الرئيسية » مقالات » المتنبي في كردستان

المتنبي في كردستان

ما علاقة المتنبي بكردستان العراق ؟

سؤال وجيه لا غُبارَ عليه. لم يزرْ المتنبي كردستان العراق ولم يرَ شاهقات جبال كردستان، لا جبل ( كويشة ) ولا ( بيرة مكرون ) ولا سلسلة جبال
( قه ره داغ = قَرَداغْ ). بلى، قطعَ الشاعرُ جبال لبنان ووصف وعورة مسالكها وثلوجها صيفاً فقال :

وعِقابُ لُبنانٍ وكيف بقطعها
وهو الشتاءُ وصيفُهنَّ شتاءُ

لبسَ الثلوجُ بها عليَّ مسالكي
فكأنها ببياضِها سوداءُ

أما عن تفاح لبنان فلقد ذكره في قصيدة قالها عند زيارته لعَضُد الدولة البويهي في شيراز. ذكرَ أو تذكّرَ المتنبي تفاح بلاد الشام عن عمدٍ كما يبدو لي، فالتفاح معروف في بلاد فارس منذ قديم الأزمنة. أراد أن يبخسَ قدره في بلاد ليست بلاده. أراد أن يقولَ لدينا قرينه، وربما ما هو أفضل منه :

في بلَدٍ تُضرَبُ الحِجالُ به
على حسانٍ ولسنَ أشباها

لَقيننا والحُمُولُ سائرةٌ
وهُنَّ دُرٌّ فذُبنَ أمواها

كلُ مَهاةٍ كأنَّ مقلَتَها
تقولُ إياكُمُ وإياها

فيهنَّ من تقطرُ السيوفُ دماً
إذا لسانُ المحبِّ سمّاها

أُحبُّ حِمصاً إلى خُناصرةٍ
وكلُّ نفسٍ تُحِبُّ مَحياها

حيث إلتقى خَدُّها وتفاحُ لُبْ
نانَ وثغري على مُحيّاها

القصيدة ليست، على أية حال، من عيون شعر أبي الطيب المتنبي. التكلّف فيها واضح والصناعة كذلك. لذا ليس في القصيدة شعر حقيقي. لستُ بصدد نقد القصيدة. إنما ذكرُ تفاح لبنان في شيراز أمر يستلفت النظر.
أعود لوطن ( كاوةْ الحدّاد ).
ما علاقة المتنبي بالكرد وكردستان ؟
علاقته قوية من خلال القصيدة الوحيدة التي مدح بها قائداً كردياً أوفده مركز الخلافة في بغداد لقمع تمردٍ وعصيان مسلَّح قامت به عناصر من القرامطة في بلدة الكوفة. القرامطة هم رفاق الشاعر أيام فورة شبابه وخروجه على تقاليد وأعراف مجتمعه. إسم القصيدة ( دون الشهدِ إبَرُ النحلِ ). لنستمع إلى تقديم الشاعر لهذه القصيدة التي قالها بحدود عام 353 الهجري ( قبل مقتله بعام واحد أو أقل من
عام ) ثم إلى بعض أبياتها :
[ يمدحُ أبا الفوارس دِلّيرْ بن لشكروز وكان قد أتى الكوفةَ لقتالِ الخارجي الذي نَجَمَ بها من بني كِلاب. وإنصرفَ الخارجي قبل وصول دليّر إليها ].

أرادتْ كلابٌ أنْ تفوزَ بدولةٍ
لمن تركتْ رعيَ الشويهاتِ والإبلِ

وقادَ لها دِلّيرُ كلَّ طِمرِّةٍ
تُنيفُ بخديها سَحوقٌ من النخلِ

شفى كلَّ شاكٍ سيفهُ ونوالُهُ
من الداءِ حتى الثاكلاتِ من الثُكلِ

عفيفٌ تروقُ الشمسَ صورةُ وجههِ
فلو نَزَلتْ شوقاً لحادَّ إلى الظلِّ

شجاعٌ كأنَّ الحربَ عاشقةٌ له
أذا زارها فدّتهُ بالخيلِ والرَجلِ

وريانُ لا تصدى إلى الخمرِ نفسُهُ
وصديانُ لا تًروي يداهُ من البذلِ

فتمليكُ دِلَّيرٍ وتعظيمُ قدرهِ
شهيدٌ بوحدانيةِ اللهِ والعدلِ

وما دامَ دِلَّيرٌ يهزُّ حُسامَه
فلا نابَ في الدنيا لليثٍ ولا شِبلِ

فلا قطعَ الرحمنُ أصلاً أتى بهِ
فإني رأيتُ الطيّبَ الطيّبَ الأصلِ.

هذا رأي أبي الطيب المتنبي في قائد عسكري كردي الأصل. أفلا يستحق الرجل تكريم كردستان والإحتفال به شاعراً غيرَ عنصري كرّم رجلاً لا ينتمي إلى قوميته ولسانه. كان الشاعر ملتزِماً بما قرأ في القرآن من آيات تحض على المساواة بين البشربحيث لا يفضلُ بشرٌ بشراً إلاّ بالسيرة الحسنة وإتقاء المعاصي والذنوب
[[ يا أيها الناسُ إنّا خلقناكُم من ذَكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرَمَكمْ عند اللهِ أتقاكُمْ إنَّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ / سورة الحُجُرات، الآية 13 ]].
لم يذكرْ الشاعر أبو الطيّب المتنبي أصلَ أو قومية القائد العسكري آنف الذِكر، لكنَّ إسم القائد وإسم أبيه واضحان غاية الوضوح : إسمان كرديان عريقان ما زالا متداولان في كردستان العراق وعلى أوسع نطاق ولا سيَّما دِلّير. أما إسم الأب ” لشكروز ” فإنه مُرَكَّب من إسم العَلَم الكردي الأصيل ” شكار ”
و ” روز ” التي تعني ” يوم ” … نَوْ ـ روز أي اليوم الجديد. نَعَمْ، لم يذكرْ قومية الرجل الشجاع بالإسم لكنه ذكر الكرد بالنص في قصيدة أخرى قالها عام 354 للهجرة في ( أرِجّان ) من بلاد فارس يمدح بها (( إبن العميد أبا الفضل محمد بن الحسين وزير ركن الدولة من أرِجّان )) ويهنئه بالنيروز. إسم القصيدة
” عظّمته ممالكُ فارس “. سأذكر مطلع القصيدة لأنَّ فيه ذكر النيروز أو النوروز ثم أُثَبِّت البيت الذي أشار فيه الشاعر إلى ( الكرد ) بصريح العبارة :

جاء نيروزنا وأنتَ مُرادُهْ
وورَتْ بالذي أرادَ زِنادُهْ

خلقَ اللهُ أفصحَ الناسِ طُرّاً
في مَكانٍ أعرابُهُ أكرادُهْ

يحتفل الفُرسُ بيوم رأس السنة الجديدة، النوروز، كما يحتفل الكُرد به. لا أعرف بالضبط جغرافية إقليم ( أَرِجّان ) على خارطة بلاد فارس قبل أكثر من ألف عام، لكني أستطيع تخميناً أنْ أقولَ إنَّ غالبية سكنة هذا الإقليم كانت يومذاك من الشعب الكردي. أو كانت فيه جالية كردية ذات وزن ونفوذ وتأثير في حياة بلاد فارس الإجتماعية والأدبية والسياسية والعسكرية. فليس من باب الصدف العمياء أن يقرنَ شاعرٌ شعبَ فارس بالشعب الكردي. للكرد وزن وثِقَل إذن. هذا هو الإستنتاج المنطقي المقبول.
الممدوح فارسي الأصل والنسب، لكنَّ لسانه عربي فصيح، فهو كاتب بالعربية وأديب مشهور في زمانه. فُرْسٌ ـ عَرَبٌ… إذن ما علاقة هذين الشعبين
بالكُرد ؟ في تفسيرات الديوان تقول الحاشية (( أرادَ بأفصح الناسِ الممدوحَ وبالأكرادِ أهلَ فارس / ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، 1980 ، الصفحة 530 )). أهل فارس… وهل كان أهل فارس جميعاً من الفُرس ؟ بالطبع كلاّ. فيهم الفُرس وفيهم العرب وفيهم الكرد وقوميات أخرى كثيرة متشابكة بالنسب والإصهار. وهذا هو عينُ موزائيك الدولة الإيرانية في يومنا هذا. هل كان العراق يومذاك عراق عربٍ حَسْبُ ؟ الكل يعرف الجواب، كلاّ. كان فيه العرب والكرد والفرس والترك والتركمان وأقليات أخرى منوَّعة. لقد فرض الكرد أنفسهم إسماً وشعباً وقومية متميزة وإنْ لم يتميزوا بلسانهم ولم يتمكنوا من فرضه على القوميات الغالبة يومذاك، كما أحسب. ربما كانوا ممنوعين من الكلام بلغتهم الكردية وتداولها وتدوينها كما هو الحال اليوم في تركيا مثلاً. أعجبني البيت الشعري إياه، لذا سأُعيد كتابته ختاماً لمقالي هذا :

خلقَ اللهُ أفصحَ الناسِ طُرّاً
في مكانٍ أعرابُهُ أكرادُهْ

المتنبي والماموستا جلال : لكل هذه الأسباب أقترح على رئيس جمهوريتنا ـ إبن كردستان ـ الأستاذ جلال طالباني أن ( يضغطَ ) على أبي الطيب المتنبي لكي يقبلَ منصب وزيرٍ للثقافة في حكومة الطبيب إبراهيم الجعفري. لقد إقترحت عليه هذا المنصب قبل بضعة أيامٍ لكنه تمنّعَ أولاً ثم أرجأ الموضوع ولم يشأ أن يبتَّ فيه.