الرئيسية » مقالات » جريمة الأتجار بالفتيات الكورديات ضمن جرائم الأنفال

جريمة الأتجار بالفتيات الكورديات ضمن جرائم الأنفال

 تعد جريمة الاتجار بالنساء أو بالصغار أو بالرقيق جريمة من الجرائم التي تعاقب عليها كل القوانين الجزائية في جميع الدول ، في ما يخص القانون العراقي سواء تم الفعل داخل أو خارج العراق ، فأن الجريمة معاقب عليها قانوناً ، ويشملها نطاق الاختصاص الإقليمي أذا ارتكبت في العراق أو أذا تحققت نتيجتها في العراق ، وفي جميع الأحوال يسري القانون على كل من ساهم في جريمة مثل هذه وقعت كلها أو بعضها في العراق ولو كانت مساهمته خارج العراق سواء كان فاعلاً أو شريكاً ( المادة 6 عقوبات عراقي ) .
كما يمكن شمولها باعتبارها من جرائم الاختصاص الشامل التي نص عليها قانون العقوبات أذا ارتكبت خارج العراق ووجد المتهم في العراق بعد ارتكابه الجريمة ، وقد أطلق فقهاء القانون على الاختصاص الشامل مبدأ عالمية القانون الجنائي أو الصلاحية الشاملة ، ويمنح هذا المبدأ مساحة واسعة للتطبيق على مرتكبي هذه الجرائم بصرف النظر عن مكان الإقليم الذي ارتكبت الجريمة عليه أو أيا كانت جنسية الفاعل ، أذ لايكون والحالة هذه أي اعتبار لمكان الجريمة أو جنسية المتهم ، ومن الجدير بالذكر أن قانون العقوبات العراقي أخذ بمبدأ شمولية القانون الجنائي وتطبيقه على تلك الجرائم .
ويتم أجراء التحقيقات مع المتهم في جريمة الاتجار بالنساء أو بالصغار أو بالرقيق وإخضاعه لاختصاص المحاكم الجنائية سواء كان المتهم فاعلاً أصلياً أو شريكاً في ارتكاب الجريمة .
ومن الجدير بالذكر إن القانون الجنائي العراقي وأن لم يأخذ بالتقادم المسقط للجريمة والدعوى الجزائية والعقوبة ، فأن قانون المحكمة الجنائية أكد على هذا الالتزام ضمن نص الفقرة رابعاً من المادة 17 من القانون .
وضمن حملات الأنفال التي شنتها السلطة بأمر من المتهم صدام ضد أبناء الشعب الكوردي في كوردستان العراق ، ظهرت حالة إجرامية غريبة على المجتمع العراقي ، عززها كتاب رسمي برقم 1101 وبتاريخ 10/12/1989 ( سري وعلى الفور ) صادر من مديرية مخابرات محافظة التأميم ( كركوك ) موجه الى مديرية المخابرات العامة ( والتي كان أسمها رئاسة جهاز المخابرات في عهد برزان التكريتي ثم أبدل الى أسم مديرية المخابرات رسمياً بعد إقصاء برزان ) ، وموضوع الكتاب إجراءات ، وتقليباً وتدقيقاً للكلمات الواردة في الكتاب المذكور حيث استهل الكتاب بتعبير ( بعد الإيعاز المباشر من لدن القيادة السياسية ) وهذا التعبير لايمكن إن يرد عرضياً أو اعتباطاً مالم تتلق مديرية المخابرات التعليمات لتنفيذ الفعل المذكور بالكتاب ، حيث أن الإجراءات تأتي ليس اجتهادا وإنما تنفيذاً لأوامر وهي ما أكدتها الجملة الثانية من الكتاب أعلاه ، حيث يبدو إن الأمر كما يرد ضمن حيثيات الكتاب السري ، تتلخص في قيام دائرة المخابرات في كركوك حسب الأوامر الصادرة من ( القيادة السياسية ) ، بإرسال مجموعة من الفتيات اللواتي تم حجزهن ضمن عمليات الانفال الأولى والثانية ، الى ملاهي ونوادي الليل في جمهورية مصر العربية ، وحسب طلب القيادة وتضمن الكتاب قائمة بأسماء تلك الفتيات وأعمارهن .
ومن الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة كانت قد اتفقت طبقاً للمادة ( 27 ) وانسجاماً مع ألاتفاقية المؤرخة في 9/آذار /1927 تعديل تلك الاتفاقية بالبروتوكول المحرر في نيويورك في 7/كانون الأول /1953 والتي قضت بضرورة منع أي عمل من أعمال الرق وتجارة الرقيق ، كما كانت الجمعية العامة قد أقرت بقرارها 317 في 2 كانون الأول 1949 اتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير وحرمت الاتجار بالنساء والأطفال والرقيق الأبيض .
أن هذا التعهد الإنساني لم يأت اعتباطاً ، وانما كان نتيجة للمعاناة الإنسانية لما تقوم به بعض الجهات والدول من استباحة لإنسانية البشر واستغلالها أبشع استغلال ، ولهذا جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليؤكد على كرامة الإنسان والحقوق المتساوية للبشر ، وأن تجاهل هذه الحقوق واحتقارها يؤدي الى ظهور بربرية الضمير الإنساني ، فقد نشرت الجمعية العامة في العام 1948 هذا الإعلان العالمي الذي اعتبرته العديد من الدول منهجاً للعمل تهتدي به في علاقاتها وتلتزم به في اتفاقياتها وقوانينها .
ومابين العام 1948 وحتى 1989 يكون قد أنقضى أكثر من أربعين عام ، أندثر بها الرق والاتجار بالنساء ، وأصبحت للأمم والشعوب أعراف وتقاليد عريقة تؤكد كرامة الإنسان وحرمة جسده واعتباراته ، صارت للأمم تقاليد عافت بموجبها أي شكل من أشكال استغلال الجسد البشري ، وانعكس ذلك على دساتيرها وقوانينها وتصرفات حكامها ، وأصبح البغاء والدعارة نمطاً رخيصاً من أنماط الاستغلال البشري ، وتجارة بائسة ومحتقرة ، لابل صار الالتزام بحقوق الإنسان معياراً لمقياس مدى تمدن وتحضر تلك الدولة أو هذه من الدول .
ولعل القيم العراقية والأعراف التي يتمسك بها المجتمع العراقي بكل أطيافه ومكوناته تشكل العمود الأساس في الحياة العراقية ، بدليل إن العديد من النصوص القانونية ما ينسجم ويتلائم مع الأعراف والقيم العراقية ، وما يعزز ذلك إن يتم اعتبار الأعراف من الأسس التي تستند اليها الأحكام عند عدم وجود نص ، كما أن قيم الشرف والكرامة التي توارثها العراقي من القيم التي حرص المجتمع على انسجامها مع تطور العصر ، ومن هذا الجانب يحرص أهل العراق على تلك القيم مهما بلغت درجات تفاوتهم الاجتماعي والطبقي .
وكما يفترض بأن السلطة وهي سلطة الدولة على المجتمع والتي تعني انعكاس لروابط الطبقات الاجتماعية ، وتكون هذه السلطة معبراً عن طبيعة المجموعة الحاكمة ، ومهما بلغت الأساليب التي تتبعها في سبيل أجبار جميع فئات المجتمع على قبولها والرضوخ لرغباتها ، سواء كانت منتخبة ومعبرة عن إرادة الناخبين بالتفويض ، أو متسلطة بالرغم منهم ، فأنها في جميع الأحوال وكما يفترض الواقع والقيم العراقية لن تنزل الى الحضيض في إتباع أساليب خسيسة تتنافر وتتناقض مع قيم مجتمعها .
ومهما بلغ حجم الجريمة المنظمة في عمليات الأنفال التي يحاكم بها المتهم صدام وعدد من أعوانه ، ممن اشتركوا معه وعاونوه ونفذوا قراراته وسهلوا له الجريمة ، في سبيل إبادة أكبر عدد ممكن من المدنيين الكورد ، ومهما تنوعت الوسائل التي تعددت بين استعمال الأسلحة الكيمياوية المحرمة شرعاً ودولياً ، أو عمليات الإعدام المنظم بالرصاص ،أو حملات إعدام منظم لمجاميع مدنية مختلطة الأعمار والأجناس جميعهم من الكورد ، تتم حملات التصفية بالإعدام رمياً بالرصاص من قبل وحدات من الجيش العراقي ( قوات الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاص وبعض الفيالق المكلفة بالإبادة ) أو عمليات دفن الأحياء بالتراب ، أو إبعادهم الى المنافي الصحراوية ، أو الاغتصاب والاعتداء على شرف الفتيات الأسيرات تحت رحمة الذئاب البشرية ممن وردت أسماؤهم في شهادات بعض المشتكيات ، فأن الأمر يدعو للاستغراب والعجب حين نطالع الوثيقة التي أبرزها أحد المشتكين ، معلناً أن شقيقته من بين الأسماء التي قام جهاز المخابرات العراقي تنفيذاً لرغبة القائد الأوحد للعراق ، و التي هذه أرسلت المجموعة الى جمهورية مصر العربية تحت أي زعم أو مسمى ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم لم يعرف مصير شقيقته ولا أثراً لها .
فأذا صحت العملية ، يتوجب علينا أن نبحث عن التوصيف القانوني للفعل الذي قامت به أجهزة المخابرات تنفيذاً لأمر المتهم صدام ، كما يستوجب الأمر أن يكون مدير جهاز المخابرات ومدير جهاز مخابرات التأميم حينها مسئولين مسؤولية مباشرة عن تنفيذ هذه الجريمة الإنسانية البشعة وغير المسبوقة في سجلات المجرمين ، ويستوجب الأمر إخضاعهم للتحقيق الابتدائي والقضائي أمام سلطات التحقيق .
كما ينبغي إن يتم مفاتحة جمهورية مصر العربية لمعرفة مصير تلك الفتيات ، وما أذا كانت من بينهن من لم تزل موجودة على قيد الحياة أم لا في الوقت الحاضر ؟
وفي حال عدم صحة تلك العملية ( وكما عهدنا الأساليب والطرق التي تقوم المخابرات العراقية في سلوكها واعتمادها في مثل تلك الحالات ) ، يتعين على المتهم صدام ومدير جهاز المخابرات ومدير المخابرات في التأميم أن يبينوا مصير تلك الأسماء ، بالنظر لكون المعتقلات المذكورات في تلك الفترة تحت رحمة وقبضة السلطة ، مما يجعل أمر مصيرهن مرهون بأمر المتهم صدام أو مدير المخابرات .
أن الجرائم ضد الإنسانية تعني القتل العمد وجرائم الإبادة وجرائم الاسترقاق وأبعاد السكان أو النقل القسري للسكان والسجن أو الحرمان الشديد على أي نحو أخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي .
والاسترقاق بموجب القانون يعني ممارسة أي من أو جميع السلطات المترتبة على حق الملكية على شخص ما ، بما في ذلك ممارسة هذه السلطات في سبيل الاتجار بالأشخاص ولاسيما الأطفال والنساء .
كما أن جريمة الإبادة الجماعية تعني وطبقاً للاتفاقية الدولية الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية المعاقب عليها والمؤرخة في 9 / كانون الأول /1948 والمصادق عليها من قبل العراق في 20 / كانون الثاني / 1959 ، فأن الإبادة الجماعية تعني قتل أفراد من الجماعة وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد من الجماعة ، وإخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها أهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً ، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة ، ونقل أطفال من الجماعة عنوة الى جماعة أخرى ، كل هذا بقصد أهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية أهلاكاً كلياً أو جزئياً .
مما تقدم يتضح أن جريمة إرسال الفتيات الكورديات الى جمهورية مصر وهن في حالة إذعان ، لايتم الأمر وفق رغبتهن أو موافقتهن يشكل جريمة مزدوجة تنطبق عليها معايير جريمة الإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية .
وهي جريمة من نوع خاص لم تقدم عليها سلطة من السلطات ، ولم يتدن خلق حاكم في التأريخ ليقم بإهداء بنات شعبه الى منطقة أخرى للعمل في ملاهيها الليلية ، وهن لسن فنانات ولا يتمتعن بأية مواهب فنية ليتم استثمارها ، وانما جميعهن فلاحات قرويات من أرياف كوردستان العراق ، فأن صح الفعل فأن ضمير الحاكم الممسوح يعبر عن حالة التدني والانحطاط التي وصل إليها ، وان لم تصح فأن جريمة قتل هذه الأسماء البريئة وتلويث سمعتهن وتلويع أهاليهم جريمة خسيسة أخرى تسجل في سجل الجرائم التي تتم محاكمة الطاغية ومن يقم بمساعدته في أنجاز جرائمه .
أن من بين الأسماء ممن بلغت 12 سنة و15 سنة وبالتالي فهن قاصرات لاحول لهن ، ولعل التوسع في التحقيق في هذه القضية المهمة والفريدة في التأريخ العراق سيفتح ملفات أخرى ويكشف طرق أخرى أتبعتها أجهزة المخابرات العراقية في زمن صدام ، والتي كانت متفرغة لمثل هذه القضايا وتلفيق الأسباب والمبررات لارتكاب مثل تلك الأفعال الجنائية .
وإذا كانت الجريمة ظاهرة اجتماعية تظهر في المجتمع في مرحلة معينة وتنعدم بانعدام ظروفها المادية التي أدت الى وجودها ، إلا أنها تبلغ من الخطورة بحيث تهدد العلاقات الاجتماعية مما يستوجب إيقاع العقاب على الجاني ، فأن الخطورة الاجتماعية المتوفرة في هذه القضية تهدد القيم والأعراف والتقاليد العراقية قبل إن تهدد السلوك الإنساني ، لأن قيام المتهم صدام باستغلال قوة السلطة وإمكانياتها وأدواتها التنفيذية لارتكاب مثل هذا الفعل الخسيس يشكل خطراً وطنياً وإنسانيا ، والخطورة هنا تمثل أخطر العلامات المادية للجريمة .
وتتشكل تلك الجريمة من أدوار عديدة تبدأ عند دور القبض على تلك العوائل دون تهمة ودون ارتكاب جريمة حسب تعليمات الأنفال ، وسوق تلك الأعداد البشرية تحت القوة العسكرية ، ومن ثم تفريق تلك العوائل حسب فئات عمرية حددها حصراً ( المتهم صدام ) باعتباره يمثل تعبير القيادة السياسية في العراق كما يعرفه أهل العراق ، أذ لايوجد أي دور حقيقي وفعلي لما يسمى بمجلس قيادة الثورة أو لمجلس الوزراء ، وبالتالي قيام تلك الأجهزة أما بنفي وأبعاد تلك العوائل أو قتلها دفناً بالتراب حسب ما ثبت للسلطات التحقيقية ( المقابر الجماعية في الحضر والسلمان واماكن أخرى ) ، وحسب اعتراف المتهم حسين رشيد التكريتي الذي أقر إمام المحكمة أنه لو لم تكن تلك التقارير التي زعم أنها ترفع إليهم لما لجئوا الى حملات الأنفال .
ومن ثم حجز تلك الفتيات حصراً ، اذ توجد أعداد غيرهن ممن وقع عليهن الاغتصاب إثناء الحجز كما روت بعض المشتكيات ، بالإضافة الى استعمال المواد الكيمياوية مع عدد من المشتكيات اللواتي حضرن أمام المحكمة ، وانتقاء عدد من الفتيات لأسباب يعرفها القائمين بتنفيذ تلك الجريمة حصراً ، ومن ثم القيام إما بإرسالهن الى مصر للعمل في الملاهي كجليسات باعتبارهن لايجدن فن الخدمة وتقديم الوصلات الفنية ، أو أخفاء أي اثر لهن والتعكز على حجة إرسالهن الى مصر لتلويث سمعة مصر ، وبالتالي فأن تلك الفتيات لقين حتفهن ، وهنا تتحقق العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة وبالتالي تستكمل الجريمة لكافة أركانها ، ويتم مسائلة المتهمين عن الفعل الذي حقق تلك النتائج ، وكان المتهم صدام قد أقر صراحة أمام المحكمة أنه المسئول الأول عن تلك القرارات والتصرفات التي تصدر في أيام سلطته .
وبالتالي فأن جريمة جديدة تصبح من اختصاص المحكمة الجنائية العراقية تتفرع عن جريمة الأنفال ، وتقع ضمن الاختصاص المكاني والزماني المنصوص عليه في قانون العقوبات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *