الرئيسية » مقالات » فصول من (كتاب يوميات في العراق) للصحفي الهنغاري آنتال ماروشي

فصول من (كتاب يوميات في العراق) للصحفي الهنغاري آنتال ماروشي

 لقد طفح الكيل في نهاية الثمانينات، ونفذ صبر صدام حسين من عمليات الأكراد القابعين في الجبال، ومهاجماتهم لثكنات جنوده. لذا أصدر قراراً ينص على أن المسلحين الأكراد وذويهم لم يخضعوا لقانون حماية. ” خارج نطاق القانون” لذا يجب قتلهم. هذا موجز لمحاضرة في درس التاريخ ألقتها علينا المرافقة لنا، موظفة الوزارة.

في كردستان الآن لا يدرّسون تاريخ الأكراد. اعتقد ليس بالصدفة، أن مرافقتنا لم تذكر تلك الحقبة التاريخية المهمة، وهي في زمن الحرب العراقية الإيرانية، وكما يقال: حارب الأكراد الأنصار إلى جانب إيران. يبدو أن هذا السبب جعل صدام حسين يصدر مثل ذلك القرار.

لا يتعدى عدد سكان قرية جوبتابة الـ 500 نسمة تسكن في 170 بيتاً. تتعرج الشوارع الطينية بين أكواخ الطين. تتزحلق أقدامنا متحاشين الدجاج والحفر المليئة بالماء وعيون الديكة الرومية الفضولية.

ندخل أحد البيوت الصغيرة البسيطة ذات الشرفة المغلقة، أرضيتها من الاسمنت، حُفظ فيها كراسي بلاستيك، سجاد، ومكان لنزع الأحذية. الغرفة الصغيرة هي المطبخ أيضاً، السيدة العجوز تحضر لنا الشاي على المدفأة النفطية.

عبد القاسم عبد الله مصطفى في الخامسة والثمانين، يرتدي سروالاً، يثبته برباط عريض على بطنه، يجلس متربعاً، سانداً ظهره على جدار لم يعرف الطلاء منذ زمن بعيد، يشاركه التدخين والذكريات رجلان في نفس عمره.

” في عام 1987 ازداد خوفنا من الجيش العراقي، وصلتنا أخباراً مقلقة عن هجوم متوقع. هرب مبكراً من كانت له القدرة في اللجوء إلى الغابات، أما المحظوظون ففروا إلى أماكن أبعد. في عصر أحد الأيام، حوالي الرابعة عصرا تأكد الخبر، حّلقت الطائرات فوق رؤوسنا، وبدأ القصف، سقطت إحدى القنابل على بيتنا، شهدتُ بأم عيني موت زوجتي وأولادي الثلاثة ورفاقهم الستة عشر, انتشرت رائحة غريبة تشبه رائحة الموز والفوسفور. غطيت فمي بعمامتي وفقدت الوعي. ”

تعب الرجل الذي أتسع بؤبؤ عينه، وارتجفت أصابعه، واختنقت عبراته من الحديث الطويل.

نرتاح قليلاً، السيدة العجوز تبكي في الزاوية، ثم تنهض لتقدم لنا شاياً غريب الطعم. الكل صامت، وأنا أتطلع إلى هؤلاء الناس البسطاء الذين نجوا من غاز الخردل والـ VX .

تبكي الرجال وأفواههم مزمومة. ننتظر . يطفئ مضيفنا سيجارته ويستكمل الحكاية.

” كنت آنذاك في الواحد والسبعين من عمري. لقد جمع الجنود ذو الأقنعة الواقية العدد القليل المتبقي من الناجين، وقيد بنا إلى السجن، حيث اعتقلتُ لمدة ثلاثة اشهر ونصف بين سجن وآخر في أماكن مختلفة من العراق. جيء بي إلى السليمانية وبقيت هناك حتى عام 1991 عندما قامت الانتفاضة، بعدها عدت إلى هنا”.

– لماذا تعيشون على هذه الأرض المشبعة بالمواد الكيمائية؟

-نحن فلاحون، ولدنا على هذه الأرض، هنا دفن أجدادنا، وأحباؤنا الذين ماتوا في 1987. فإلى أين نذهب؟.

ننظر إلى قمة الهضبة القريبة فنرى رأساً كردياً كبيراً فاغراً فاه، يتلقف الهواء، أم صارخاً يطلب النجدة؟! على قاعدته نحت بارز في الحجر لأجساد بشرية تحتضر. في المقبرة تفتقد القبور شواهدها، وضعوا أحجاراً بديلة لها، وفي القبر لا يوجد جسد بل أشلاء جسد.

في ساحة القرية الصغيرة يوجد بئر وحيد، تقف النساء والأطفال بطابور طويل. يعدن حاملات الدلاء على أكتافهن، والأطفال يحملون أواني الزيت التي غسلت جيداً من اجل ذلك. تنزلق أرجلهم في الطين ساعين الوصول إلى البيت والماء يندلق على ملابسهم.

في المدرسة القريبة صف واحد يجمع مختلف الأعمار والصفوف، تشرح لهم المعلمة التاريخ الحديث. يقف الطلاب احتراماً لنا، يرددون جميعاً ما لقنوا به : ” يعيش كردستان ،السلام على الشهداء “.

المواد الكيميائية وعواقبها
الموسيقيون بأحسن مزاج، يعزفون بإيقاع سريع. يضرب عازف الطبل بقوة، ويغني الآخرون بملء حناجرهم. نشاهد التلفزيون الكردي في إحدى ثكنات الأنصار الجبلية في مكان ما على أطراف حلبجة في كردستان العراق. في المكتب، انظر إلى رشاش أسند على منضدة مكتب آمر القاعدة. على الجدار علقت صورة جلال الطلباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني. إلى جانبه خريطة المنطقة. أرى إيران تقع على بعد عشرين كيلومتر. أمعن النظر، حددت المواقع التي نتواجد فيها بالخط المنقط، أما مواقع منظمة أنصار الإسلام المتطرفة، فعلمت بخط أزرق غليظ. المسافة بينهما لا تتعدى 2-3 مليمتر . أشعر بإحساس غريب لسبب ما. ابحث عنه فأجده بسرعة. إنه منظر الإكليل الكبير المصنوع من البلاستيك المعلق في الزاوية، مكرب للنفس.

” في أيلول عام 2001 خسرنا في معركتنا مع أنصار الإسلام مائتين شهيداً، قارب عدد الجرحى. خمسة وعشرون ضحية مدنية سقطت على أيديهم”.

يذكر لنا الإحصائية بدون ذكر أسماء. الآمر شيخ جعفر، البالغ من العمر57 عاما .

في نفس اليوم الذي أعددت فيه التقرير عن منظمة أنصار الإسلام أعلن البريطانيون. بأن لهذه المنظمة علاقة بمنظمة القاعدة.

في العام 2001 أعلنت المنظمة الدينية المسلحة الجهاد ضد الأحزاب الكردية الديمقراطية وأعضائها.

يعتقد الكثيرون بان ذلك يعود إلى أحداث الانتخابات البرلمانية التي لم تحصل فيها المنظمة المبنية على أسس دينية على مقاعد في البرلمان، فقد حصلوا على 5% من الأصوات بدلاً من 7% وهو الحد الأدنى. بدأوا ما يسمونه الجهاد في تلك السنة بقتل أثنين وأربعين شخصاً، وقطعوا أجسادهم، لأنهم بحسب رأيهم كفار.

ودعناهم كما يجب، واعدين بالعودة في المساء.

بعد عشرين دقيقة وصلنا إلى حلبجة، المدينة التي ضربها الجيش العراقي في 15آذار من العام 1988 بالسلاح الكيمائي لمدة نصف يوم. دفن الضحايا في مقابر جماعية. أعيد بناء جزء كبير من المدينة، وبقيت البيوت المهدمة على حالها، بعد أن فقدت سكانها. بين تلك الأنقاض يلعب الصغار.

في العيادة الطبية النظيفة، الباردة، يجلس الطبيب بختيار فائق سليم مرتدياً معطفه الطويل الأسود. تزين منضدته باقات الورد الجوري هدية من مرضاه. سألت الطبيب الذي يعمل منذ ثلاثة سنوات هنا.

– هل ما تزال أثار القصف بعد 15 سنة تظهر الآن أيضاً؟.

– للأسف، نعم، قياساً للمدن الأخرى في المنطقة تضاعف عدد مرضى السرطان. بالدرجة الأولى سرطان الدم عند الكبار. يحصلون هؤلاء على العلاج بواسطة الدواء. أما العلاج الكيميائي أو بالإشعاع فهو غير متوفر في كردستان العراق. أقرب مكان لهذا العلاج هو بغداد. اغلب المرضى فقراء لا يستطيعون حتى دفع أجور سفرهم، إضافة إلى أن الذهاب إلى هناك ليس في صالح الفرد الكردي. يولد أطفال كثيرون بلا أطراف، وشق في سقف الحلق.

الإجهاض المبكر عند النساء والعقم عند الرجال.

– هل توجد الآن مواد كيمائية في التربة ؟.

– لا نعلم، نشك في ذلك فقط. في الحقيقة – بسبب المبالغ العالية- لم يأت الدور بعد لفحصها.

زحام في الشوارع الضيقة. المخازن الصغيرة تقدم كل ما يحتاج إليه المرء هناك. الولد الصغير صباغ الأحذية يدور في المقهى، يبدل أحذية الزبائن بالنعال الذي وضعه تحت إبطه، ثم يقوم بعمله. بين المتجولين كثير من الأنصار ” بشمركة ” على أكتافهم الكلاشنكوف. وبسبب رداءة الطقس المتقلب يحمل بعضهم إلى جانب الرشاش شمسية .

أقف ملتصقاً بعبد الرحمن محمد من حلبجة بين بائعي البيض والسجائر لأتحدث معه.

” صدام حسين أشبه بالسلاح الجرثومي، لا يمكن الوقاية منه. ليت رجال السياسة في الغرب يتفهمون الوضع، عندما يفكرون بمصير العراق”. ـ يقول ذلك صاحب القلنسوة السوداء والمعطف الأخضر، عندما يعرف بأننا مجريون ـ .

– إذا اندلعت الحرب ربما سيتكرر ما حصل في 1988. هل استعديتم لذلك؟.

– للأسف لدينا تجارب سابقة ، لنا خبرة كبيرة في الفرار، وربما ستحمينا الأقنعة الواقية، ولكننا لا نستطيع الوقاية من السلاح البيولوجي” الجرثومي “.

حشد الناس حولنا يكاد أن يدوسنا، فرأينا من الأفضل أن نهرب، لكن صوت عبد الرحمن محمد يلاحقنا مرتفعاً ” اكتب هذا أيضاً، سنقبل فقط بعد الحرب بحاكم عراقي عربي يترك الأكراد يعيشون بسلام “.

خمسة آلاف قتيل في دقائق

في فندق مرواري ، غط اده في نوم عميق. إلى جانب الميزات التي ذكرت عن هذا المكان، نخلد إلى الراحة فيه، لا يوجد بالقرب منه جنود عراقيون، لا يجب أن ننام متيقظين، نستطيع الاستحمام، خاصة بعد يومين أو ثلاثة حرمنا منه. عندما وصلنا استحم اده زميلي ومترجمي لساعات، أما أنا فرحت انظم الصور في الحاسوب .أنام بشكل عام في الساعة الثانية فجراً. واستيقظ في السابعة صباحاً. كي يكون لدي متسع من الوقت أن اخلع اده من سريره، ولأقنعه بان يلتصق بشاشة التلفاز الموجود في قاعة الانتظار كي يشاهد أخبار الساعة الثامنة. بعد ثلاثة – أربعة نشرات أخبار مختلفة، تتكون الصورة عندنا عن العالم المحيط بنا، نخرج من الفندق عموماً في الساعة العاشرة صباحاً، اليوم لن نذهب إلى چمچمال، نسير باتجاه آخر

في السادس عشر من آذار، صورة حلبجة لا تختلف عن أيامها العادية الأخرى، في هذا اليوم قصفت بأسلحة الدمار الشامل. راح ضحيتها خمسة آلاف شخص خلال بضع دقائق.

حاول الجميع منعنا من الذهاب إلى المنطقة.

” لا نريد أن نعرض الناس للخطر بسبب تهديدات أنصار الإسلام، إحياء هذه الذكرى في حلبجة توقف، لأنه سيقام هنا في السليمانية “. – هذا ما اخبرونا به في مركز الإعلام.

لا يضيرنا ذلك. يهمنا الناس البسطاء الناجين. لنذهب إلى هناك. يوقفنا مراراً البشمركة، يدققون في هويات المسافرين. الطريق خالٍ من الأحداث. لدينا متسع من الوقت كي نراجع ما نعرف عن تاريخ 16 آذار 1988. الغريب، أن في كردستان لا يتحدث أحد قط على أن الحرب العراقية – الإيرانية كانت قائمة في ذلك اليوم. ولا على الجيش الإيراني الذي وجد في البشمركة حليفاً له، حاربوا معاً ضد الجيش العراقي، إذن فأن صبر القيادة العسكرية العراقية لم ينفذ من هجمات البشمركة المستمرة فقط – كما يزعم الأكراد- بل من ذلك التحالف مع إيران.

غاز الأعصاب لم يقتل الأكراد فحسب وإنما الإيرانيين أيضاً. اليوم لن يأتي ذوو القتلى الإيرانيين – المحلات التجارية مفتوحة كبقية الأيام العادية، يذهب الأطفال إلى المدرسة، وحركة كبيرة في السوق، وحتى الرجل بالقميص الأسود، ذو النظرة المعتوهة وشعره الذي شاب مبكراً، يوزع باقات النرجس كما في الأيام الأخرى: شم !لتقوى رئتك ويصفى دماغك ! .

تجلس بيان حسن في غرفة صغيرة، مرتدية السواد ، يتسرب نور الشمس الربيعية عبر نافذة صغيرة، منعكساً على الكرات الذهبية الصغيرة التي تزين ثوبها.إن هذه المرأة الشابة هي إحدى الناجيات من كارثة حلبجة، في الأعوام الماضية ذهبت إلى المقبرة الجماعية، لكنها اليوم تجلس في الغرفة خائفة، إضافة إلى أن الذكرى لا ترتبط بالمكان فقط…

” كنت في السابعة من عمري عندما قصفنا بالسلاح الكيمائي، جمع والدي الأشياء الضرورية، أخذوا بأيدينا وهربنا نحو الجبال، تعبت بسرعة، حملني أبي وركض، ومع ذلك تخلفنا عن الآخرين، شعرت برائحة غريبة، سقط الناس من حولنا، أبي أيضاً. ظننته نائماً. خيم المساء، نعست، التصقت به ونمت في حجره. عندما استيقظت في الصباح، تطلعت حولي كان الجميع نائمين!”.

قضت بيان حسن في مستشفى إيرانية شهرين لمعالجة الحروق التي أصيبت بها. استفسرت عن مصير أهلها، لا جواب. وأخيراً شعرت بالفرج عندما ذهب عمها لزيارتها، وأخذها إلى مخيم اللاجئين في إيران. بعد أربع سنوات عادت إلى حلبجة، ولم تجد من بيتهم سوى ركام من الحجر،خنقتها العبرات، أحتضنها الأقارب، ومازالت تعيش بينهم، أصيبت بالهلع عندما اصطحبوها إلى المقبرة، ورأت المقبرة الجماعية، فأيقنت بأنها فقدت أحباءها جميعاً. ومع ذلك فهي تشعر كل مرة في هذا اليوم بأنها معهم، تذهب مع إخوانها في نزهة، تستمع إلى حكايات أمها في الليل، وتختبئ في حضن أبيها الذي نامت بقربه آخر مرة في 16 آذار 1988 . 

المصدر : موقع الكاتب العراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *