الرئيسية » بيستون » الكورد الفيليــة : جــرح يعشــق العــراق… ؟

الكورد الفيليــة : جــرح يعشــق العــراق… ؟

 —  هل ان الكورد الفيلية مهجرين عن العراق … ام ان العراق مهجراً بهم…؟
— هل انهم جرح العراق … ام ان العراق مجروحاً فيهم … ؟

كنا مجموعة تتراوح اعمارنا بين 16 و 20 سنة ’ وكان ماجد فيلي اكبرنا سناً ’ بعد انقلاب 08  شباط 63 وتصفية قيادات ثورة 14 تموز وقيادات وكوادر الحزب الشيوعي العراقي اتصل بنا ماجد فيلي واخبرنا بأنه استطاع الأتصال في الحزب وكلفنا بأغتيال الحرس القومي .. واثناء موعد استلام السلاح كان الأمر كميناً بعثياًوقعنا فيه .

بعد شهر وعشرة ايام اطلق سراحنا بتعهد خطي ان لا نحاول الأتصال ثانية في الحزب ولا نفكر بأغتيال الحرس القومي

بعد ثلاثة اسابيع تقريبا اتصل بنا ماجد مرة آخرى واخبرنا بأن اتصاله هذه المرة برفيق موثوقاً به وطلب منا ان نساهم في اعادة بناء تنظيمات الحزب .. امتنع بعضنا حذراً واكتفى البعض الآخر بعلاقة فردية .

اجتمع بنا انا وعبود الساعدي تحت الجسر الحديدي على نهر دجلة حيث كنا انذاك نسكن في ( خان حجي محسن ) .

سألته :

ــ لماذا لا نتريث بعض الوقت … ؟

ــ اذا رأيت امك او اختك اوابنة جارك يحاصرها من يريد الأعتداء على شرفها ’ هل ستتريث حتى يكمل السفلة فعلتهم؟ انهم الآن اغتالوا الثورة وقتلوا زعيمنا وقياداتنا … انهم الآن يغتصبون الوطن .. فهل هناك مجال للتريث .. ؟

ــ ماجد انت مندفع اكثر مما ينبغي .

ــ ابداً … انا عاشق اكثر مما ينبغي .. واذا كان قيس مجنون ليلى .. فأنا مجنون العراق وهناك من يغتصه .

ــ الكورد الفيلية جميعهم عنيدون حد الموت .

ــ انهم يعشقون الوطن بما يستحق ومخلصين له حد الأستشهاد .

ــ وهل تعتقد ان الوطن يعشقكم ايضاً .. ؟

ــ نعم ــ اجاب واثقاً ــ قال امير المؤمنين علي ( ع ) اذا اردت ان تعرف مقدار حب الآخر لك ’ عليك ان تسأل قلبك ’ فبالقدر الذي تحبه يحبك .. وقد سألنا قلوبنا واخبرتنا ان الوطن يعشقنا اكثر مما نعشقه .

ــ لقد اختلف الشيوعيون مع عبد الكريم قاسم ’ وانتم الكورد الفيلية شيوعيون وتحبون عبد الكريم قاسم ’ الا تعتقد ان ذلك شيء من الأزدواجية … ؟

ــ لا .. ابداً ’ نحن اعضاء واصدقاء الحزب الشيوعي لأنه حزباً للفقراء .. ونحب عبد الكريم قاسم لأنه انصف الفقراء .

ــ وماذا مع الأكراد … ؟

ــ نعم نحن ابناء القومية الكوردية المظلومة … وابناء مظلومي شيعة اهل البيت .. وابناء حزب الفقراء… وابناء شهيد الفقراء .. اننا نرتبط في الجسد العراقي بأكثر من ( حبل سرة ) .

وماذا تريد الآن بالتحديد … ؟

اطلق حسرة ثم تابع …

ــ يستشهد الشيوعيين والوطنيين في اوكار التعذيب وعلى اعواد المشانق بعيداً عن اعين الجماهير .. ورغبتي ان استشهد بطريقة آخرى .. بين احضان الناس والسلاح في يدي .

ــ وشهادة الجنسية … ؟

ضحك وضحكنا ثم افترقنا … كانت كلمات ماجد تحمل معان اكبر حجماً من مساحة وعينا انذاك .

بعد اسبوع تقريباً زرته حيث يسكن في حي الأكراد في مدينة الثورة .. اخبرتني امه ” يمه البارحه ما اجه .. سألنه عليه بالمعمل كالوا اجوا واخذوه .. ”

استشهد ماجد فيلي دون ان يحقق رغبته في ان يكون بين الجماهير والسلاح في يده .

في عام 1980 علمت ان جريمة اجتثاث الكورد الفيلية قتلاً وتهجيراً قد شملت عائلته ’ فقد اختطفوا وغيبوا اخوته الثلاثة ’ وسلبوا كل ما تمتلكه العائلة بعد ان ابقوا على الأم والأب وزوجات الأخوة وبعض الرضع .. ثم رموهم على الحدود الأيرانية الملغومة بالمتفجرات ورداءة الطقس وقسوة الوحشة واسباب الموت الآخرى .. لا اعلم من استشهد منهم ومن بقى على قيد الحياة .. وهل جفت الدموع على خدودهم ..واستعادت وجوههم شيئاً من الأبتسامة .. وتبقى في ذاكرتهم قليلاً من الفرح القديم.. وتوقف نزيف جرحهم العاشق … ؟

مر الزمن .. وكلما استرجعت ذكريات المحطات الحرجة من النضالات الوطنية والقومية والديموقراطية والطبقية اجد ابناء الكورد الفيلية طليعتها واول شهدائها .. وكلما اراجع تجربتي مع ابناء تلك الشريحة المسكونة بحب العراق .. اتسائل

ــ لماذا يتجنب المسؤولون والمعنيين النظر الى جرحهم .. الأنه اعظم منهم شاءناً واكبر من ان يواجهوه … ام لأنه بحجم العراق ومسكوناً بالعراق ومن يقترب منه يجب ان يكون مسلحاً بشجاعة وطنية فائقة وانتماءً عراقياً يشبه انتمائهم … ؟

ان من يمر بعيداً عن مآساة الكورد الفيلية ويتجنب النظر اليها او التوقف عندها ويستمع الى صوتها ويعطي اجابات لأسألتها ’ ما هو الا وعاء للثرثرة وواحد من القطط الرديئة لا هم لها ولا قضية الا ان تلعق حصتها من النزيف العراق ثم تنصرف ضاحكة شامتة .

الى متى يبقى العراق حزيناً بهم .. وبهم مخدوش الكرامة والجمال .. وضميره لا زال يحمل سموم عار المراسيم الجمهورية لحزب البعث .. ؟

وهل ان من يحمل مظلومية الآخرين هماً .. يصبح ملتقاً للمظالم … ؟

هل لازال العراق مغيباً ويجب البحث عنه في جرح الكورد الفيلية العاشق .. ؟

اقسم بهم .. ان الجبل والقصب والبردي وبيوت الطين تعشقهم .. المدن الذبيحة والأنهر المخضبة بدم وارواح واجساد العراقيين تعشقهم .. حزن الناس وعيون الضحايا والأنكسارات على وجوه الأيتام والأرامل تعشقهم … الثقافة الوطنية المحاصرة.. والوعي السجين .. والمذبوح من المواقف الأنسانية تعشقهم .. العراق بكامل اطيافه تماماً مثلما يعشقوه .. يعشقهم .

لا افهم ولله .. لماذا هذا الجرح كبيراً شجاعاً مخيفاً يتجنبه اقزام المراحل الطارئة .. ومليشيات ثقافة الثكنات الطائفية والعرقية والفئوية الضيقة … ؟

اين ابحث للمثقف الوطني عن عذر تتحجب به مشؤوليته المتراخية تزلفاً … ؟ ام من الأفضل ان اتركها مكشوفة يتيبس عليها خجلهم قطرة .. قطره امام قدسية ذلك الجرح الذي يستغيث فيه العراق’ تتخثر اوجاعهم هناك حيث مآساة الكورد الفيلية تختزل مصائب العراق … ؟

ايتها الشريحة الباسلة .. ايها الجرح العراقي العاشق .. ايتها المآساة التي اختزنت كل اوجاع الوطن ومصائب الناس .. تجمعوا حول جرحكم .. وحزنكم داخل الشرف العراق الذي ابتداء يتعافى .. فأشراف العراقيين حولكم ..ومن جرحكم ووحدتكم .. وتماسككم مع الخيرين من ابناء الوطن ’ سيستعيد العراق مجده ويدخل افاق مستقبله ..ويحقق حلمكم وحلم الآخرين .

كونوا كل شي .. وعياً.. هماً .. صوتاً.. رقماً.. لكن للعراق واهله فقط .

ايها الكورد الفيلية .. هل تقبلون انتمائي لكم .. وتشرفوني بهويتكم .. وشهادة جنسيتكم الوطنية .. وتكرموني بالأقتراب من تاريخكم الناصع .. ؟ فأنا ابن الجنوب العراقي .. وكلانا احاد ذلك الحزن المشترك . 

برلين
25/ 06 / 2006