الرئيسية » مقالات » كاكه حمه ويس مع الحجاج في نقرة السلمان

كاكه حمه ويس مع الحجاج في نقرة السلمان

 يقول كاكه حمه ويس ان سجن نقرة السلمان يعتبر من السجون الرهيبة ومن القلاع الحصينة يقع في وسط بادية السماوة ، جنوب غرب العراق وقريبا من قضاء السلمان في وسط الصحراء الغربية القريبة من الحدود السعودية ، يحرس هذا المكان شرطة حرس الحدود ، ثم بعد ان زاد عدد معتقليه بسبب حملات الأنفال انيطت ادارته الى دائرة الأمن والمخابرات الخاصة بالأضافة الى شرطة حرس الحدود . كان السجن يمثل النهاية المحتومة لكل من يتم نفيه اليه .

ينقل المعتقلون بواسطة قطار يسمى قطار الموت ،معظم الذين نقلوا الى نقرة السلمان في الستينات بعد انقلاب شباط في سنة 1963 وبعد تسلط حزب البعث على رقاب الشعب كانت تهمتهم انهم من الشيوعيين، تم اعتقال عدد كبير من الشيوعين يقدر بالمئات وتم ارسال المعتقلين الى السجن بقطار الموت ، ومن حاول الهرب من هذا السجن كان مصيره لقمة سائغة للكلاب السائبة والذئاب الجائعة في تلك الصحراء النائية . وهذا ما كتبه الدكتور عبد الفتاح علي البوتاني في صحيفة السياسة حيث يقول لقد سجل احد الضباط الهاربين من نقرة السلمان والمحكوم عليه بالأعدام في مذكراته ويدعى صلاح الدين احمد مجيد وهو من سكنة الموصل في تلك الفترة وقبل هروبه من السجن كتب عن بشاعة وظلم العاملين في ذلك المعتقل ، واثناء محاولة هروبة الفاشلة حيث تاه هذا الضابط الباسل والجسور في الصحراء عند هروبه من نقرة السلمان ولم يصادف احداً في طريقه من البدو لكي يساعدوه في نجاته، فهاجمته الذئاب واكلته، ووجدت بقايا جثته فيما بعد .

ان ثقافة الخوف التي غرسها الاستبداد لعقود في الواقع العراقي لم تثن ابنائه قطعا عن النضال الدؤوب من اجل الحرية فقاوم الطغاة بشراسة وببسالة كبيرة . مما حدى بالنظام الطاغي ان يقوم بنفيهم الى سجون عديدة منتشرة في كل ارجاء العراق ومن هذه السجون معتقل نقرة السلمان.

كما كتب العديد من الأدباء والسياسين رواياتهم ومشاهداتهم عن ادب السجون ومنها رواية الوشم لعبد الرحمن الربيعي وخان الدراويش للكاتب الروائي حميد المختار ، كما كتب وزير النفط الحالي الدكتور حسين الشهرستاني في مذكراته الهروب نحو الحرية عن وسائل التعذيب في السجون وطبيعة المعتقلات الخاصة ، وتحدث عدنان رضا الفيلي عن معتقل نقرة السلمان والسجون التي مر بها لاكثر من سبعة سنوات قضاها يتنقل في سجون الطاغية حيث تم البطش باكثر من عشرة الاف كردي فيلي في تلك المعتقلات ومن ضمنهم اخوه الأصغر سنا واصدقاءه واقرباءه .

لقد كان مخططا لجميع المعتقلين ان يبقوا لفترة طويلة في معتقل نقرة السلمان وكان يسمى بالمنفى الدائمي او الزنزانة الأبدية لأنه لا خيار للنزيل في نقرة السلمان اما الأقامة الدائمة في هذا السجن حتى الوفاة او ان يتم تصفيته فيما بعد و هذا ما يعرف بغسل وتنظيف السجون اي ابادة كل من يريدون ابادته وتصفيته من المسجونين في داخل هذه المعتقلات .

اما الحجّاج بن يوسف الثّقفي (40-95هـ/660-714م)،فهو احد امراء بني امية في العهد الأموي وكان ظالما غشوما واشتهر بالخبث والخسة والدناءة في حكمه وكان مجرما قاسيا وقد قيل عنه

لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئناهم بالحجاج لغلبناه

كما كان لنشأة الحجاج في الطائف أثر بالغ في فصاحته، حيث كان على اتصال بقبيلة هذيل أفصح العرب، فشب خطيبا، حتى قال عنه أبو عمرو بن العلاء: “ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج”، وتشهد خطبه بمقدرة فائقة في البلاغة والبيان وخطبته الشهيرة في أهل الكوفة عندما ارسله الخليفة الاموي ليكون واليا على العراق والتي يقول فيها

يا أهل الكوفة إني لأرى أرؤسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها .

ومن خطبه ايضا

أيها الناس إنّ الله تعالى سلّطني عليكم بأعمالكم فإن أنا متّ فأنتم لا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيّئة لأنّ الله تعالى خلق أمثالي خلقاً كثيراً و إذا لم أكن أنا كان من هو أكثر منّي شرّاً و أعظم جوراً و أشدّ سطوةً .

ومن الأحداث المهمة في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي هو قتله للصحابي سعيد بن جبير الذي ناهض الحجاج فأمر الحجاج بالقبض عليه، فلما مثل بين يديه، دار بينهما حوار حاصر فيه سعيد بن جبير الحجاج ببلاغته مما اجبر الحجاج ان يتبع طريقا اخر معه لعله يزحزحه عن الحق، أغراه بالمال والدنيا، وضع أموالا كثيرة بين يديه، فما كان من هذا الإمام الجليل إلا أن أعطى الحجاج درسًا قاسيًا، فقال له،

إن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت .

لقد أفهمه سعيد أن المال هو أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال وصلاح الآخرة، إن جمعه صاحبه بطريق الحلال لاتـِّقاء فزع يوم القيامة ، وبدأ الحجاج يهدد سعيدًا بالقضاء عليه ثم امر بذبحه ، مات سعيد شهيدًا سنة 95هـ، وله من العمر سبع وخمسون سنة، مات ولسانه رطب بذكر الله وقبره لا يزال مزارا في مدينة الكوت قرب مدينة الحي .

لقد كان الحجاج رمز الظلم منذ العصر الاموي قبل حوالي 1300 عام ، اما اليوم فان الحجاج الجديد هو رمز الظلم في عصر الطاغية الأموي صدام حسين ، يريد صدام من هيئة المحكمة ان تركب الطائرة وتذهب الى سجن نقرة السلمان لتتعرف على الحجاج .يالسذاجته وجبنه وظلمه ورعونته.

يستغرب هؤلاء الطغاة وجود الحجاج في معتقل نقرة السلمان ، يستغربون لان في عقولهم لوثة تبعد بصيرتهم عما يحدث للشعب من ظلم ، لقد فضح كاكه حمه ويس ظلم النظام وما يجري في سجون الطاغية ، يستغرب الطاغية لانه يعتبر نفسه عادلا ، ولا يوجد ظالم في زمانه وفي حكمه ونسى انه كان يأمر الظالمين الذين يقتلون الشعب ويتلذذ بقتله لا بل كان يقتل بيده وبمسده ويصور جرائمه وكان يخاطب القتله ويبارك لهم القتل ويقول لهم قولته الشهيرة ” عفيه ” اي احسنتم على ما فعلتم من جرائم بحق الأبرياء من ابناء الشعب العراقي المنكوب بحكمه .

كاكه حمه ويس يمثل ضمير الشعب الكردي وقف امام الطاغية يشتكي عليه بعد مرور ثمانية عشر سنة من وقوع جريمة الأنفال ، كاكه حمه ويس واجه صدام وألقى على اسماعه ماذا فعل جلاديه في سجونه ، ان كل واحد منهم كان يمثل الحجاج بكل فخر ، كانوا يقتلون النساء بعد اغتصابهن ، كانت الكلاب تأكل جثث الشهداء حتى بعد دفنهم ، لا ماء ولا طعام في وسط الصحراء ، لا يحمي هؤلاء الناس الا ايمانهم برب العباد ساقوهم الى المعتقل في شهر رمضان وحاسبوا الظالم في قفص الأتهام في شهر رمضان ، وهذه حكمة الزمن والقيم السماوية وكما يقول الشاعر

حماة الدار لا تهنوا وصبرا … على البلوى ولكن لا انكفاءا
سنهزم بغيهم عما قريب … وان صكوا مسامعنا عـواءا
وان السحر منقلب عليهم … إذا ما الأمر باسم الله جاءا
وصرنا واحدا يمشي بالف … وألفا تهتدي نجما مضاءا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *