الرئيسية » مدن كوردية » مندلي في ضوء التنقيبات الاثارية

مندلي في ضوء التنقيبات الاثارية

فصل من كتاب 

الكرد الفيليون بين حملات التسفير وسياسة التعريب

مندلي في ضوء التنقيبات الاثارية

إن اهتمام الاثاريين والمؤرخين في دراسة البعد التاريخي للمدن والأمصار سواء من حيث تخطيطها وهندستها, أو استعمالات أرضها وسكنها, محلاتها وصناعاتها..إنما يأتي منسجما والأهداف التي تـتمثل في كشف عن الجوانب الحضارية التي تميزت بها لا ما يتعلق بالسدود والجسور وفي القلاع والحصون وفي المدارس والتكايا..لأنها تعكس المستوى الحضاري لشعوب تلك الأمصار والمدن..ومن هنا تحدث (البلاذري)عن الكوفة والبصرة وكتب الخطيب (البغدادي) عن خطط بغداد وأحيائها, عن علمائها وعمرانها..كما كشف (المقريزي) عن خطط القاهرة ومساجدها ومدارسها..و(السهر وردي)عن المدينة المنورة..ومثل ذلك فعل:الطبري , وابن الفقية واليعقوبي. و(مندلي) واحدة من مدن كردستان العراق, القديمة, والتي كشفت التقنيات الاثارية عن أهميتها العمرانية منذ عصور ما قبل التاريخ . وعبرت (البعثات الأجنبية) التي مسحت المنطقة, عن دهشتها للمواد التي عثرت عليها والتي عكست المشاريع العمرانية والتجمعات السكانية التي توقعت تواجدها. وليس (صدفة) إن يكون إقليم كردستان العراق موطنا لأقدم حضارة زراعية فالتنقيبات الاثارية أكدت على وجود أثار حضارة زراعية في (جرمو) تعود لفترة (6500-7000) ق م, وان إنسان العصر الحجري الأوسط عاش في الكهوف الجبلية وعلى سفوح ومنحدرات ألجبا ل, وانتشر السكان, مستفيدين من الأرض الخصبة والمياة الوفيرة والمناخ الملائم ليؤسسوا قواعد أقدم الحضارات آنذاك. ومدينة (مندلي) تقع عند قدمات جبال (بشتكوه) وتشرف على سهل يمتد إلى الغرب منها يعد جزء من السهول المروحية المعروفة بخصبها وأهميتها الزراعية.تعتمد في ريها على السيول والجداول القادمة من المرتفعات الشرقية .انظر خريطة(5) .
وردت (مندلي)في كتب الرحالة والبلدانين باسم (بندنيجين) وقيل إن (بندنيجين)تطلق على عدة أماكن متفرقة غير متصلة البنيان, لكن نخيل الجبل متصل, وقا ل عنها يا قوت الحموي إن بندنيجين, بلدة مشهورة في طرف النهر وان من ناحية الجبل من إعمال بغداد, فيما وصفها عبد الرزاق الحسني إن (فيها العيون والغدران المتفجرة وتشرق على واد فسيح) ومنذ القرن الثامن الهجري, اتخذ لها اسم(مندلي) ويقول هرشفيلد: إن اسم مندلي تطور من (وردريكا ) أو( اردليكا) إلى( بند ينج) أو (بندينجين) ثم (بندليجين) فمندلي أو مندليج.
وذكرها (هيرودتس) باسم (اردريكا) ويرى انستاس الكرملي : إن اسم المدينة هو (وندينكان) إما كيف تحولت الواو, باء والكاف جيما, فهو من باب التعريب. ولعل هذه التسمية جاءت من كثرة السواقي والجداول والسدود التي أقيمت في المنطقة.فالاسم مركب من(بندانة) وهو السد المحاصر للماء وجمعه بندانه كان (بندانة كين) وربما جاءت التسمية من المقاطع الثلاثة التالية: به ند (وتعني المستقرة) و( نى–نة وى) أي المنخفض أو الواطئ والمنحدر.و(جين) اسم المكان. فهي تعني اذن المكان المنحدر. لقد كانت مندلي أحلى مدن عيلام, ثم دانت لحكم الميدين والاخمينيين والمقدونيين والبرثنين , فالساسانيين قبل إن يتم فتحها من قبل المسلمين في سنة (20,ه)كما كانت تابعة لإمارات كردية منها :الأمارات الحسنوية , العيارية,الجاوانية,والأمارة البابانية.وفي العهد العباسي, كانت تضم مدينة مندلي إلى نفوذها, مناطق واسعة تصل إلى كيلان في الجانب الأخر من الحدود, بالإضافة إلى (بدريا) و(بكسايا) .
يذكر (لسترنج) إن مندلي كانت أحدى طسوج ناحية بدرايا, كما كانت تتبعها منطقة سومار الإيرانية حتى عام (1905) حيث أعطيت لإيران مقابل قصبتي هورين وقورة تو إلى العراق.
إن التنقيبات الاثارية الحديثة كشفت النقاب عن الأسرار التاريخية لهذه المدينة, حيث أكدت البعثات الأجنبية التي قدمت إلى المنطقة عام (1966) إن الجذور التاريخية لمدينة مندلي, تمتد إلى أكثر من ستة ألاف سنة الميلاد, وأنها كانت تتمتع بثقل سكاني متميز, ونظام اروائى متقدم. ففي ربيع العام المذكور, تولت البعثة الاثارية البريطانية مسح المنطقة الممتدة بين مندلي – بدرة –حيث تتميز ب:
1- وقوعها ضمن السهول الفيضية, وعند مقدمات الجبال الممتدةعلى طول الحدود العراقية الإيرانية.

2- ارتفاع المنطقة أكثر من (138)م فيما تأخذ الأرض بالانبساط بالاتجاه نحو الغرب الأمر الذي حال دون استفا دة المنطقة المذكورة من المياه الاروائية لنهر دجلة أو حتى (النهروان) .

3- اعتماد المنطقة اروائيا, على السيول والجداول القادمة من المرتفعات الشرقية.

4- أشارت الدلائل التاريخية على حدوث تحول في المناخ, وان المنطقة المشار إليها كانت مأهولة بالسكان عليه فأن البعثة المذكورة توقعت وجود ما يشير نظام (ري) متميز فيها يتناسب مع ثقلها السكاني. ونتيجة للمسح المذكور, وجدت في منطقة (جكامامى) على مسافة (4) كم شمال مدينة مندلي, أدلة تثبت وجود نظام أروائي فيها. كما تم مسح عدد كبير من التلال والربا يا المحيطة بالمدينة, وقد عثر على أواني فخارية تعود لعصور ما قبل التاريخ.
وفي تلال (كومة سنك) شما ل مدينة مندلي عند قرية بالاسم المذكور وبجوار الحدود العراقية –الإيرانية عثرت البعثة على أواني وأحجار زجاجية وأواني صخرية تم مقارنتها , مع المواد المكتشفة في (جرمو) و(حاج محمد) كما جرت تنقيبات مماثلة في منطقة النفط خانة على مسافة (5)كم شمال شرق المدينة , وتبين وجود أثار تعود إلى السلالات الأولى ل(اسن ولارسا) وذلك في تل (جيجاكان) وأخرى فخارية في تل( جكامامي ) لفترة (تل حسونة) والتل المذكور يرتفع بين (2-5) م ويمتد لمسافة (100-200)م .
ومن المعتقد إن الرس الذي وجد في ( تل جكامامى ) هو اثر متميز ويمكن مقارنته بالرأس الأثري الذي وجد في منطقة الوركاء. أن استطالة الوجه . وتصوير العينين والمواد والألوان المستعملة يمكن مقارنتها بتلك التي استعملت في الآثار الفخاري ل(سامراء) أو ربما تعود ل (عصر العبيد) وتوجد تلال أخرى أثرية غرب مدينة مندلي باتجاه (وادي النفط) أو (أب نفت ) إما ساسا نية أو تعود إلى العصر الإسلامي الأول منها ( تل كوساخ ) وفي ( حاج يوسف ) جنوب غرب المدينة , بلاضافة إلى ( قلعة سفيد ) حيث عثر فيها على فخار عباسي , ويعتقد إن القلعة أصلا من الآثار الساسانية . ولايزال المجال واسعا , أمام الباحثين والاثاريين لاكتشاف المزيد في هذه المنطقة , جدير ذكره , إن الباحث الأمريكي (جاكسون ) في دراسته لطبوغرافية نهر ديالى, يشير إلى إن هذا النهر , كان يسير قديما باتجاه اقرب إلى مدينة مندلي وقد نظم عليه السكان مشاريعهم الاروائية وأقاموا حضاراتهم الزراعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *