الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم السادس- تهديدات النظام السوري

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم السادس- تهديدات النظام السوري

تبلغ نفوس الكورد في الإقليم الغربي من كورستان، المحتل من قبل سوريا، حوالي ثلاث ملايين نسمة، أي أنهم يشكلون حوالي 17٪ من نفوس سوريا (إن جميع الإحصاءات السكانية لنفوس الكورد و القوميات و الأديان و المذاهب في دول منطقة الشرق الأوسط، هي إحصائيات تخمينية نظراً لعدم سماح الحكومات الدكتاتورية و العنصرية و الإسلاموية و الطائفية في المنطقة من القيام بإجراء مثل هذه الدراسات). الإسم الرسمي لسوريا هو (الجمهورية العربية السورية). إطلاق هذه التسمية العنصرية على سوريا يُراد بها إلغاء الشعوب و القوميات غير العربية المتعايشة في هذا البلد من كورد و أرمن و آشوريين و كلدان و النظر اليها من منطلق قوموي عنصري على أساس أنها جزء من العرب، إنطلاقاً من الإدعاء بأن هذه الشعوب و القوميات تعيش على أرض عربية و لها تأريخ و ثقافة اسلامية-عربية. يتناسى العروبيون أن الشعب الكوردي و القوميات المسيحية تعيش على أرضها منذ بداية التأريخ الإنساني. الحضارات و الإمبراطوريات السريانية و السومرية و الميدية التي كانت قائمة في المنطقة، قبل الغزو الإسلامي-العربي لها و إحتلالها من قبل العرب و إستيطانها من قبل قبائل البدو العربية القادمة من الجزيرة العربية، تؤكد أصالة هذه القوميات في المنطقة و تثبت كونها السكان الأصليين لها.

الفكر البعثي العنصري و الفاشي، كما يشير اليه إسمه (البعث) يعمل من أجل إحياء الإمبراطورية العربية التي كانت قائمة في العهد الإسلامي و تذويب القوميات و الأديان و تعريبها. عمليات التعريب في مناطق كركوك و خانقين و مندلي و شيخان و غيرها و عمليات الأنفال و إستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد الشعب الكوردي من قبل حزب البعث العراقي و إقامة الحزام العربي في الإقليم الغربي من كوردستان و حرمان حوالي 200 ألف من المواطنين الكورد في هذا الإقليم من الجنسية السورية، من قبل البعثيين السوريين و مشاركة الجيش السوري، في حرب إبادة شعب كوردستان التي قام بها حزب البعث العراقي في الإقليم الجنوبي في سنة 1963، يؤكد كلها على الفكر العنصري الفاشي الدموي لحزب البعث و التي يسجلها التأريخ كإبادة جماعية ضد البشرية وتفضح للعالم أجمع مدى تخلف و عدوانية و فاشية الفكر البعثي و كل الأفكار العروبية و الإسلاموية التي تنتظر دورها لتستقر في مزبلة التأريخ. يجب حرمان حزب البعث و مثيلاته من العمل السياسي و العمل على إستصدار قرار من منظمة الأمم المتحدة بإعتبار هذا الحزب و مثيلاته حزب عنصري إرهابي يستخدم العنف و الإرهاب لإستلام السلطة و يلغي الآخرين و يستعبدهم. ينبغي على شعب كوردستان، الذي هو ضحية الفكر البعثي، و كل منظمات حقوق الإنسان و الحكومات و الأحزاب الديمقراطية من تبني مشروع إعتبار حزب البعث حزباً عنصرياً إرهابياً و منعه من العمل السياسي تحت أية واجهة أو مسميات و العمل الحثيث لتبنيه من قبل منظمة الأمم المتحدة ليكون قراراً رادعاً يعمل على إجتثاث كل الأفكار العروبية و الإسلاموية العنصرية و الطائفية في المنطقة و يمنع ظهور مثل هذه الأفكار المتخلفة واللاإنسانية في المستقبل.

ما دمنا نتحدث عن الأفكار العنصرية، أود هنا أن أشير أيضاً الى مسألة مهمة وهي ما يسمى ب(الجامعة العربية)، حيث أن الأنظمة العربية إستغلت الصراع بين المعسكر الشيوعي بقيادة الإتحاد السوفيتي و الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحرب الباردة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. في تلك الفترة كان المعسكران المتخاصمان بحاجة الى حلفاء في تنافسهما الأيديلوجي و الفكري و الإقتصادي و السياسي و العسكري، لإحراز النصر في حربهما الباردة. إستغلت الأنظمة العربية حاجة المعسكرين المتخاصمين، دول حلف الأطلسي و وارشو، لحلفاء في المنطقة، و بدؤوا بنشر الفكر العروبي العنصري الإستعلائي. كانت إحدى نتائج الفكر العروبي الإقصائي هي إنشاء ما يسمى ب(الجامعة العربية) و إنضمام دول المنطقة المحكومة من قبل أنظمة عربية الى هذه الجامعة، و أطلق إسم (الوطن العربي) على المنطقة التي تكونها هذه الدول. إنتماء دول مثل العراق و سوريا و لبنان و السودان و مصر و دول شمال أفريقيا الى (الجامعة العربية)، يعني أن هذه الدول هي دول عربية و أ ن شعوبها عربية أيضاً. و هكذا يلغي الأنظمة العربية العنصرية الشعوب و القوميات الكوردية و التركمانية و الآشورية و الكلدانية و الأرمنية و القبطية و البربرية و النوبية و شعب جنوب السودان و تعتبر هذه الشعوب و القوميات جزء من العرب و أوطانها جزء من (الوطن العربي). و يصح القول نفسه بالنسبة الى ما يسمى ب(منظمة الدول الإسلامية) حيث أن الإسلامويين يلغون الأديان غير الإسلامية مثل المسيحية و اليهودية و الإيزيدية و الكاكائية و الصابئة و الدروز و الشبك و العلويين. المشكلة، هي أن مواطني القوميات غير العربية و المواطنين غير المسلمين الذين يعيشون تحت الحكم العروبي و الإسلاموي، أصبحوا أنفسهم تحت تخدير تأثير الأفكار العروبية و الإسلاموية، صامتين و مستسلمين، لا يحركون ساكناً تجاه تعريبهم و أسلمتهم، و لا يفعلون شيئاً لإستعادة هوياتهم القومية و الدينية. النظام العالمي الجديد يمنح الشعوب و القوميات المضطهدة، و منها الشعوب و القوميات غير العربية و أصحاب الديانات غير الإسلامية التي تعيش في الدول المحكومة من قبل العرب، فرصة نادرة في التأريخ المعاصر للإعلان عن ثورة شاملة و مصيرية ضد الإلغاء و العبودية و الهيمنة العروبية و الإسلاموية، بالكفاح من أجل إيجاد هوياتها المفقودة و إسترجاع حقوقها المغتصبة و تقرير مصيرها بنفسها و المشاركة الفعلية في الحكم و التمتع الكامل بحقوقها و العمل من أجل إلغاء (الجامعة العربية) أو تغيير إسمها الى (جامعة دول الشرق الأوسط) و تغيير ميثاقها و السماح لدول المنطقة، مثل تركيا و إيران و إسرائيل بالإنضمام إليها إذا رغبت تلك الدول ذلك. يتطلب تحقيق هذه الأعمال، التعاون و التحالف مع كل القوى الليبرالية و الديمقراطية و اليسارية العربية في هذه الدول، بالإضافة الى التحالف مع الحكومات و الأحزاب و المنظمات و القوى الليبرالية و الديمقراطية في المنطقة و في العالم للقضاء على آثار الفكر العروبي و الإسلاموي العنصري المتخلف، الذي عفى عليه الزمن و أصبح من مخلفات زمن الحرب الباردة و عصر طغيان روح الإستعلاء القومي و الديني و المذهبي و نشوء الأنظمة الشمولية الدكتاتورية. يجب الكفاح بكل إصرار لكنس الأفكار العنصرية و الطائفية و البدء ببناء مجتمعات متحضرة تبني بلدانها و تعمل على لحاقها بالبلدان المتمدنة و المتقدمة و تنشر الرفاهية و الديمقراطية و الحرية لشعوبها. كفانا عبودية و إقصاء و ظلم و حروب و دمار و تأخر و جهل و مرض.

العراق ليس دولة عربية و أن الشعوب العراقية ليست جزء من الأمة العربية، و إلا يعني ذلك أن الإقليم الجنوبي من كوردستان هو أرض عربية و أن الشعب الكوردي هو جزء من العرب. العراق هو دولة عربية-كوردية-تركمانية-آشورية-كلدانية-أرمنية. كما أنه من الخطأ القول بأن العراق دولة إسلامية لأنه يلغي الديانات المسيحية و اليهودية و الإيزيدية و الكاكائية و الصابئية و الشبك في العراق. لا يجوز إلغاء قومية أو دين أو مذهب مهما كان صغيراً، بل يجب أن تتساوى القوميات و الأديان و المذاهب المختلفة التي تشترك في العيش معاً و تتمتع بعلاقات متكافئة فيما بينها. في الوقت الحاضر، يمر العالم بمخاض ولادة نظام عالمي جديد، بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي السابق و وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية و ثورة الإتصالات و المعلومات. الباحثون و الكُتّاب بحاجة الى التأقلم مع واقع النظام العالمي الجديد المنبثق عن التطورات و المستجدات العالمية الكبرى التي حدثت في السنين الأخيرة و التي هي مستمرة في تفاعلاتها مؤدية الى تبلور معالمها و صورتها. مثل هذا التأقلم يتطلب من الباحثين و الكُتّاب لإيجاد مفاهيم و مفردات و مصطلحات جديدة تتجاوب مع متطلبات النظام العالمي الجديد. الكُتّاب و السياسيون و الباحثون التقليديون، الذين تعشعش في عقولهم أفكار بالية، من مخلفات فترة الحرب الباردة و زمن إزدهار و رواج الأنظمة و الأفكار القوموية و الإسلاموية العنصرية المتخلفة التي أصبحت جزء من الماضي، سيختفون و ينهزمون إذا ما إستمروا في التمسك بالمفاهيم و المفردات البالية و إذا ما عجزوا عن مواكبة العصر و فهم و إستيعاب النظام العالمي الجديد المبني على الديمقراطية و التعددية و حرية و مساواة الشعوب و القوميات و الأديان و المذاهب و إحترام حقوق الإنسان و الإعتراف بمساواة المرأة و الرجل.

تحرك النظام السوري للوقوف أمام طموحات و حقوق شعب كوردستان في الإقليم الجنوبي، يكون على محورين رئيسيين، المحور الأول يركز على التنسيق و التعاون مع النظامين التركي و الإيراني لمحاصرة الإدارة الكوردستانية في الجنوب لحرمان الكورد في الأقاليم الكوردستانية المحتلة من قبل هذه الأنظمة، من حق التحرر و تقرير المصير. الحكومات المحتلة لكورستان مصابة بمرض العنصرية و الغطرسة، حيث بدلاً من الإعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكوردي و التفاهم معه على إيجاد صيغة حضارية لتنظيم العلاقات بين شعوب هذه الدول من جهة و الشعب الكوردي من جهة أخرى و من ثم التفرغ لبناء و تطوير بلدانها و توفير الرفاهية و التقدم لشعوبها، فأن هذه الأنظمة البدائية المتخلفة تسلك طريقاً واحداً لإخضاع الشعب الكوردي و نهب ثروات بلاده، هو الحل العسكري بإستخدام البطش و العنف و الإرهاب و الحرب، بها تدمر بلدانها و شعوبها و تستنزف طاقاتها البشرية و الإقتصادية. إن عمل هذه الأنظمة الجاهلة هي جريمة كبرى بحق شعوبها و بحق الشعب الكوردي، بل بحق البشرية جمعاء. هذه الأنظمة الغبية غير قادرة على إستيعاب و فهم النظام العالمي الجديد، فهي غارقة في سباتها، تعيش في عالم فترة الحرب الباردة، و غباؤها ستقودها الى هزيمة مريرة أكيدة و تقود شعوبها الى الكوارث و الدمار.

المحورالرئيسي الثاني الذي يسلكه النظام السوري هو إستخدام الأحزاب و القوى البعثية و القوموية و الإسلاموية العراقية و كذلك القبائل العربية السنية في العراق المشاركة في الحكومة العراقية، للعمل من أجل عرقلة تحقيق تمتع شعب كوردستان بحقوقه القومية و الإجهاز على المكتسبات التي تحققت للكورد، مثل تبني النظام الفيدرالي في العراق و تطبيع آثار التعريب في كركوك و غيرها من المكتسبات التي حققها الكورد في العراق. كما يعمل النظام السوري على تحريض العرب الساكنين في محافظتي كركوك و الموصل، ضد الكورد و قيام أجهزة مخابرات هذا النظام بالتخريب و الإغتيالات في هاتين المحافظتين في محاولة لإشعال حرب إثنية بين الكورد و العرب فيهما. النظام السوري ينسق أيضاً خططه العدوانية ضد الكورد، مع كل من النظام الإيراني، الذي له نفوذ كبير على الأحزاب الشيعية العراقية و النظام التركي الذي قام جهاز مخابراته بتأسيس الجبهة التركمانية العراقية، بالتأثير على هذه الأحزاب العراقية (السنية و الشيعية و الجبهة التركمانية) للتحالف والتنسيق معاً، سواء بالتحالف معاً كقوى مشاركة في الحكومة العراقية و لها ممثليها في البرلمان العراقي، لمنع تمرير قرارات من مجلس النواب العراقي و الحكومة العراقية، التي هي في صالح شعب كوردستان، أو من خلال التعاون و التنسيق بين هذه الجهات العراقية لخلق حرب إثنية في كل من كركوك و الموصل، و التي قد تتحول الى حرب عنصرية شاملة ضد الشعب في الإقليم الجنوبي من كوردستان.

يحاول النظام السوري أيضاً فرض حصار إقتصادي على شعب كوردستان في الجنوب، و ذلك بقطع علاقاته التجارية مع كوردستان و غلق حدود بلده مع الإقليم الجنوبي كوسيلة لإفشال التجربة الكوردستانية في الجنوب. كذلك قد يلجأ النظام السوري الى إتباع سياسة (فرق تسد) لخلق شرخ في الجبهة الداخلية للجنوب الكوردستاني لإضعاف و شلل الحكومة الكوردستانية في الإقليم.

إن النظام العالمي الجديد و تحرير العراق و التحولات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، تحتم على الأحزاب السياسية الكوردستانية بشكل خاص، و المواطنبن الكورد بشكل عام، في الإقليم الغربي من كوردستان، المحتل من قبل سوريا، بتشكيل جبهة كوردستانية مشتركة و الإتفاق على إستراتيجية واضحة و محددة و وضع برنامج عمل متطور للتمكن من تحمل مسئولية قومية تأريخية و قيادة الشعب الكوردستاني نحو الحرية و تقرير المصير. إن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات هائلة و أن على الكورد ترتيب بيتهم و الإستعداد لهذه التطورات والتغييرات و التأقلم معها لإيصال الشعب الكوردستاني الى تحقيق حريته و وحدته و بناء دولته المستقلة. علينا أن نعرف بأن عهد الخلافات الأيديلوجية قد إنتهى. اليوم يبزغ فجر الفكر الديمقراطي الحر السائد بين المجتمعات البشرية. على الأحزاب الكوردستانية في الأقاليم الكوردستانية التخلص من آثار أفكار فترة الحرب الباردة و شعارات (الحزب القائد) و (االزعيم الأوحد) الشمولية الدكتاتورية المريضة، و التمسك بالمصلحة القومية و الإبتعاد عن المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة، و الا سيكون مصير مثل هذه الأحزاب الإندثار و الزوال، حيث تجرفها رياح التغيير، مؤدية الى ظهور حركات و أحزاب عصرية كفوءة، قادرة على تحمل أعباء المسئولية التأريخية تجاه شعب كوردستان و على فهم النظام العالمي الجديد و المستجدات التي تجري في المنطقة للنجاح في تحقيق طموحات شعب كوردستان في حياة حرة كريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *