الرئيسية » اللغة » اللغة الكوردية الموحدة (1/2)

اللغة الكوردية الموحدة (1/2)

مسألة توحيد اللغة الكوردية بدأت في الفترة الأخيرة تحظى ببعض الإهتمام من قَبل الكُتّاب الكورد الذين يكتبون باللغة العربية، حيث تم نشر بعض المقالات حول هذا الموضوع المهم و التي تدعو الى التفاؤل و الأمل في أن يؤدي مثل هذه المناقشات الى بلورة أفكار بناءة تخدم الموضوع و يثير جلب إهتمام اللغويين و المسئولين الكورد و تذكيرهم بالأهمية القصوى لإستنباط أو إيجاد لغة مشتركة للكورد و دفعهم الى التحرك و العمل على إنجاز هذا العمل، نظراً لأهميته و حاجة الأمة الكوردية الملحة له، لولادة لغة مشتركة تجمع شمل لهجاتها و مناطقها و أقاليمها، و لتصبح لغة التفاهم و التخاطب و الكتابة لها و لتوحد هذه الأمة العريقة المشتة و توحد كوردستانها المقسمة. هذه المناقشات يجب أن تكون علمية و بعيدة عن الطروحات الإقليمية و اللهجوية المتخلفة التي تهدد وحدة الشعب الكوردي و وجوده.

لا أدعّي بأنني من المختصين باللغة الكوردية، إلا أن إهتماماتي باللغات بدأت في فترة مبكرة من حياتي. بالرغم من بُعد إختصاصي عن اللغات، إلا أنه لا يكاد أن يمر يوم دون أن أدخل في مناقشات و تبادل الآراء مع بعض الأصدقاء حول كيفية تحقيق إيجاد لغة كوردية موحدة، لأن مصير الشعب الكوردي و وحدته تتوقفان على نجاح هذه المهمة التأريخية الكبرى. كما أنه كلما يطيل إنتظارنا لبلوغ هذا الهدف، كلما تزداد مخاطر أن تصبح حالة تشتت و تقسيم الكورد واقعاً مستديماً يصعب علاجه و كلما يساهم في ترسيخ و تثبيت الحدود المصطنعة بين أجزاء كوردستان، بل قد تُرسَم حدود جديدة تفصل بين لهجاتها و مناطقها و التي عندها سيتم إعلان موت لغة الكورد و موت لهجاتها معاً و حينئذ سيختفي الكورد، كشعب و أمة، لإفتقارهم للغة مشتركة، التي هي إحدى المقومات الأساسية لبناء صرح أمة حية قادرة على الديمومة و التطور. هنا لا أسمح لنفسي أن أتصدى لموضوع مهم و شائك، كموضوع توحيد اللغة الكوردية، الذي يقع خارج إختصاصي، حيث أتركه لأهل الإختصاص للبت فيه و معالجته، إلا أنني هنا سأطرح أفكاراً و آراء أأمل من ورائها أن تكون موضع إهتمام اللغويين و المسئوليين الكورد لجمع شمل الكورد حول لغة مشتركة توحدّهم و توحّد بلادهم.

الذين يتصدون لهذا الموضوع، من الضروري أن يكونوا مختصين باللغة الكوردية و بأصولها و تأريخ تطورها و بلهجاتها. كذلك يتطلب ذلك منهم أن يكونوا ملمّين بالمبادئ الأساسية للبحث و الدراسة، للتمكن من النجاح في تحديد الهدف و إختيار المواد و العناصر و الوسائل اللازمة لإستخدامها للحصول على نتائج جيدة و صائبة و من ثم أن يكونوا كفوئين في تحليل النتائج التي يتوصلون إليها و الخوض في مناقشتها لكي يصلوا الى إستنتاجات و مقترحات و توصيات تخدم توحيد اللغة الكوردية و الذي بدوره يساهم في توحيد الأمة الكوردية. عندئذ يستطيعون إغناء الموضوع و تطويره و خدمته و الوصول الى الهدف بنجاح.

إن إيجاد لغة كوردية موحدة هي عملية صعبة تحتاج الى كثير من الجهد و الوقت، إلا أن تحقيق الحلم الكوردي ممكن بكل تأكيد. لا شك أن صعوبة إيجاد لغة مشتركة للكورد تكمن في تقسيم كوردستان الى أربع أجزاء رئيسية و كل جزء تحتله دولة ذات نظام لا يعترف بالشعب الكوردي و لا يعترف باللغة الكوردية، بل يحاول القضاء عليها عن طريق التتريك و التعريب و التفريس. هذا التقسيم الجائر خلق لغة كوردية تُكتب بثلاث أنواع من الحروف (العربية و اللاتينية و السنسكريتية) و بلهجتين رئيستين (الكرمانجية الشمالية و الجنوبية). كما أن الحدود المصطنعة التي تقسم كوردستان، تمنع التواصل و الإختلاط بين الكورد، و بذلك تعرقل تكوين لغة كوردية مشتركة. إلا أن تحررإقليم الجنوب و تسلم السلطة فيه من قِبل حكومة كوردستانية، بعث الأمل في نفوس الكورد في توحيد لغتهم و الذي بدوره يُعتبر شرطاً أساسياً لتوحيد كوردستان و شعبها.

أود هنا أن أسلّط الضوء على جانبين مهمين من جوانب توحيد اللغة الكوردية. الجانب الأول؛ هو علمي بحت يتناول تحديد اللغة الموحدة و وضع خريطة طريق للوصول الى ذلك الهدف، و الجانب الثاني هو الجانب السياسي للموضوع. تنفيذ الجانب الأول من المهمة، يقع على عاتق اللغويين. لتحديد الهدف بوضوح و بشكل شفاف، يجب تعريف اللغة المشتركة. أنا أعرّف اللغة الكوردية المشتركة بأنها اللغة الرسمية للبلاد، و التي تعني أنها لغة الكتابة و التفاهم و التعليم و وسائل الإعلام، على أن تتم مراعاة الإرث اللغوي الكوردي و لهجات اللغة الكوردية. هذا التعريف يعني إيجاد لغة كوردية تكون وسيلة لتفاهم الكورد مع بعضهم، شفوياً و كتابةً. الشق الثاني من التعريف يعني الحفاظ على كل المواد الكوردية السابقة، سواء كانت كتباً أو مجلات أو صحف أو صوت مثل الأغاني و البرامج التلفزيونية و الإذاعية و الأفلام و غيرها. كما يؤكد الجزء الثاني من التعريف على السماح لتطور اللهجات الكوردية و حمايتها من الإنقراض، لأنها هي أيضاً تُشكّل جزء من التراث و الثقافة الكوردية، بشرط أن تصبح اللهجات الكوردية لهجات محلية تتفاهم بها أصحاب هذه اللهجات فيما بينهم و ينشرون بها أشعارهم، كما يقوم العراقيون بنشر الشعر الشعبي باللهجات العراقية الدارجة، و يغنون بها، إلا أنه يجب أن يكون واضحاً بأن اللغة الرسمية ستكون اللغة الكوردية الموحدة و التي تعني أن التعليم و وسائل الإعلام و المخاطبات الرسمية ستكون بهذه اللغة.

يتصور البعض أن اللغة الكوردية الموحدة ستكون عن طريق إختيار لهجة معينة و هيمنتها على اللهجات الأخرى، لتصبح لغة للكورد و منح الحياة و الديمومة لتلك اللهجة و ترك اللهجات الأخرى تتجه نحو الإنقراض. أعتقد أن اللهجات الكوردية تتكامل مع بعضها البعض، بعد تفاعلها و تلاقحها، ستصبح لغة مشتركة للكورد. ثم أستغرب من الضجيج المفتعل حول اللهجات الكوردية و كأنما الإختلاف بينها كبيراً الى درجة يصعب توحيدها. لو نتمعن في اللهجات الكوردية، نرى أن قواعدها (نحو) متشابهة جداً و هناك إختلافات طفيفة جداً بينها. أما بالنسبة لكثير من مفرداتها، فأنها متشابهة أيضاً، بإستثناء بعض التحويرات البسيطة التي تعرضت لها هذه اللهجات خلال التطور التأريخي لهذه اللهجات و التي تمت بمعزل عن بعضها البعض، نتيجة فصل قسري بينها و بسبب وقوع كل لهجة تحت تأثير النظام السياسي الذي تعيش في ظله و لغة الشعوب المحتلة المهيمنة على كل منها. التباعد بين اللهجات الكوردية المتأتي من تشتيت الشعب الكوردي و تقسيم كوردستان، تتم معالجته بشكل مطلق عند توحيد الشعب الكوردي و بناء دولته الموحدة أو عند تمتعه بحريته و حقوقه في الدول التي فُرضت عليه أن ينتمي إليها. من هنا ندرك أن التغييرات الطارئة على المفردات المختلفة بين اللهجات الكوردية هي ظاهرة طبيعية، حيث أن الكلمات في كل لغات الدنيا لها مرادفات. من الملاحظ أيضاً أن النقاش الدائر حول توحيد اللغة الكوردية يُركّز على اللهجة الكرمانجية الشمالية و الجنوبية اللتين الكتابة بهما أكثر إنتشاراً من اللهجات الأخرى، إلا أننا لا يمكن تجاهل اللهجات الأخرى التي هي غنية بالمفردات الكوردية الأصيلة. على سبيل المثال لا الحصر، فأن اللهجة الفيلية التي كانت مناطق إنتشارها مهداً للحضارة البشرية ، حيث الحضارة السومرية و الإيلامية (يستعمل العرب مصطلح ”العيلامية“)، و أن اللغات الهندو-أوروبية أخذت من اللهجة اللورية الآلاف من مفرداتها التي تستعملها في الوقت الحاضر. على سبيل المثال، يذكر الأستاذ مسعود محمد، في كتابه القيّم المعنون ”لسان الكُرد“ (بغداد، 1986)، بأن كلمة ”دوت“ التي تعني ”بنت“ باللهجة اللورية هي كلمة كوردية أصيلة مذكورة في كتاب ”آفيستا“ المكتوب من قِبل زرادشت و أن اللغات الأخرى، كاللغات الإنكليزية و السويدية و الفارسية و غيرها، قد قامت بإستعارة هذه الكلمة الكوردية. لو نستمر في التدقيق في مفردات اللهجة اللورية، سنكتشف أنها تحوي على الآلاف من الكلمات الكوردية الأصيلة. كما يجب أن لا ننسى اللهجة الهورامية، حيث أن الكتب الدينية للكاكائية مكتوبة بهذه اللهجة، و التي هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. هكذا بالنسبة لللهجات الأخرى. من هناك ندرك أن اللغة الكوردية الموحدة بحاجة الى كل روافد جميع لهجاتها لإثرائها و العمل على تكاملها.

في رأيي، لإنجاح توحيد اللغة الكوردية، أول خطوة نحتاج للقيام بها هي توحيد كتابة اللغة الكوردية. لتنفيذ هذا العمل، ينبغي عقد مؤتمر علمي حول هذا الموضوع، يقوم بتنظيمه المجمع العلمي الكوردي، بالتعاون مع الأقسام الكوردية في الجامعات الكوردستانية و المراكز الثقافية الكوردية القائمة في دول عديدة. لهذا الغرض، تتم دعوة علماء اللغة الكورد من مختلف أنحاء كوردستان، بحيث تشمل المختصين باللهجات الكوردية جميعها. كما يتطلب الأمر دعوة العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية و كذلك مشاهير علماء العالم في مجال اللغات. كما أقترح أن تُنظّم هذه التظاهرة العلمية في كوردستان و أن تعضدها حكومة إقليم كوردستان، و خاصة من الناحية المادية. أقترح دعوة اللغويين الأجانب و الكورد القاطنين خارج كوردستان و تحمل نفقة سفرهم و إقامتهم، حيث أن ميزانية البحوث العلمية في جامعات و مراكز البحوث في الغرب، هي عادة محدودة، تأتي عن طريق إعانات حكومية و شركات و جمعيات ذات الصلة بالموضوع. كما من الضروري الإعلان عن عقد المؤتمر المذكور في وقت مبكر، أقترح أن يكون قبل عام واحد من إنعقاده، لضمان توفر الوقت الكافي للباحثين لتحضير دراساتهم و بحوثهم بشكل جيد. ينبغي أن يتم إشعار الباحثين عن مكان إنعقاد المؤتمر و موعده و مدته و شعاره و لغة عرض البحوث عند إرسال الدعوات الى المختصين للمشاركة في المؤتمر المذكور. يمكن أن يكون شعار المؤتمر مثلاً (السبيل الى إيجاد كتابة كوردية موحدة). تُستعمل اللغة الإنكليزية عادة في المؤتمرات العلمية العالمية (بالنسبة للباحثين الذين لا يجيدون الإنكليزية، يمكن تقديم دراساتهم على شكل ملصقات posters)، حيث أنهم في هذه الحالة لا يحتاجون الى إلقاء بحوثهم بصورة شفاهية). في نهاية المؤتمر، يقوم المؤتمرون بتقديم توصيات و مقترحات مشتركة لحل هذه المشكلة و يمكن لحكومة كوردستان تبنّيها لتصبح الكتابة الرسمية في الإقليم.

بالنسبة لإيجاد لغة كوردية موحدة، أعتقد أنه يحتاج الى تأليف قاموس (كوردي- كوردي) شامل يحتضن بين دفتيه مفردات اللهجات الكوردية لتصبح أساساً للغة كوردية مشتركة. هذا العمل الجبار يجب أن يُناط باللغويين الكورد و العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية. لإنجاز هذه المهمة التأريخية، يمكن أن يتوزع هؤلاء اللغويون على شكل مجاميع لغوية، كل مجموعة تأخذ على عاتقها مسئولية جمع مفردات لهجة معينة من مصادر مختلفة، مثل الكتب و الصحف و تسجيل أحاديث الناس في القرى و الأرياف و المدن و في المهجر و غيرها من الوسائل التي يستطيع الباحثون إتباعها، و التي هم أعرَفُ بها مني، حيث أن مثل هذا العمل هو من إختصاصهم. يصبح هذا القاموس أساساً للغة مشتركة. قد يظن القارئ بأن القاموس سيحتاج الى مجلدات ضخمة و عديدة، الا أنني أعتقد بأن الكثير من مفردات اللهجات متشابهة أو متقاربة و أن فصل و عزل الكورد عن بعضهم البعض و منع إستعمال اللغة الكوردية من قَِبل الحكومات المحتلة تجعلنا نتصور أن هناك بَوناً شاسعاً بين اللهجات الكوردية، و إلا فأن الإختلاف بين اللهجات الكوردية لا يزيد عن ذلك الموجود بين لهجات اللغات الأخرى.

يجب أن لا ننسى أيضاً أن اللغة الكوردية بحاجة لتثبيت قواعد لها. لهذا الهدف، يجب دراسة اللهجات الكوردية من قِبل اللغويين المختصين باللغة الكوردية لوضع كتاب شامل لقواعد اللغة الكوردية، ليصبح كمرجعية لها، تتبعها المؤسسات التربوية و الرسمية الأخرى و وسائل الإعلام و الكُتّاب و المؤلفون. بعد إنجاز مشروع القاموس و كتاب النحو الكوردي، تبدأ الدراسة باللغة الكوردية الموحدة بالنسبة لتلاميذ الصف الأول الإبتدائي و يتم تعليم الآخرين، المعلمين و المدرسين و الصحفيين و غيرهم، عن طريق فتح حلقات دراسية لهم. صحيح أننا في بداية تطبيق اللغة الكوردية سنواجه صعوبات كبيرة، إلا أن العملية ستنجح و تأخذ مسارها الطبيعي بعد جيل أو جيلين.

2 تعليقان

  1. لعلمكم الأستاذ الكبير عباس جليليان ألف قاموس ” فرهنكي باشور ” لجميع اللهجات اللرية في كرمانسشاه وايلام ولرستان , طبعة آراس للطباعة والنشر , باعتقاده مع الأدلة الثابتة بأن اقليم اللر جنوب كردستان من خليج فارس , وهو الآن في السجن فك الله أسره عسى نرى هذا القاموس في موقعكم الموقر وأرجو أن يعرف الكورمانج بأن في كردستان نخيل وتمر وليس جبال فقط ؟؟؟؟؟؟

  2. زور سوباس نرجو نشره باقرب وقت وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *