الرئيسية » مقالات » محمد البدري وداعا

محمد البدري وداعا

رحل عنا وغادرنا بغفلة الفقيد المرحوم الكاتب الكردي محمد البدري ، وبفقده خسر الشعب الكردي واحدا من أبرز الكتاب والأدباء المعروفين بنضالهم العتيد ، وفقدت مدينة الكوت واحدا من ابناءها البررة من الكورد الفيليين الذين ناضلوا في تاسيس لجنة محلية الكوت للحزب الديمقراطي الكردستاني جنبا الى جنب مع بقية المناضلين الاخرين.

عرفت محمد البدري لاول مرة عندما كان يعمل في الأذاعة السرية الكردية للبشمركة في سنة 1974 في مدينة جومان في كوردستان ، كان يعمل في القسم العربي وكان يقرأ اخبار المقاتلين الكورد وهم يتصدون للقوات المعتدية على المناطق الكوردية ، كان صوته مدويا وحماسيا ويصل صوته الى اسماع كل المناضلين في المناطق الوسطى والجنوبية في العراق.
قابلته في جومان وفي سهول وجبال كوردستان، انذاك كنت في ريعانة شبابي ، و قد تركت كليتي في جامعة البصرة والتحقت بالحركة الكوردية المسلحة ، وعندما التقيته في مدينة جومان اخبرني بانه يعرف عائلتنا ويعرف والدي شخصيا وانهم كانوا يعملون سوية في مدينة الكوت وفي تنظيمات البارتي وانه كان يعمل في لجنة محلية الكوت للحزب الديمقراطي الكوردستاني كما أخبرني عن معارفي واهالي الكوت من الكورد الفيليين ، التقيته مرة اخرى في اتحاد الادباء الكورد في بغداد بعد عشرة سنوات من لقاءنا الأول تبادلنا الحديث الطويل والشيق ، كان حلو المعشر ولطيفا وكان يحمل في ذاكرته اشعارا وقصائد كثيرة ، كانت همومه متشعبة ومتعددة ، كان يحمل هم الوطن وهموم الكورد المسفرين وهموم العوائل التي كان مسؤولا عن اعالتهم ، كان المرحوم يعتصر من دمه ولحمه وفكره في سبيل اسعاد الأخرين.

إلتقيت به اخيرا في مؤتمر اربيل للكورد الفيليين في ديسمبر (كانون الاول)من السنة الماضية وايضا بعد عشرة سنوات تقريبا . تبادلت الحديث معه مجددا ، كان المرحوم مجللا بالملابس السوداء ولم اكن اعرف ماذا ألم به من عوادي الزمن لانقطاع اخبارنا عن بعض ، بكى بحرقة عندما عانقته واخبرته لماذا تلبس السواد ، فقال لي والدموع لم تصمد في عينيه ، لقد فقدت ابني آراس ، لقد اغتالته يد الغادرين ، اغتالته ايادي المجرمين ، كان متألما جدا لفقده فلذة كبده ، قبلني وقال لي ارى في وجهك وجه والدك وبكى كان شديد العاطفة وذو حس مرهف ، قلت له لقد توفي والدي ولم اتمكن من رؤيته ولم استطع ان احضر مراسيم الدفن والجنازة بسبب الحكم العفلقي البعثي

تبادلنا العناوين وارقام الهواتف وتبادلنا الحديث الطويل ، اخبرته بانني احتفظ له بمقالات منشورة في جريدة التاخي يعود تاريخها الى شهر تموز سنة 1980 ، انفرجت اساريره وضحك وقال وكيف سترسلها لي ، قلت له سوف انشرها لك باسمك تباعا ، لم استطع الوفاء بعهدي له لكثرة انشغالي ، واليوم اصبح لزاما علي ان اعيد نشر ما كتبه قبل اكثر من عقدين من الزمان وسابدا بنشر مقالة رائعة كتبها بتاريخ 26/7/1980 في جريدة التاخي التي كانت تصدر في بغداد وهي بعنوان لحظات في رحاب الشعر الكوردي الكلاسيكي

كان المرحوم البدري رفيقا وصديقا لعائلتنا وكان يقضي معضم وقته مع والدي المرحوم عبد الستار كاظم ، كانا صديقين منذ شبابهما وعملا معا في اتحاد الأدباء الكورد وعملا في تنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني كما يذكر ذلك المرحوم محمد البدري في مقالة منشورة له مؤخرا في جريدة التاخي بانه عمل في لجنة محلية الكوت للحزب الديقراطي الكوردستاني مع والدي ومع سلمان بيجان وعلي اكبر براري وطاهر نادر ونامي مامكة كما تم اعتقاله اكثر من مرة وسجن في نقرة السلمان وفي السجن المركزي وفي سجن الكوت. عند ذكر السجون العراقية فأننا لا نعني بها جرائم جنائية، بل نقصد بها سجون للمفكرين السياسين ومن دون محاكمات اصولية ، كان يزج بالسجن كل من يقف معارضا لافكار الانظمة المتسلطة على رقاب الناس ، كان المرحوم البدري واحدا من هؤلاء الذين ضحوا بشبابهم وحياتهم في سبيل نصرة قضايا وطنهم

ان المرحوم محمد البدري موسوعة شعرية وكان هو شاعرا وناقدا واديبا ومناضلا يشهد له الجميع بالأخلاق العالية والمعشر اللطيف والكلمة العذبة ، كان هادئا رؤوفا رحيما عطوفا ، بذل كل حياته في سبيل مبادئه وقوميته وشعبه وفكره ، كان انسانا مسالما ، لقد فقد الشعب الكوردي برحيله وردة ازكت برائحتها وعطرها سهول ووديان وجبال كوردستان

يقول محمد البدري عن المرأة ، انني في الواقع لا اجد عيبا في ان يكتب الشاعر قصائد الحب والتغني بجمال الحبيبة ولست بمؤيد لتلك الأراء الداعية الى تحجر العاطفة وتحويل المرأة وهي تمارس عملية البناء والذود عن كرامة الشعب ومعها في الوقت ذاته حين تعود بعدها الى احضان طبيعتها الأنثوية فتبدو وكأنها بركانا من الشوق والعاطفة والرقة …

قام الأديب محمد البدري بترجمة العديد من الدراسات والمواضيع من اللغة الكوردية الى اللغة العربية واغنى المكتبة العربية بالعديد من المقالات عن الشعر الكردي الكلاسيكي والشعراء الكورد وكتب بقلمه العديد من القصائد الجميلة ، سناتي عليها في مقالات قادمة لنسلط الضوء على قابليات وابداعات الأديب والكاتب الكوردي محمد البدري

وداعا محمد البدري ، ستبقى في ذاكرتنا دوما فقد كنت ثائرا لم تغرك الرتب ولم يوهنك الجوع ولا التعب ، كان الشباب عزمك رغم قسوة الزمن ولم نجدك يوما الآ صابرا ولم نسمع منك لا برم ولا عتب، اقسمت ان تكون مفكرا وفكرك متقد وروحك كالبركان كلها لهب ، اقسمت ان تستمر بدربك وتروي بفكرك انهار الزمان والحقب ، كنت نسرا وصقرا في جبال كوردستان ولم ينخفض تحت جناحيك غيم او سحب ، كنت شامخا كالطود لم يفت فيك عضد ولم يلتوي لك عصب ، محمد البدري وداعا ، نم قرير العين فقد سلمت من التعب وانزاح عنك الهم والكرب ، ان البكاء على عباقرة بعد الرحيل لا يعدو عن تزلف وكذب.

لندن 21 سبتمبر (ايلول) 2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *