الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الخامس-مخاطر النظام الإيراني

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الخامس-مخاطر النظام الإيراني

إيران يحتل الإقليم الشرقي من كوردستان، حيث تُقدّر نفوس الكورد فيه بأكثر من خمسة عشر مليون نسمة. بالرغم من إنحدار الشعبين الكوردي و الفارسي من الأقوام الآرية و إنتماء لغتهما الى عائلة لغوية واحدة و بالرغم من التأريخ السحيق للجيرة و العيش المشترك بين الشعبين، الا أن الفكر العنصري و الطائفي الذي تحمله حكام إيران، يطغي على صلة القرابة و الجيرة بينهما. إن شريحة كبيرة من الكورد الشرقيين تنتمي الى المذهب الشيعي، الا أن هذا الإنتماء المذهبي لم يشفع لهذه الشريحة الكوردية عند الشوفينيين الفرس و التي هي محرومة من حقوقها القومية نتيجة طغيان الفكر العنصري القوموي الفارسي على مخيلة حكام إيران، بالتزامن مع حملهم للفكر الطائفي المقيت. ينكر النظام الإيراني وجود الشعب الكوردي في الإقليم الشرقي و يقوم بحرمانه من التمتع بحقوقه القومية ويتعرض الكورد الشرقيون للإضطهاد و الإهمال منذ ظهور الإمبرطورية الصفوية الى الوقت الحاضر. عانى الشعب الكوردي من حكم شاه إيران و لا زال يواجه الإلغاء و الإضطهاد و الحرمان من قِبل السلطة الدينية الشيعية الإيرانية. لا نزال نتذكر الجرائم البشعة التي تعرض لها الشعب الكوردي في هذا الإقليم و الإعدامات الميدانية التي نُفّذت بحق الكورد من خلال المحاكمات الصورية التي أجريت في بداية الثورة الإيرانية و التي كان يرأسها صادق خلخالي ، حيث قام بقتل الآلاف من الكورد الأبرياء.

بالرغم من التنافر و الخلاف الكبير بين كل من إيران و تركيا و إنتماء النظامين الى عالمين متضادين، حيث أن النظام الإيراني هو نظام ديني مذهبي شمولي يعادي الولايات المتحدة و إسرائيل و يدعم الإرهاب، بينما لتركيا نظام علماني و أنها عضوة في الحلف الأطلسي و تبذل جهوداً حثيثة لتصبح عضوة في الإتحاد الأوروبي و لها علاقات قوية مع إسرائيل و تجد نفسها في خندق الجبهة العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، مع كل هذه التناقضات الكبيرة بين النظامين، الا أن سياستهما تلتقيان حول المسألة الكوردية و يتعاونان معاً و مع النظامين السوري للتآمر على شعب كوردستان. إنّ هذه الأنظمة تتقاسم كوردستان و تحتلها، تتعاون فيما بينها و تُنسّق خططها من أجل الإبقاء على سيطرتها على كوردستان و خنق الأصوات الكوردستانية المطالبة بحق تقريرمصير شعب كوردستان كما تتمتع بها الشعوب الأخرى و الذي تنص عليه قوانين منظمة الأمم المتحدة. من أجل تحقيق أهدافها الشريرة، تتعاون الأنظمة المحتلة لكوردستان عسكرياً و أمنياً لمحاصرة الإنتفاضات الكوردستانية و إخماد ثوراتها و الإستمرار على الإستحواذ على خيرات كوردستان. دعوة النظام الإيراني لكل من النظامين التركي و السوري قبل أيام للتعاون بصدد إخماد الثورات الكوردية في الأقاليم الكوردستانية المحتلة من قبل هذه الأنظمة و تمركز الجيشين التركي و الإيراني في حدودهما المتاخمة لكوردستان، تشير الى المأزق الذي تواجهه هذه الأنظمة، بسبب نمو الوعي القومي للشعب الكوردي و قوة الحركات الجماهيرية الكوردستانية و سعة إنتشارها و مدى تصميم الكورد على المضي في النضال دون هوادة أو كلل لإستعادة حقوقهم القومية المغتصبة. مواجهة التهديد الذي تُشكّله هذه الأنظمة لشعب كوردستان، تستلزم تمتين الجبهة الداخلية في الأقاليم الكوردستانية الأربع و تأسيس جبهات سياسية كوردستانية في كل إقليم على أسس وطنية قومية ديمقراطية، تضع مصالح شعب كوردستان فوق المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة و من ثم التلاحم بين الأقاليم و تأسيس جبهة مشتركة بينها أو على الأقل التنسيق و التعاون فيما بينها لمنح زخم من القوة و المنعة و فتح جبهة عريضة بوجه الأعداء و الإستفادة القصوى من العمق الجغرافي والخاصية الطوبوغرافية الإستراتيجية لكوردستان و الإستفادة من الثقل السكاني لشعب كوردستان، الذي تزيد نفوسه عن أربعين مليون نسمة و توحيده على المبادئ القومية و الديمقراطية، ليقود نضالاً سياسياً ديمقراطياً سلمياً للوصول الى هدفه في تقرير المصير و تحديد قدره و مستقبله بنفسه و بملء إرادته، مستفيداً من النظام العالمي الجديد المبني على الديمقراطية و الحرية و الإعتراف بالآخر و بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. إنجاز مثل هذه المهمة، يتطلب رسم إسترتيجية قومية واضحة، تأخذ بنظر الإعتبار التطورات الكبرى التي حصلت في الإقليم الجنوبي من كوردستان و الوعي القومي العالي للشعب الكوردي و الإنتفاضات الجماهيرية و الشعبية في الأقاليم الكوردستانية الأخرى و المستجدات الإقليمية و الدولية و مسار النظام العالمي الجديد للإلمام بالظروف الذاتية و الموضوعية التي يمر بها شعب كوردستان. وضع مثل هذه الإستراتيجية يؤهل شعب كوردستان لخلق مستلزمات و مقومات النصر على الأعداء. كما تستلزم الظروف الحرجة التي يمر بها شعب كوردستان التنسيق و التعاون و التحالف مع القوميات و الحركات المتواجدة في الدول المحتلة لكوردستان مثل العرب و البلوش و الآذريين و التركمان و الكلدان و الآشوريين و الأرمن و الحركات و الأحزاب و المنظمات و القوى الديمقراطية و الإنسانية و اليسارية المعارضة لهذه الأنظمة بالإضافة الى التعاون مع الحكومات و الأحزاب و المنظمات و الجمعيات الديمقراطية و الإنسانية في العالم و طلب العون و المساعدة منها.

النظام الإيراني منعزل و منبوذ من قبل المجتمع الدولي و العالم الحر، نتيجة تمسكه بالنظام الشمولي و عدم إحترامه لحقوق الإنسان و إنكاره لحقوق القوميات و المذاهب و الأديان و دعمه للإرهاب ولمحاولته إنتاج أسلحة نووية، حيث أن الحلفاء القليلين لهذا النظام في المنطقة هم النظام السوري و الأحزاب الدينية الشيعية في العراق و حزب الله اللبناني و حركة أمل الشيعية اللبنانية و حركتا حماس و الجهاد الفلسطينية. للأسباب الآنفة الذكر، فأن عمر النظام الإيراني أصبح محدوداً و أن إختفاء هذا النظام و زواله بات محسوماً في المدى المنظور نظراً لعدم إستطاعته التأقلم مع النظام العالمي الجديد و عدم إستيعابه للمستجدات الإقليمية و الدولية الكبرى التي تجري حوله. إلا أنه يحاول يائساً من إطالة عمر حكمه بالتحالف مع النظام السوري و الأحزاب الشيعية العراقية و اللبنانية و الفلسطينية. النظام الإيراني قد يتمكن من إستغلال الشعور المذهبي عند شيعة العراق، و خاصة الأحزاب الشيعية العراقية التي لها علاقات و إرتباطات وثيقة مع إيران، حيث أن معظم هذه الأحزاب تم تشكيلها من قبل الحكومة الإيرانية، أثناء تواجد الشيعة العراقيين في إيران كلاجئين عندما كان حزب البعث يحكم العراق. السفر المفاجئ للسيد إبراهيم الجعفري الى تركيا للتآمر على الشعب الكورستاني و إرسال مسلحين تابعين لما يُسمّى بجيش المهدي و فيلق بدر الى مدينة كركوك و قيام حكومة الجعفري بتوطين عرب شيعة في هذه المدينة و شراء بيوت لهم من قبل حكومة الجعفري و تعيينهم في دوائر الدولة، و خاصة في شركة نفط كركوك، بشكل سري، دون علم مجلس إدارة كركوك و حرمان المواطنين الكورد من التعيين في كركوك، كلها يؤكد المساعي الحثيثة لإيران لإستخدام الأحزاب الشيعية العراقية، بالتنسيق مع كل من تركيا و سوريا لإجهاض التجربة الكوردستانية القائمة في الإقليم الجنوبي بخلق فتنة طائفية و إثنية في كركوك و الضغط على الإدارة الكوردستانية في إقليم الجنوب و محاولة بائسة لمحاصرة مقاتلي حزب العمال الكوردستاني و تصفيتهم، من خلال التحشدات العسكرية التركية و الإيرانية و السورية لتتمكن هذه الأنظمة العنصرية من الإستمرار في إحتلال كوردستان و التحكم بمصير الشعب الكوردي و حكمه بالحديد والنار و نهب ثرواته و خيراته. كما سيحاول النظام الإيراني التأثير على الأحزاب الشيعية العراقية المشاركة في الحكم لمعاداة شعب كوردستان و وضع العراقيل في طريق تمتعه بحقوقه، منها منع تطبيع الأوضاع في مدينة كركوك لإزالة آثار التعريب فيها. إن السيد إبراهيم الجعفري قام بهذا الدور الموكول إليه من قبل النظام الإيراني بكل أمانة خلال فترة ترؤسه للحكومة العراقية، حيث عرقل القيام بتطبيع الأوضاع في كركوك و إمتنع عن صرف المبالغ المالية المرصودة لهذا الغرض. السيد الجعفري لم يقف عند هذا الحد، و إنما إتبع نفس سياسة البعثيين في الإستمرار في عملية تعريب كركوك. إلا أن المرجعية الدينية الشيعية و الأحزاب الشيعية بدؤوا تدريجياً يدركون أن ربط مصيرها بمصير النظام الإيراني هو رهان خاسر و سوف يُشكّل كارثة كبرى للشيعة العراقيين و أخذوا يكتشفون أن النظم الديمقراطية ستخدم الإستراتيجية الشيعية في المنطقة و تمتع الشيعة بحقوقهم . بزوال النظام الإيراني ستنال الأحزاب الشيعية العراقية إستقلاليتها و تصبح أكثر واقعية و تنفتح على الآخرين و تتفاعل معهم. في المرحلة الحالية، يحتاج الكورد الى كثير من الحيطة و الحذر و الحكمة للتعامل مع الشيعة و العمل على جذبهم الى جبهة التحالف الأمريكي- الكوردي و إبعادهم عن النفوذ الإيراني. أرى أن المؤامرات الإيرانية ضد الكورد ستبوء بالفشل، حيث أن الوجود الأمريكي سيكون بالمرصاد لأي تدخل إيراني في العراق أو لأي تآمر على شعب كوردستان. كما أن الإدارة الأمريكية مصممة على إنهاء الميليشيات في العراق و سنرى البدء بتنفيذ إلغاء الميليشيات و جمع الأسلحة التي بحوزتها، و في مقدمتها ميليشيات ما يُسمّى بجيش المهدي، بعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة السيد نوري المالكي، لفرض الأمن و النظام و سيادة القانون في العراق. هذا الإجراء سوف لا يبقي مساحة للإيرانيين على الساحة الكوردستانية أو العراقية للمناورة فيها و يقوم بإفشال كل المؤامرات الإيرانية التي تحيكها ضد الكورد ويُبعد خطر الأحزاب الشيعية العراقية و ميليشياتها على القوات الأمريكية في العراق في حالة مواجهة أمريكية-إيرانية في المنطقة، و التي من المرجح وقوعها نتيجة الطموحات الإيرانية النووية.

يحاول الإيرانيون من فرض حصار إقتصادي على الإقليم الجنوبي من كوردستان و بالتعاون مع النظامين التركي و السوري، و خاصة أن الإقليم معتمد إقتصادياً على هذه الأنظمة في الحصول على السلع الغذائية و الإستثمارية و على مصادر الطاقة من كهرباء و مشتقات البترول. لمواجهة مثل هذا الحصار يحتاج شعب كوردستان أن يؤمن لنفسه الغذاء و مصادر الطاقة و متطلبات الحياة الضرورية الأخرى بأن يُشمّر عن ساعديه لوضع إسترتيجية فعالة لزيادة الإنتاج الزراعي و الصناعي كماً و نوعاً و توفير مصادر الطاقة و الخدمات و ديمومتها لضمان أمنه الغذائي و الحياتي، و بالتالي الحفاظ على وجوده و هويته و تأمين مستقبل مضئ لنفسه و للأجيال القادمة.

بكل تأكيد، سيلجأ النظام الإيراني الى إتباع كافة الوسائل المتوفرة لديه للحفاظ على وجوده في مواجهته مع الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل و الإتحاد الأوروبي. من هذه الوسائل هي التعاون العلني مع تنظيم القاعدة و التحالف معه، حيث أن إيران يتعاون مع التنظيم المذكور من وراء الستار. تشير المصادر الإستخباراتية بأن الكثير من أعضاء القاعدة و من بينهم أعضاء بارزين لهذا التنظيم، متواجدون على الأراضي الإيرانية و يتم تنسيق الخطط و التعاون بين الجانبين ضد الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها. فيما يخص تداعيات التحالف الإيراني و تنظيم القاعدة على سكان الإقليم الجنوبي من كوردستان، هي قيام إيران بدعم هذا التنظيم، و خاصة جماعة أنصار الإسلام و مساعدتهم في الحصول على موطئ قدم في الإقليم، كما كان في السابق، قبل تحرير العراق من البعثيين، كقاعدة لهم و من ثم الإنطلاق منها للقيام بعمليات إرهابية ضد القوات الأمريكية و القوات المتحالفة معها في العراق و ضد المصالح الأمريكية في المنطقة. عليه ينبغي على الكورد من الإهتمام بهذا الموضوع و وضع خطة عسكرية للتصدي له و إفشاله.

يحاول النظام الإيراني بدون شك بث روح التفرقة و التخاصم بين القوى السياسية في الإقليم و خلق حرب أهلية كوردستانية للقضاء على الإدارة الكوردستانية. يلجأ الإيرانيون أيضاً الى زرع و نشر رجال مخابراتهم في الإقليم و القيام بالتخريب و الإغتيالات لزعزعة الإستقرار فيه. إذا بقي النظام على قيد الحياة، فأنه سيحاول نشر الإدمان على المخدرات في الإقليم بتهريب المخدرات إليه لخلق مجتمع مريض غير منتج. إن شعب كوردستان يحتاج الى الكثير من الحيطة و الحذر و وضع خطط مضادة لإفشال التهديدات الإيرانية للإستمرار في مسيرته نحو إيجاد هويته المفقودة و نيل حريته و حق تقرير مصيره و رسم مستقبله بنفسه. 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *