الرئيسية » مقالات » التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الرابع-تركيا : العقبة الكبرى أمام طموحات الشعب الكوردستاني

التحديات التي تواجه شعب كوردستان و خيارات التصدي لها – القسم الرابع-تركيا : العقبة الكبرى أمام طموحات الشعب الكوردستاني

2. إنعكاسات العلاقات التركية الخارجية

إن العلاقات الدولية مبنية على المصالح المشتركة التي تربط الدول مع بعضها و أن درجة التقارب أو التضارب في مصالح هذه الدول، تحدد نوعية و طبيعة هذه العلاقات. لذلك، العلاقات التي تربط تركيا بالدول الإقليمية و القوى العالمية القادرة على لعب دور مؤثر في تقرير مصير الشعوب المتعايشة في منطقة الشرق الأوسط، لها إنعكاسات مؤثرة على مصير شعب كوردستان و مستقبله. كلما كانت العلاقات التركية جيدة و متطورة مع الآخرين، كلما تنعكس سلباً على المسألة الكوردية، بينما العلاقات السيئة بين تركيا واللاعبين المؤثرين في الشرق الأوسط، تخدم القضية الكوردية و تدفعها نحو التقدم و النجاح. هنا أرسم خارطة للعلاقات التركية مع دول المنطقة و العالم و والتي هي في حالة تغييرية مستمرة تبعاً لتغيير المصالح بين تركيا من جهة و الدول الأخرى من جهة ثانية، لأضع أمام شعب كوردستان خارطة للعلاقات التركية مع الدول الأخرى و التي قد تفيد شعب كوردستان في وضع إستراتيجية و خطط ناجحة لمجابهة الأخطار الآتية من النظام التركي.

هوة الخلاف كبيرة بين تركيا و إيران، حيث أن تركيا عضوة في حلف الناتو و تسعى جاهدة للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي و تتولى الطائفة السنية الحكم فيها و تتبع نظاماً علمانياً في الحكم، بينما يعادي النظام الإيراني الغرب و تسيطرالطائفة الشيعية على مقاليد الحكم في إيران و أن النظام السياسي فيه هو نظاماً مذهبياً يتبع ولاية الفقيه و يساند الإرهاب و يعمل على تقويض المصالح الأمريكية في المنطقة، بالإضافة الى العداء التأريخي بين تركيا و إيران منذ عهود الإمبراطورية العثمانية و الصفوية، اللتين كثيراً ما دخلتا في حروب دموية مدمرة في تنافس على السلطة و الثروة. كما أن طموح إيران في أن يصبح دولة نووية، يؤدي الى التفوق الإيراني في المنطقة و يخلق إختلالاً في ميزان القوى لصالح إيران، و الذي سوف تقف تركيا بقوة ضد مثل هذا التفوق العسكري الإيراني و تعمل جاهدة لإجهاض محاولة إيران إنتاج أسلحة نووية. من جهة ثانية، أن لتركيا و إيران مصالح إقتصادية مشتركة كبيرة، مثل تزود تركيا بالغاز الإيراني و القيام بإستثمارات مشتركة في البلدين. كما أن إيران يحتل الإقليم الشرقي من كوردستان، حيث تقدر نفوس الكورد فيه بحوالي خمسة عشر مليون نسمة. النظام الإيراني ينكر الحقوق القومية للشعب الكوردي في هذا الإقليم، حيث لا تعترف السلطة الدينية الشيعية الإيرانية بالقومية الكوردية و تحرم الكورد من حقوقهم القومية و تقوم بإضطهادهم. بالرغم من العداء بين الأتراك و الإيرانيين و تنافر مصالحهم، إلا أن كلا النظامين يتفقان و يتعاونان فيما بينهما للوقوف أمام طموحات الشعب الكوردي، طالما أن كليهما لا يعترفان بالوجود القومي للكورد في بلديهما و يصران على عدم الإعتراف بحقوقهم القومية و يؤمنان بإتباع سياسة القمع و القوة لإسكات الصوت الكوردي من المطالبة بحقوقه القومية المشروعة. لذلك، يتعاون النظامان معاً و مع النظام السوري و العراقي، حيث تعمل هذه الأنظمة مجتمعة لحرمان شعب كوردستان من حقوقه القومية. .إن سياسة الدول المحتلة لكوردستان في محاصرة الشعب الكوردي و منعه من إسترجاع حقوقه المشروعة، أصبحت سياسة عقيمة بعد المستجدات الإقليمية و العالمية و التواجد العسكري الأمريكي في كوردستان و العراق. كما أن النظام الإيراني أصبح منعزلاً دولياً وفي موقع الدفاع، يكابد جاهداً من أجل المحافظة على نظامه، أو على الأقل إطالة عمر هذا النظام. يستطيع الكورد الجنوبيون من إستغلال التناقضات الكثيرة بين النظام التركي و الإيراني لصالحهم لتمر الفترة الإنتقالية و الإستثنائية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بسلام و بزوال النظام الإيراني الحالي و حلول نظام ديمقراطي محله، سيكون شعب كوردستان قد إجتاز مرحلة الخطر و تبدأ القضية الكوردية بإنطلاقتها التأريخية الكبرى نحو الحرية و الإزدهار.

تتنافر العلاقات التركية و السورية، حيث أن الطائفة العلوية تحكم سوريا و حزب البعث العربي الإشتراكي هو الحزب الحاكم في سوريا، و الذي هو حزب عروبي عنصري شمولي. كما أن سوريا تطالب بلواء الأسكندرونة الذي هو جزء من تركيا. هناك مشاكل بين البلدين حول توزيع الثروة المائية، بالإضافة الى تحالف النظام السوري مع النظام الإيراني و دعمه للمنظمات الإرهابية و العمل على تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة و إفشال مشروع الشرق الأوسط الكبير الديمقراطي. يعيش في الإقليم الغربي لكوردستان، المحتل من قبل سوريا، حوالي ثلاثة ملايين نسمة. إن سوريا تعتبر الإقليمين الجنوبي و الغربي من كوردستان و الملحقين بكل من العراق و سوريا على التوالي، هما جزء لا يتجزأ من ما يسمى بال(الوطن العربي) الذي لا وجود له الا في مخيلة العروبيين العنصريين، لذلك حتى أنه تمت تسمية سوريا رسمياً بإسم (الجمهورية العربية السورية)، لاغية بذلك الكورد و الآشوريين و الأرمن و غيرهم من القوميات التي تعيش في سوريا. كما تبين لنا، فأن سوريا، كما هي حالة كل من تركيا و إيران، لا تعترف بوجود الشعب الكوردي فيها و أن الكورد محرومون من حقوقهم القومية و الإنسانية. النظام السوري، حاله حال الأنظمة المحتلة لكوردستان، لا يؤمن بالحل الديمقراطي السلمي للمسألة الكوردية، بل يحاول تعريب كوردستان و صهر الشعب الكوردي. لذلك تتفق تركيا و إيران معاً للوقوف بوجه طموحات الشعب الكوردي و حقوقه في الأقاليم الأربع لكوردستان، رغم خلافاتهما الكثيرة في مجالات أخرى. إلا أن من حسن حظ شعب كوردستان، أن النظام السوري محشور في الزاوية الحرجة و يعاني من مشاكل داخلية و خارجية عويصة ستطيح به قريبا.ً

لتركيا علاقات إقتصادية و مصالح مشتركة مع الكثير من الأنظمة العربية و خاصة دول الخليج النفطية و مصر. الحكم التركي يشترك أيضاً مع تلك الأنظمة في الإنتماء المذهبي السني. كما أن الأنظمة العربية تعتبر الإقليمين الجنوبي و الغربي من كوردستان جزء لا يتجزء من الأرض العربية. بل تذهب هذه الأنظمة أبعد من ذلك حيث يعتبرون شعب كوردستان في هذين الإقليمين هو جزء من (الأمة العربية). كلام السيد الأمين العام (للجامعة العربية) تحت قبة البرلمان الكوردستاني، خلال زيارته لكوردستان، يؤكد على ذلك حين قال بأن الشعب العراقي جزء من (الأمة العربية) و أن الشعب الكوردي جزء من الشعب العراقي، أي أن الشعب الكوردي أيضاً جزء من (الأمة العربية) (في علم الهندسة يُستعمل مصطلح”التعويض” للدلالة على صحة كون الشعب الكوردي جزء من العرب الذي ينطبق على المقارنة المذكورة). لذلك فأن النظام التركي و الأنظمة العربية تلتقي في مسألة حرمان شعب كوردستان من حقوقه و طموحاته. على سبيل المثال، الأنظمة العربية لها نفوذ كبير على العرب السنة العراقيين من عروبيين و إسلامويين، و تركيا لديها الجبهة التركمانية، و إيران له نفوذ كبير على الأحزاب و القوى الدينية الشيعية، لذلك بإمكان هذه الأنظمة من تنظيم تكتل من العرب السنة و الشيعة للتنسيق فيما بينهم لحرمان الكورد من حقوقهم.

إن لتركيا علاقات إستراتيجية مع إسرائيل، حيث يتعاونان في المجال العسكري و المخابراتي و التبادل التجاري. كما كانت هناك فكرة لإمداد تركيا إسرائيل بالماء العذب. لا شك أن إسرائيل بحاجة الى حليف مثل تركيا في المنطقة، لأنه محاط بأنظمة عربية معادية له و في حالة حرب مع عدد منها، بالإضافة الى المنافع التي تعود لإسرائيل من بيعه لتركيا أسلحة و معدات عسكرية و مدنية و إستخدام الأجواء التركية من قبل طائراته الحربية لغرض التدريب، حيث أن المجال الجوي الإسرائيلي الضيق لا يساعد على القيام بذلك. كما أن تركيا هي حلقة وصل بينه و بين الأنظمة العربية لتقريب وجهات نظر الجانبين و الوساطة بينهما و التقريب بين الإسرائيليين و الأنظمة الإسلامية، حيث أن تركيا عضوة في منظمة الدول الإسلامية. من جهة أخرى، تركيا بحاجة لإسرائيل في تقريبها الى الإدارات الأمريكية عن طريق النفوذ اليهودي القوي في أمريكا، و خير مثال على ذلك هو إمتناع الكونغرس الأمريكي بالإعتراف و إدانة إبادة الأتراك لأكثر من مليون أرمني أثناء الحرب العالمية الأولى نتيجة هذا النفوذ. كما أن لتركيا حاجة للتزود بالأسلحة الإسرائيلية و المعلومات المخابراتية و إستيراد المنتوجات الصناعية من إسرائيل و الإستفادة من التكنولوجيا و الخبرات الإسرائيلية المتطورة. عليه، فأن على الكورد أن يضعوا في حسابهم هذه العلاقة المتطورة بين إسرائيل و تركيا و العمل على خلق فرص جيدة لتبادل المصالح المشتركة بين الشعبين الكوردستاني و الإسرائيلي لتطوير العلاقات بينهما في مختلف المجالات لخلق نوع من التوازن في المصالح الإسرائيلية مع كل من كوردستان و تركيا.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترتبط بتركيا بعلاقات إستراتيجية في فترة الحرب الباردة، حيث كانت تركيا تشكّل الجناح الجنوبي للحلف الأطلسي في مواجهة الإتحاد السوفيتي السابق، بالإضافة الى الموقع الإستراتيجي لتركيا كحليفة لإسرائيل في المنطقة و قربها من منابع البترول في الخليج. إلا أن تركيا فقدت الكثير من أهميتها للولايات المتحدة و أوروبا بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي و ظهور أمريكا كقوة عظمى وحيدة في العالم و التواجد الأمريكي العسكري في كل من العراق و أفغانستان و إقامة قواعد عسكرية لها في دول مثل رومانيا و بلغاريا. كما يجب أن لا ننسى أن تركيا فشلت خلال أكثر من ثمانين عاماً، أي منذ تأسيس دولة تركيا الحديثة الى يومنا هذا، في خلق مجتمع متجانس متطور ديمقراطي ليستطيع التفاعل و الإندماج مع الشعوب الغربية الديمقراطية و مع الثقافات المنفتحة لهذه الشعوب، بل بقي المجتمع التركي متخلفاً متزمتاً و متربياً على الفكر النازي و العنصري. ها نرى أن غالبية الأتراك يكرهون الولايات المتحدة، كما تفعل غالبية العرب، و لا زال الأتراك متمسكين بالأفكار الإسلاموية المتزمتة بالرغم من كون تركيا عضوة في الحلف الأطلسي و محاولاتها المستمرة في الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي. خلاصة القول أن تركيا لم تبق تلك الدولة المدللة لدى الأمريكان كما كانت في السابق. تحتاج الولايات المتحدة مساعدات تركيا في الوقت الحاضر لإستتاب الأمن في العراق و لمواجهة كل من إيران و سوريا. بعد إنجاز هذه المهام و إختفاء النظامين الإيراني و السوري، يصبح مشروع دمقرطة الشرق الأوسط أمراً واقعاً و تتلاشى الأهمية الإستراتيجية لتركيا. حينذاك على تركيا دفع إستحقاقات مشروع الشرق الأوسط الكبير و ذلك بالقيام بإصلاحات سياسية و إقتصادية و إجتماعية راديكالية لتتأهل أن تكون جزء من النظام الديمقراطي للشرق الأوسط الكبير. مما تقدم، نرى أن الخطر التركي على الشعب الكوردي يقل طردياً مع عامل الزمن. عليه، فأن التحدي التركي تكون آثاره واضحة المعالم في المرحلة الحالية، و تتضاءل تأثيراته بمرور الوقت كلما تقدمت العملية الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. لذلك، فأن شعب كوردستان في أجزائه الأربع، و خاصة في الإقليم الجنوبي منها، حيث له حكومته المحلية و برلمانه المستقل، يمر بمرحلة حرجة و دقيقة و يتعرض الى ضغوط و تحديات كبيرة خلال فترة مخاض ولادة الشرق الأوسط الكبير و ظهور معالمها، و التي خلالها يختفي النظامان الشموليان، الإيراني و السوري في المنطقة. على الكورد أن يكونوا مؤهلين للعب دور واضح و مهم في دمقرطة الشرق الأوسط و محاربة الإرهاب ليتأهل ليكون شريكاً و حليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة لتحقيق الأهداف المشتركة للجانبين، و الذي بدوره يضعف إعتماد الإدارة الأمريكية على تركيا في تحقيق إستراتيجتها و حماية مصالحها الحيوية في المنطقة. أهم الإجراءات التي تؤهل شعب كوردستان أن يكون شريكاً أساسياً في القضاء على الإرهاب و دمقرطة الشرق الأوسط، هي توحيد صفوفه وتحصين جبهته الداخلية و المضي في خلق نظام ديمقرطي منفتح في كوردستان بخطى حثيثة و العمل على بناء و إعمار كوردستان و تطويرها و تصنيعها لتأهيلها لتكون جزء من العالم الديمقراطي الحر المتحضر. حينذاك، ستصبح كوردستان موضع إهتمام الولايات المتحدة و ثقتها و تصبح حليفة إستراتيجية لها و تتحالفان معاً لتحقيق مصالحهما المشتركة.

ترتبط تركيا و الإتحاد الأوروبي بمصالح إقتصادية كبيرة، حيث أن تركيا هي سوق كبيرة و رائجة للسلع الأوروبية، و أن لتركيا جاليات كبيرة في أوروبا، و خاصة في ألمانيا. كما أن تركيا عضوة في حلف الناتو و تتواجد قواعد عسكرية للحلف على أراضيها. تسعى تركيا جاهدة للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي، بالإضافة الى موقعها الإستراتيجي بالنسبة الى أوروبا. تركيا، بدورها تبذل جهوداً حثيثة لتصبح عضوة في النادي الأوروبي للتمكن من الإستفادة من التكنولوجيا الأوروبية و الحصول على المساعدات المالية السخية التي يقدمها الإتحاد الأوروبي لأعضائه و تصدير الأيدي العاملة الى أوروبا لتخفيض نسبة البطالة فيها و الحصول على العملة الصعبة. إن إنضمام تركيا الى لإتحاد الأوروبي يكون لصالح شعب كوردستان حيث يضطر النظام التركي الى تطبيق المعايير الأوروبية في إحترام حقوق الشعوب المتعايشة في تركيا و إحترام حقوق الإنسان و الإعتراف بالآخر. كما أن إنضمام تركيا الى لإتحاد الأوروبي، سيلغي تسلط الجنرالات التركية على الحكم و ينهي نفوذهم نهائياً. البلدان الأوروبية لها نظام ديمقراطي متفتح، يستطيع الكورد النفوذ اليه و التأثير فيه عن طريق منظمات المجتمع المدني فيها و الأحزاب و عن طريق الجاليات الكوردية في هذه البلدان للتأثير على الرأي العام الأوروبي و الحكومات الأوروبية. كذلك يجب على الكورد تشجيع الإستثمارات الأوروبية في كوردستان و مساهمة الشركات الأوروبية في إعمار كوردستان و تصنيعها و في مجال إستخراج البترول و إنتاجه.