الرئيسية » مقالات » أول من طالب بالاعتراف بالقومية الكردية في مجلس النواب

أول من طالب بالاعتراف بالقومية الكردية في مجلس النواب

 لقد تابعت ثورات البارزانيين ومنها الثورة التي أثارها الملأ مصطفى البارازاني في سنة 1945 والتي تكلفت الحكومة العراقية لقمعها مئات القتلى ونفقات كبيرة وقد اضطرت في وقته للاستعانة بالجيش وبتجنيد شرطة اضافيين من العشائر بالاضافة إلى الشرطة النظاميين ، كما اضطرت لاستصدار مرسوم رقم 2 لسنة 1945 لإضافة مبالغ إلى ميزانية السنة 1945 المالية لكي تتمكن من الانفاق على قمع الثورة المذكورة . وقد تكللت جهود الحكومة بالنجاح فقمعت الثورة ، وفر الملا مصطفى البرزاني وأتباعه عبر إيران الى روسيا . وبمناسبة عرض هذا المرسوم على مجلس النواب ، ناقش العديد من النواب هذه الثورة ، باعتبارها حركة عصيانية ضد سلطة الحكومة ، وتطرقوا الى تفاصيل موضوعها على هذا الاعتبار . وقد رأيت أن أتكلم حول الموضوع ، لا بصفته حركة عصيانية قامب ها أحد العصاة وهو الملا مصطفى البارزاني وقد تم قمعها ، بل بصفتها ألأوسع ، معتبراً إيهاه ـ حركة ذات صبغة قومية . ولم أجار بعض الخطباء الذين تكلموا في الموضوع ، مثل النائب المحترم علي خيري الإمام ـ نائب الموصل ـ الذي قال ” لا توجد في الحقيقة قضية كردية(2) ، أو مثل النائب المحترم سعد صالح(3) ، الذي قال ” لا توجد في الحقيقة قضية كردية أوق ضية طائفية إنما هناك قضية عراقية تحتاج إلى اصلاح وعلاج . أقول ذلك وأنا لا أنكر أن هناك أشخاصاً كثيرين متزعمين ما يسمونه بالقضايا العنصرية والطائفية . ولكن عنصرهم وطوائفهم وأهل البلاد قد انتخبوهم وهم على كراسي الحكم فوجدوهم لا يتصلون إلا بأنفسهم ، ولا يسعون إلا لمنافعهم .. ومع ذلك ، حينما ترفضهم تلك الكراسي يعودون إلى طوائفهم ، يعود الشيعي يبكي على طائفته فيظنه البسطاء أنه الرجل النمنقذ ، ويعود السني يبكي على طائفته ، فيظنه الضعفاء أنه رجل الساعة ، ويعود الكردي يندب حال جماعته ، فيظنه الجهلاء الثائر المنقذ ، أقول هذه الكلمة ، لألفت نظر أخواني الأكراد ، بأني أود للألوية الكردية ، وأطلب لها ، ثمل ما أطلب للألوية العربية ، فلا فرق عندي بني الأوية العراق ، إنما أنبههم من الوصوليين ، من عرب وأكراد ، أولئك الذين يريدون الوصول الى كراسي الحكم بأي ثمن كان ، وهؤلاء المستغلون لا تقتصر عليهم طائفة واحدة ، إنما هم منتشرون في أنحاء العراق ، فيهم السني ، والشيعي ، والعربي والكردي ، إن سوء الحكم قد شجعهم على أن يتخذوا هذه الطرائق ليصلوا الى الكراسي فلا يمكن أن تصلح هذه المملكة إلا بحكم صالح ، والا بأيدي نزيهة ، عارفة مواطن الضعف ، زاهدة عن المنافع ، حازمة ، ومن ورائها مجلس يحاسبها على الهفوات ، هذا إذا أردنا أن نخلّص البلاد من الثورات ، أما إذا بقينا على ما نحن فيه فأبشروا بالثورات والفوضى .. ” .
لقد كنت اعتقد أن هناك ـ بالاضافة الى سوء الادارة وبالاضافة الى الحاجة الماسة إلى الاصلاح والعلاج الجذريين ـ هناك مشكلة كردية يجب البحث فيها من الأساس ، وفي تلك المناسبة القيت خطاباً مطولاً أرى من المناسب أن أذكره بنصه لأهميته البالغة ، ولأني تنبأت منذ ذلك الحين ، بالتطورات الخطيرة التي تحققت فيما بعد ، وطالبت بمعالجة المشكلة معالجة علمية إيجابية .

عبد الكريم الازري ـ العمارة(1)

سادتي : كنت من الموافقين في اللجنة المالية على هذه اللائحة ، اعتقاداً مني بان قمع هذه الحركة العصيانية أمر لا بد منه . وكنت آمل أن ينتهز زملائي النواب هذه اللائحة فرصة للبحث بشكل إيجابي في هذا الموضوع الخطير ن لا أن يكون مجرد مجال للانتقاد السلبي . وما أقصد بالبحث الإيجابي ؟ بالطبع ان قمع الحركة العصيانية هو عمل سلبي ، فإذا لم تعالج الأسباب التي أدت الى هذه الحركة ، والتي لا يمكن لأحد أن يعتبرها ناشئة عنعامل واحد ، بل هي حركة معقدة ، ناشئة عن عوامل عديدة ، بقيت المشاكل مستمرة ، لا شك أن هناك روح تمرد في الموضوع ، ولا شك أن هناك سوء ادارة ، ولاش ك ايضاً ا، هناك عوامل أخرى ، وهذه الحركة ، ككل حركة أخرى يجب أن ندرسها من جميع نواحيها .

سادتي : إن الأساس الذي تقوم عليه الدولة العراقية لا يرتكز على قومية واحدة ، بل يقوم على قوميتين على الأقل ، وقوميات أخرى صغيرة ، وليست الدولة العراقية هي الدولة الوحيدة التي تجابه هذه المشكلة . هناك دولة كثيرة تعاني من مثل هذه المشكلة ، هناك الدولة السويسرية ، وهناك الدولة الكندية ، وهناك دولة بريطانية ، وهناك دول أخرى كثيرة قائمة على قوميات متعددة . كيف عالجت هذه الدولة مشكلة القوميات المتعددة المزدوجة أو المثلثة ؟ هذا الموضوع يجب أن نبحثه بشكل علمي إيجابي . كيف تمكنت سويسرة المؤلفة من ثلاثة قوميات أو عناصر ـ الألمانية والافرنسية والإيطالية ـ أن تحل المشكلة وتزدهر وتدوم ؟ وكيف تمكن العنصر الانكليزي ، والعنصر الفرنسي ـ أن يعيشا سوية في كندا ولا ينبغي الفرنسي في كند أن يلتحق بفرنسا أو يستقل ؟ هذا هو الموضوع الرئيسي الذي يجب أن نعالجه ، خاصة إذا علمنا أن وراء هذه المشكلة ، في هذا اليوم ـ كما أشار إلى ذلك النائب المحترم سالم نامق ـ تعقدات دولية ، فهذا الموضوع يجب اني درس إيجابياً وبروح علمية مجردة بعيدة عن العاطفة .

سادتي : قبل سنتين ، عندما حدثت المشكلة ، وتقدمنا الى رئيس الوزارء فخامة نوري السعيد سالأناه هل ان هذه الحركة مجرد عصيان ، أو سوء إدارة ، أم أن هناك وراءها بواعث أخرى ؟ أجابنا أنه سيتدارس المشكلة ، ويقدم إلى هذا المجلس تقريراً وفي ضوئه يعقد المجلس جلسة سرية للمناقشة . وبعد عشرة أيام من اعطائه هذا الوعد استقالت الوزارة التي كان يرأسها نوري السعيد . وقد علمت أن اللجنة التي ألفها والتي أرسلت لدرس الموضوع لم تكن تملك المؤهلات ولم تكن من العيار القادر على البحث في جوهر الموضوع ، وإنما كانت لجنة للبحث في التطورات البسيطة لحادث العصيان المسلح ، أما ما هي أسباب هذا العصيان ، وما هي منطوياته وبواعثه ، الى غير ذلك ، فلا أعتقد انها كانت موضوع بحث في تقرير اللجنة ، وبقي الموضوع لحد الآن غير مدروس لا بهذه الروح ولا بنظرة فلسفية تاريخية واسعة .

أود أن أتخذ من هذه اللائحة فرصة لمطالبة الحكومة بأن تدرس القضية بشكل إيجابي ، لأنها تخص كيان المملكة في الصميم ، فهذه القضية يجب أن لا تترك لدراسات سطحية تقتصر على تفرعات الحوداث العصيانية ، وعلى البحوث الإدارية وغيرها التي لا تمس جوهر الموضوع ، مثلاً اصدروا العفو وكان عليهم أن لا يصدروه ، أو ا،هم لم يتخذوا الاجراءات الكافية في الوقت المناسب ، ولم يقيدوا الملا مصطفى في منطقة معينة ، بل تركوه وشأنه يجوب انحاء المنطقة الكردية ، هذه وغيرها من النقاط كلها ثانوية ، ويجب ا، لا تلهينا عن جوهر الموضوع ، يجب أن نقول لأخواننا الأكراد باءنا لا نريد منكم ا، تكونواعرباً ـ لا نريد أن نجعل منكم عرباً ولا نريد الإساءة إليكم ، بل نقول لهم أن هذه الدولة قائمة على قوميتين ( وقوميات صغيرة أخرى ) وكل قومية تحترم أختها الأخرى . اننا لا نريد من الكراد أن يكونوا عرباً كما لا نريد من العرب أن يكونوا أكراداً . ولا تريد أحدى القوميتين السوء بالأخرى . إنما القوميتان تتعايشان وتتعاونان في وطن واحد وتربطهما مصلحة واحدة ، نريد من العرب أن يبقوا عرباً لتزدهر قوميتهم ولغتهم وحضارتهم ويرتبطوا بكيانهم مع اخوانهم العرب في الأقطار العربية الأخرى ولا نريد من اتجاهنا هذا ا، نستغل أو نستعمر القومية الكردية . كلا انما نريدها هي الأخرى أن تزدهر أيضاً .

بقيت هناك نقطة تعرض لها الزملاء وهي تبسيط الموضوع بشكل لا يقبله العقل ولا المنطق ، لقد قال بعض الزملاء أنه لا توجد مشاكل ، وإنما هناك أشخاص يثيرون المشاكل ، سعياً وراء كراسي الحكم ، وإن هناك مجرد سوء حكم عام ، شامل ، ويجب أن تعالج القضايا على هذا الأساس ، فانا أسال هل هذا صحيح ؟ هل هذه القضايا أو المشاكل لا وجود لها ؟ هل هي مخلوقة من بعض الأشخاص ، أعني أنهم يخلقونها سعياً وراء الحكم ؟ أني أقول وأصر ، أن المشاكل موجودة ، ويجب أن تحل وفق العقل والمنطق والعدل ، وأؤكد لكم ، لو لم تكن هذه المشاكل موجودة لما تمكن أي شخص مهما كانت شهيته قوية للحكم أن يخلقها ( أي المشاكل ) .

لقد أجاب وزير الداخلية وقتئذ ـ السيد مصطفى العمري على ملاحظات جميع النواب ولكنه أهمل أو غض النظر عن الجواب على ملاحظاتي التي تخص جوهر الموضوع ، وأعتقد أن تفكير مصطفى العمر الخبير الإداري لم يكن مستعداً لتقبل الملاحظات التي ابديتها ، لقد نشأ وتدرج في الوظائف الإدارية من مدير ناحية ، إلى قائمقام ، إلى متصرف ، حتى أصبح وزيراً للداخلية ، ثم رئيساً للوزراء ، وعضواً في مجلس الأعيان ، وقد اعتبر هذا الموضوع مجرد حركة عصيانية مسلحة يجب أن تعالج إدارياً على هذا الأساس . أما الآراء التي أبديتها فلم يكن ليعيرها أي اهتمام .

وعندما سمحت الحكومة ، في وزارة توفيق السويدي الثانية ، بتأليف الأحزاب السياسية ، وتألف الحزب الوطني الديموقراطي وكنت أحد مؤسسيه ، كما كنت أحد الذي أشتغلوا في وضع منهج الحزب ، كنت أنا الذي وضعت عبارة ” ان العراق ميدان للتعاون الحر على أساس المصلحة المشتركة بينالعرب والأكراد وغيرهم من العناصر التي يتكوّن منها العراقيون ، يحترم كل منها الآخر ، في جو تسود فيه الحرية والمساواة والعدل ” . وكان ذلك انسجاماً وانطلاقاً من الرأي الذي كنت قد ابديته في الخطاب الذي ألقيته في الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب المنعقد في 9 كانون الثاني 1946 ، أي قبل ثلاثة وثمانين يوماً من تاريخ أجازة تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي ، ولحد هذه الساعة لا يعرف إلا القليل أن واضع هذه العبارة وصائغها في منهج الحزب الوطني الديموقراطي هو كاتب هذا الكتاب ، وليس كامل الجادرجي .
——————————————————————————–

(1) ـ من محضر الجلسة الحادية عشر ة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب سنة 1945 ، تقرير لجنة الشؤون المالية في مرسوم لإضافة مبالغ الى ميزانية السنة 1945 المالية رقم 3 سنة 1945 .

محضر الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب سنة 1945 صفحة 77 .(2)

(3) محضر الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب سنة 1945 صفحة 79 .

(1) ـ محضر الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع العادي لمجلس النواب سنة 1945 لصفحة 81 .

——————————————————————————-
المصدر:موقع المواسم اللاكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *