الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الثامن- الأمن القومي الإسرائيلي

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الثامن- الأمن القومي الإسرائيلي

قبل الخوض في العوامل التي ترسم السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الكوردستانية و موقع شعب كوردستان في المعادلة الإسرائيلية و المصالح المشتركة بين شعب كوردستان و الشعب الإسرائيلي، أرى أنه من المفيد إلقاء الضوء على واقع الأمن الإسرائيلي في هذه المقالة، لإعطاء الموضوع الشمولية و التكامل. في مقالات قادمة سأتطرق الى المواضيع التي تخص العلاقات الكوردستانية-الإسرائلية و العوامل المتحكمة بها.

لو ندرس الواقع الإسرائيلي بطريقة موضوعية، سنكتشف أن هناك نقاط ضعف خطيرة في الأمن القومي الإسرائيلي. العلماء و الخبراء الإسرائيليون المعنيون بوضع سياسة و خطط إسرائيل الإستراتيجية للحفاظ على أمن إسرائيل و وجودها، يبذلون جهوداً جبارة في سبيل إيجاد وسائل ناجحة لتغطية مواقع الضعف في الواقع الإسرائيلي وموازنتها و التقليل من آثارها السلبية. قلة نفوس إسرائيل هي إحدى المشاكل التي تعاني منها إسرائيل في دفاعها عن أمنها القومي. تبلغ نفوس إسرائيل حوالي ستة ملايين نسمة، بينما تبلغ نفوس العرب أكثر من 200 مليون. هكذا نرى أن إسرائيل في مواجهة مصيرية مع هذه النفوس الغفيرة من العرب، المشحونين بأفكار عروبية معادية لليهود و يرفعون شعار إزالة إسرائيل. لا تنحصر معاداة إسرائيل على العرب لوحدهم، و إنما المسلمون ، الذين تبلغ نفوسهم أكثر من مليار نسمة، يعادون إسرائيل و يناصرون العرب بسبب تربية المسلمين على كراهية اليهود و أصحاب الديانات و المعتقدات الأخرى، و نتيجة تلقينهم معلومات مزورة و كاذبة عن العمق التأريخي السحيق لتواجد و معيشة اليهود في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام و على أرض إسرائيل الحالية بشكل خاص. التحدي الأمني الثاني الذي تعاني منه إسرائيل، هو صغرها، حيث تبلغ مساحتها عشرين ألف و اربعمائة كيلومتر مربع، بينما يتمتع العرب بعمق جغرافي كبير، حيث تبلغ مساحة الدول التي يعيشون فيها، ملايين الكيلومترات المربعة. مساحة إسرائيل الصغيرة تجعل حتى المجال الجوي الإسرائيلي غير كاف للقيام بتدريب الطيارين الإسرائيليين على الطائرات المدنية و العسكرية، مما تجعل إسرائيل مضطرة لإستخدام الأجواء التركية و الغربية للقيام بالمناورات العسكرية الجوية و تدريب الطيارين الإسرائيليين على الطيران. العدد السكاني الواطئ للإسرائيليين و صغر مساحة إسرائيل، يشكلان خطورة كبيرة على الأمن القومي الإسرائيلي، حيث أنه في حالة إندلاع حرب بين العرب أو إيران من جهة و إسرائيل من جهة ثانية، سيتعرض الوجود الإسرائيلي الى خطر كبير، و خاصة في حالة إستعمال أعداء إسرائيل أسلحة الدمار الشامل من نووية و بايولوجية و كيمياوية. هذا الإحتمال يضعه الإسرائيليون في حساباتهم، حيث قد تنجح إيران في أن تصبح دولة نووية و كذلك مصر. السعودية قد تفلح في إقتناء أسلحة نووية، و ذلك بشرائها من دولة نووية كباكستان أو عن طريق الإستفادة من الخبرة الباكستانية. السعوديون مؤهلون للقيام بذلك نظراً للأموال الطائلة التي تأتيهم من واردات نفطهم. هناك دراسات تتحدث عن زيادة نفوس الشعب الفلسطيني في فلسطين الى عدد مواز لنفوس الإسرائيليين في سنة 2010. عيش الفلسطينيين و الإسرائيليين في منطقة واحدة و متداخلة و قريبة مع بعضها، يُشكّل تهديداً آخراً للإسرائيليين، حيث أنهم لا يستطيعون إستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الفلسطينيين في حالة نشوب حرب شاملة مع العرب بشكل عام و مع الفلسطينيين بشكل خاص، عندما يصبح الوجود الإسرائيلي في خطر.

تفتقد إسرائيل الى الماء العذب و تعتمد في التزود بمصادر الطاقة من البترول المستورد. هذه مشكلة أمنية أخرى لإسرائيل. الإسرائيليون يفكرون بالحصول على الماء العذب من تركيا، الا أنها خطة غير مضمونة النتائج، و خاصة في حالة الأزمات و الحروب و عدم التكهن بمستقبل العلاقات الإسرائيلية و التركية، حيث أن الغالبية الكبيرة من الأتراك يعادون الإسرائيليين في الوقت الحاضر و أعتقد أن العلاقات بينهما تبقى سلبية في المدى المنظور بدليل أن الأتراك بقوا على موقفهم السلبي تجاه إسرائيل منذ تأسيس إسرائيل في عام 1948 الى الوقت الحاضر، بالرغم من علمانية النظام التركي و عضويته في الحلف الأطلسي. شراء النفط المستورد يكلف الخزينة الإسرائيلية مبالغ طائلة بالإضافة إلى إعتماد إسرائيل على النفط المستورد يُشكّل نقطة ضعف في حماية أمنها القومي. كما أن حالة الحرب مع العرب، التي تعيشها إسرائيل تؤثر سلباً على إقتصادها و تقدمها بسبب إستنزاف الطاقات البشرية و المادية الإسرائيلية.

لإسرائيل علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي هي القوة الوحيدة المهيمنة على العالم في الوقت الحاضر. من البديهي أن عهد (الإمبرطورية) الأمريكية سينتهي، كما إختفت الإمبراطوريات العظيمة السابقة، و هذه قانون الحياة و الطبيعة. عليه فأن إعتماد إسرائيل على المساعدات الأمريكية المعنوية و المادية تخلق مشكلة أمنية للإسرائيليين. لا بد أن المعنيين بموضوع الأمن القومي الإسرائيلي يعطون إهتماماً خاصاً لهذه الحلقة الضعيفة في العلاقة بينهم و بين الأمريكيين و يتساءلون عن الوضع الذي يكون فيه الأمن القومي الإسرائيلي عندما تحل دولة عملاقة مثل الصين محل أمريكا في التحكم بالعالم بعد عقود من الزمن. إن الإسرائيليين يحاولون بلا شك من الإعتماد على أنفسهم و الإستعداد لتوفير شروط البقاء و الإستمرار حتى بعد أفول النجم الأمريكي.

من جهة ثانية، كما تم ذكرها، أن نفوس العرب العالية و مساحة بلدانهم الشاسعة، قياساً بنفوس الإسرائيليين و مساحة بلدهم و كذلك البترول المتوفر لدى العرب كمصدر للطاقة و الأموال الهائلة التي تحصل عليها الأنظمة العربية النفطية من واردات البترول و إمتلاك العرب للمياه العذبة في دول مثل مصر و السودان و سوريا و العراق، و الفكر العروبي العنصري للعرب و معاداته لليهود و الفكر الإسلاموي السلفي المبني على العنف و الكراهية، كلها عوامل تضعف مناعة الأمن الإسرائيلي و تدفع القادة الإسرائيليين للعمل و التخطيط لإيجاد و إبتكار وسائل لمجابهة التفوق العربي في هذه المجالات و التقليل من آثاره السلبية.

تتمتع إسرائيل بموقع إستراتيجي مهم، حيث تطل على البحر الأبيض المتوسط الذي، عن طريقه، تتواصل مع العالم الخارجي و تتصل به وتنفتح عليه، و تؤّمن طرق تجارتها و تمنحها موقعاً دفاعياً ممتازاً. كما أن العقيدة اليهودية للإسرائيليين، تُمثّل مصدر قوة و إلهام للدفاع عن أرضهم التأريخية، التي تتحدث عنها التوراة، و الذود عنها و المحافظة عليها. كون إسرائيل مهداً للمسيحية و اليهودية و تواجد المسجد الأقصى فيها، تعطيها بُعداًً آخراً لدفاع الإسرائيليين عن وطنهم للإحتفاظ بمقدساتهم. إن وجود مقدسات الديانات السماوية الثلاث على أرض إسرائيل، يجعلها قبلة للمصطافين و بالتالي تؤدي الى إنعاش الإقتصاد الإسرائيلي. هجرة اليهود ذي الثقافات المتنوعة، من مختلف بقاع العالم، و خاصة من الدول الغربية، الى إسرائيل قبل و بعد تأسيسها، أثْرَتْ الثقافة الإسرائيلية و ساهمت بشكل كبير في بناء إسرائيل و تقدمها و ديمومة وجودها، لا سيما العقول الغربية المهاجرة إليها، و التي كانت تملك الخبرة و المعرفة و الثقافة الليبرالية و الديمقراطية. في إعتقادي، لولا هذه الهجرات، ربما لم يكن أي وجود لدولة إسمها، إسرائيل، في يومنا هذا، بسبب الدين اليهودي المتزمت و التخلف الإجتماعي و الثقافي لليهود الأصليين في إسرائيل. حينذاك كان اليهود الشرقيون قد يؤسسون دولة ذات نظام شبيه بالأنظمة العربية الدكتاتورية المتخلفة التي نراها اليوم، إلا أن تلقيح الثقافة الشرقية اليهودية بالثقافات الغربية الليبرالية المتطورة، جعلت من إسرائيل دولة ديمقراطية متقدمة قابلة للحياة بالرغم من الظروف العصيبة التي عاشتها و لا زالت تعيشها.

قامت إسرائيل بتأسيس نظام سياسي ديمقراطي على غرار الأنظمة الديمقرطية في الغرب، لتأمين أمنها الوطني و توفير الرفاهية لشعبها و لخلق مجتمع حر، تتوفر له الشروط اللازمة للقيام بالإبتكار و الإبداع و الدفاع عن الوطن الذي هو دفاع عن مصالح مواطنيه. بينما إختار العرب أنظمة دكتاتورية تسحق الشعوب العربية و تضطهدها و تستعبدها و تستحوذ على ثروات بلدانها، فتصيب الكفاءة و روح الإبداع عند الإنسان العربي بالشلل و تدفعه الى الشعور بالغربة وهو في بلده و تقتل فيه روح الإنتماء الى الوطن والرغبة في الدفاع عن هذا الوطن. كما أن الإسرائليين، رغم الحروب المستمرة مع العرب، إستطاعوا بناء دولة صناعية متطورة تكاد أن تضاهي التطور الصناعي و العلمي و التكنولوجي الحاصل في الدول الغربية المتقدمة. لو نتابع البحوث العلمية المنشورة في المجلات العالمية، نكتشف أن إسرائيل تقف في قمة الدول التي تقوم بالأبحاث العلمية في مختلف المجالات. على سبيل المثال و ليس الحصر، العلماء الإسرائيليون ينشرون أعلى نسبة من البحوث العلمية في العالم، في مجال تطوير أشجار النخيل و الجِمال، رغم أن العرب يملكون أعلى نسبة من هاتين الثروتين في العالم و أن نفوس إسرائيل تبلغ حوالي 3٪ من نفوس العرب. الإسرائيليون نجحوا في بناء صناعة عسكرية متقدمة جداً، بحيث أصبحوا أقوى قوة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، و في الوفت نفسه، تُصدّر إسرائيل منتجاتها العسكرية الى العديد من دول العالم، من ضمنها الدول الغربية. كما أن إسرائيل بدأت تفكر بتأمين أمنها القومي، مباشرة بعد تأسيسها، حيث كانت محاطة و لا زالت بدول معادية تريد إزالتها من الوجود و إلقاء شعبها في البحر ليصبح طُعماًً للأسماك و الحيتان و كان العالم حينذاك منقسماً الى معسكرين متخاصمين، المعسكر الغربي و الشرقي، و يواجه حرباً باردة بين هذين الحلفين. في سنة 1959، أي بعد ولادة دولة إسرائيل بأحد عشر عاماً، قام الإسرائيليون بشراء عشرة أطنان من مادة اليورانيوم من النرويج لإنتاج أسلحة نووية. هذا يدل على أن قادة إسرائيل كانوا قد خططوا منذ إعلان دولة إسرائيل للتسلح بالسلاح النووي لردع أعداء إسرائيل و ضمان أمنها و وجودها. حسب المعلومات المتوفرة، فأن إسرائيل تملك حوالي 250 قنبلة نووية في الوقت الحاضر والتي تؤهلها لتهيمن على منطقة الشرق الأوسط و لتكون أيضاً إحدى الدول القوية في العالم. لو يطّلع القارئ على تأريخ حياة القادة الإسرائيليين، من أمثال بن غوريون و مناحيم بيغن و كولدا مائير و إسحاق شامير و اسحاق رابين و شمعون بيريز و آرئيل شارون و غيرهم، سيتعرف على النضال و الكفاح المريرين اللذين قام بهما هؤلاء القادة بكل تفان و إخلاص و نكران ذات و عمل جبار بلا كلل، من أجل تأسيس دولة إسرائيل و الدفاع عنها و تقدمها و تطورها. إذن إسرائيل القوية المتحضرة التي نراها اليوم، لم تظهر بالصدفة، و إنما هي ثمرة جهود جبارة للشعب الإسرائيلي و لقادته.

لم يكتفِ اليهود بترتيب البيت الإسرائيلي و تحصينه ضد الأعداء و العمل على بنائه و تطويره و توفير الرفاهية لأنفسهم، و إنما وضعوا إستراتيجية عالمية ذكية للتحكم بمراكز القوة و القرار في العالم. أصبحت الجاليات اليهودية في العالم، و خاصة في الدول الغربية، تسيطر على مفاصل الإقتصاد و الإعلام في العالم، بالإضافة الى المراكز و المعاهد الثقافية و العلمية و الإجتماعية. هذه الإستراتيجية العالمية الفريدة، منحت إسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، نفوذاً لا مثيل لها في العالم، على السياسة العالمية و تحديد مسار هذه السياسة الى حد كبير. بهذا العمل الجبار، نجحت إسرائيل في تأمين أمنها القومي و الحصول على مساعدات مالية و معنوية و سياسية سخية من الحكومات الغربية، و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، و من الجاليات اليهودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *