار الجديدة بسهولة. من الممكن أن يتأتى هذا الإنفتاح الفكري عند الكوردستانيين من الظلم الذي يعانون منه و خصائصهم القومية المميزة في المنطقة و الطبيعة الجبلية لكوردستان. يتقبلون الفكر الجديد أملاً في التخلص من المظالم الواقعة عليهم. تمييزهم القومي ساعدهم على الإبتعاد عن الأفكار المتزمتة التي جاءت بها الأقوام الغازية لكوردستان و المحتلة لها، كما أن التضاريس الكوردستانية الجبلية الوعرة عزلت كورستان و قللت من تمازج و تواصل شعب كوردستان مع الشعوب و الأقوام الأخرى الساكنة في المنطقة و أبعدته عن التأثر بالثقافات الشمولية العنفية لتلك الشعوب. لذلك فأن شعب كوردستان، بشكل عام، ينبذ العنف و التزمت و الفكر الشمولي و قادر على التأقلم مع النظام العالمي الجديد و تبني الأفكار الجديدة بسهولة. الأسباب السابقة المذكورة جعلت من المجتمع الكوردستاني مجتمعاً معتدلاً دينياً، غير متأثر بشكل كبير بالثقافة البدوية الصحراوية القاسية التي جاء بها الإسلام الى كوردستان، و القائمة على الإقصاء و العنف و الثأر و الغزو، التي كانت سائدة آنذاك في مجتمعات الجزيرة العربية.

النظام العالمي الجديد و العولمة و محاربة الإرهاب، خلقت ظروفاً عالمية و إقليمية جديدة تخدم القضية الكوردستانية بشكل لا نضير له في التأريخ المعاصر. العالم يواجه الخطر الإسلاموي و الذي يهدد الحضارة الغربية و يحاول وقف تدفق مصادر الطاقة من المنطقة الى العالم. في منطقة الشرق الأوسط، الشعوب العربية مشحونة بالأفكار العروبية و الإسلاموية و معاداة العالم الغربي المتحضر، و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. الأتراك بدورهم مهووسون بالفكر الإسلاموي و كراهية أمريكا، و الفوز الساحق لحزب العدالة و التنمية الإسلامي برئاسة السيد رجب طيب أردوغان في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة و إستلامها الحكم في (تركيا)، يثبت فشل النظام العلماني في تركيا في تثبيت الفكر العلماني و الديمقراطي الليببرالي في تركيا. بعد أكثر من ثمانين عاماً من الحكم العلماني في (تركيا)، لا يزال الفكر الإسلاموي يعشعش في عقول الأتراك و التي تؤكد إنعدام أية فرصة أمام (تركيا) للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي و إستحالة قدرة المجتمع التركي من التأقلم و الإندماج في المجتمع الغربي. الحكومة الإيرانية الإسلاموية الطائفية تهدد الأنظمة الديمقراطية في العالم و تزرع الإرهاب في المنطقة. من هنا يتضح لنا أن الشعبين الكوردستاني و الإسرائيلي هما الوحيدان اللذان يعملان من أجل نشر النظام الديمقراطي و الإصلاح و محاربة الإرهاب في المنطقة. كما أن الشعوب الشيعية و الآذرية و التركمانية في إيران و الشعب البلوشي المقسم بين كل من إيران و أفغانستان و باكستان، يمكن أن تكون جزء من الجبهة الديمقراطية في الشرق الأوسط الى جانب الكورد و الإسرائيليين. يتبين لنا أن الشعب الكوردستاني أصبح طرفاً مهماً في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير و محاربة الإرهاب العالمي و جزء من العالم الديمقراطي.

الجالية الكوردستانية الكبيرة في الدول الغربية، و التي تبلغ أعدادها حوالي مليونين شخص، تُعتبر ثروة بشرية هائلة، مؤهلة لأن تلعب دوراً محورياً في ترسيخ النظام الديمقراطي في كورستان و بناء البنية التحتية فيها و المساهمة الفعالة في تطوير و تقدم البلاد بحكم المستوى التعليمي العالي لها و ممارستها للديمقراطية و خبرتها و مهنيتها و دراساتها. كما يجب الإستفادة من تواجد مثل هذا العدد الكبير من الجالية الكوردستانية في الغرب، بتنظيمها و توحيدها، بعيداً عن التخندق الحزبي الضيق الأفق، لتكون لها دوراً و نفوذاًً في الدول المقيمين فيها لخدمة القضية الكوردية، كما تقوم به الجاليات اليهودية و الأرمنية في العالم. كما يجب الإستفادة من الإمكانيات البشرية و المادية و العلمية للكورد القاطنين خارج كوردستان في كل من العراق و إيران و تركيا و سوريا، بفتح قنوات التواصل معهم و تشجيعهم للإستثمار في كوردستان و منع تباعدهم السياسي و الثقافي و الإجتماعي عن شعب كوردستان.

يجب عدم إهمال وجود أكثر من مائة ألف إسرائيلي من أصل كوردي في إسرائيل، حيث علينا التواصل معهم و تقوية أواصرنا و علاقاتنا بهم و تبادل الزيارات معهم ليتمكنوا من الإحتفاظ باللغة و الثقافة الكوردية. ينبغي الإستفادة من خبراتهم لبناء كوردستان و تطويرها و تشجيعهم على الإستثمار في كوردستان. كما أنهم يستطيعون أن يلعبوا دوراً كبيراً في خدمة القضية الكوردستانية و الدفاع عن حقوق الشعب الكوردستاني، سواء في إسرائيل أو في الأجزاء الأخرى من العالم و التأثير على الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية تجاه شعب كوردستان.

تتمتع كوردستان بموقع إستراتيجي مهم بين آسيا و أوروبا الذي يشكل أهمية كبيرة لبناء العلاقات مع العالم الخارجي. كما أن كوردستان غنية بثرواتها الطبيعية من بترول و معادن. حوالي تسعون بالمائة من مصادر مياه دجلة و الفرات تقع في كوردستان. نظراً لكون كورستان مهد الحضارة الإنسانية الثانية، فهي غنية بالآثار القديمة التي تحتاج الى العمل على إكتشاف المزيد منها و رعايتها و التي تساعد في كشف التأريخ العريق للكوردستانيين و ربط السلاسل الزمنية للتأريخ الكوردي و في نفس الوقت تصبح هذه الآثار محط إهتمام العالم و تشكل ثروة سياحية مهمة تساعد الإقتصاد الكوردستاني على التطور و البناء. الطبيعة الجبلية الجميلة لكوردستان تستطيع أيضاً جلب الكثير من المصطافيين في مختلف أرجاء العالم، سواء في الصيف للإستمتاع بدفء جوها و سحر جمالها أو في الشتاء لممارسة التزلج على الجليد. كما أن الطبيعة الجبلية لكوردستان لها أهمية عسكرية دفاعية في حالة الحروب و العدوان الخارجي كما كانت مأوى و قلاع ثوار كوردستان عبر التأريخ. إمتلاك كوردستان لثروة هائلة من المياه و البترول و المعادن و الآثار و جمال الطبيعة فيها و موقعها الجغرافي المهم و إنفتاح شعبها و ثرواتها البشرية الخبيرة، كلها يؤهل كوردستان أن تصبح بلداً صناعياً و زراعياً متقدماً و أن تكون إشعاع نور الحرية و الديمقرطية و التعددية في منطقة الشرق الأوسط.

الشعب الكوردي و الإسرائيلي يختلفان عن العرب إثنياً و ثقافياً و تأريخياً، بكونهما ينتميان الى قوميتين لهما لغتهما و ثقافتهما و تأريخهما الخاصة بهما. إضافة الى الإفتراق اللغوي و الثقافي و التأريخي، فأن الإسرائيليين يفترقون أيضاً عن العرب دينياً، بينما يفترق الكورد عن العرب في الإنتماء العرقي أيضاً، حيث أنهم ينتمون الى الأقوام الآرية، بينما ينتمي العرب الى الأقوام السامية. صحيح أن الكورد يشتركون مع العرب في الإنتماء الديني، حيث أن غالبية الشعب الكوردي من المسلمين، الا أن الكورد متسامحون و منفتحون دينياً، بعكس العرب حيث الإنغلاق و التزمت و الإقصاء و العنف و رفض الأديان الأخرى.

الكورد و الإسرائيليون يشتركون معاً في التعرض للإبادة و الظلم من قبل العرب منذ بدء العرب بالقيام بغزواتهم الإسلامية و إحتلالهم للمنطقة. خلال الحكم العربي، حاول العرب طمس الهوية و التأريخ و الثقافة الكوردية و الإسرائيلية و القضاء على لغتهما. اليهود في الجزيرة العربية و اليمن تعرضوا للإبادة و الإستعباد و التهجير بظهور الدعوة الإسلامية و لذلك لا نرى أي وجود لهم في المملكة العربية السعودية و اليمن في الوقت الحاضر. خلال الإحتلال العربي لكورستان و بعده، تعرض الكورد للإبادة و القتل. يحدثنا التأريخ عن عمليات الأنفال التي قام بها القائد العربي الإسلامي أبو عبيدة الجراح خلال إحتلاله لكوردستان، حيث قام بأنفلة (قتل) حوالي خمسة عشر ألف كوردي في مدينة جلولاء وحدها. من هنا ندرك أن الإسرائيليين و الكورد من ضحايا القمع الإسلامي خلال أربعة عشر قرناً و يتعرضون للعداء و الكراهية من قبل العرب و الفرس و الترك، خلال حكمهم للمنطقة و يتعرض وجودهم لخطر الفناء بسبب عمليات الصهر العنصري و تعرض ثقافتهم للإلغاء و التشويش بسبب تحكم العرب و الفرس و الترك العنصريين بمصيرهم خلال حقبة زمنية طويلة و نتيجة الفكر العنصري الذي يحملونه تجاه القوميات الأخرى و تجاه ثقافاتها و التهديدات الخطيرة التي يتعرض لها الشعبان في الوقت الحاضر من قبل أعدائهما الذين يتوعدونهما بالقضاء على وجودهما. إذن الشعب الكوردي و الإسرائيلي محاطان بالأعداء من كل جهة و يلتقيان في مواجهة نفس الأعداء و يشتركان في المصير و يتعرضان للأخطار و التحديات نفسها و تجمعهما هموم مشتركة. لهذه الأسباب فأن الكورد و الإسرائيليين هم حلفاء طبيعيون يناضلون معاً للحفاظ على وجودهم.

بعد إنتهاء الحرب الباردة و العمليات الإرهابية التي وقعت في واشنطن و نيويورك، بدأت الإستراتيجية الأمريكية تأخذ منعطفاً جديداً لحماية أمن الولايات المتحدة و المحافظة على مصالحها الحيوية في العالم و بدأت تتولد معالم نظام عالمي جديد. الأمن القومي الأمريكي بل الحضارة الغربية و قيمها باتت معرضة لتهديد خطير من قبل قوى الإرهاب الإسلاموي و التي أنتجتها الثقافة الإسلاموية المتأصلة في المنطقة أو بتحديد أدق فأن منبع الفكر الإرهابي هو المملكة العربية السعوبية و الدول الخليجية الأخرى. لذلك، لضمان وقاية الولايات المتحدة و الحضارة البشرية من خطر الإرهاب المتفاقم، لابد من إزالة منابع الإرهاب و نشر ثقافة المحبة و التسامح و قبول الآخر و حرية المعتقد و المبادئ الديمقراطية و الحريات بين شعوب المنطقة. من هنا ندرك أنه لابد من إنجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير للمحافظة على الأمن القومي الغربي و على التقدم الحضاري العالمي. هذا يعني أن مشروع دمقرطة الشرق الأوسط غير مرتبط بإدارة أمريكية معينة دون غيرها لأن الحرب على الإرهاب العالمي هي حرب مصيرية بالنسبة للعالم الغربي المتمدن، كما كانت الحرب الباردة مع الإتحاد السوفيتي السابق و حلفائه و لا بد من االفوز فيها. الى جانب إجتثاث الإرهاب في العالم، يهدف مشروع الشرق الأوسط الكبير الى ضمان حماية إنتاج البترول في المنطقة و تأمين تدفقه الى الغرب، حيث أن النفط هو شريان حياة الغرب للتزود بالطاقة التي يحتاجها لغرض التدفئة و المواصلات و الإنتاج. كما أن الأمريكيين يهدفون من وراء مشروعهم خلق شرق أوسط آمن و مسالم و مستقر ملائم للإستثمارات الغربية و إنتقال رؤوس الأموال فيه و جعله سوقاً مربحاً لمنتجاتهم و خلق بيئة مناسبة للتعايش السلمي بين العرب و الإسرائيليين لضمان أمن إسرائيل، وبين كافة القوميات و الأديان و المذاهب القاطنة في هذه المنطقة، و منها شعب كوردستان. المشروع المذكور يرمي أيضاً الى حماية حقوق الإنسان في دول منطقة الشرق الأوسط و تبني المبادئ الديمقراطية و إطلاق الحريات و حرية المرأة و رفع المستوى الثقافي و الإجتماعي و المعيشي لشعوب المنطقة. إذن فأن مشروع الشرق الأوسط الكبير يوفر فرصة نادرة لشعب كوردستان لتوحيد أقاليمه و بالتالي تأسيس دولته المستقلة و أن يصبح جزء من العالم الديمقراطي.


ملاحظة: وضعتُ كلمة (تركيا) بين قوسين لأنها إسم عنصري بموجبه يُحسب كل شخص يعيش في هذه الدولة على أساس أنه تركي، سواء كان تركياً أو كوردياً أو عربياً أو يونانياً أو غيره، أي بغض النظر عن قومية الإنسان القاطن في هذه الدولة. عليه، فيما لو بقي الكورد يعيشون في هذا البلد المصطنع، فأنه يجب تغيير الإسم العنصري لهذا البلد من (تركيا) الى ( بلاد الأناضول) أو أي إسم غير عنصري آخر.

mahdi_kakei@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *