الرئيسية » مدن كوردية » عقرة- مدينة العيون والشلالات ومدينة الفصول الاربعة

عقرة- مدينة العيون والشلالات ومدينة الفصول الاربعة

قيل لي وانا اتجول في شوارعها وبين ادبائها ومثقفيها وناسها وساكنيها انها المدينة الاقدم في التاريخ باعتبارها اول مدينة برزت الى الوجود من تحت مياه البحر بعد انحسارها قبل ملايين السنين، وقيل لي انها اكبر واهم المراكز الحضارية لما امتازت به من اهمية سياسية وتجارية في قرون ماقبل التاريخ ، وقيل وقيل الكثير على السنة ابنائها فيما يدخل في باب اعتزازهم وحبهم لمدينتهم الاثيرة (عقرة) او كجك استانبول كما اشار الى احد اسمائها المؤرخ ياسين خيرالله العمري الموصلي لفرط مافيها من خيرات ووفرة مياه وجمال طبيعة.

مشاريع وعمل واسواق عامرة

كل داخل اليها من بوابتها الجنوبية لابد ان يتوقف قليلا امام واحد من اكبر الملاعب الرياضية الحديثة مايزال العمل يتواصل لانجازه على اديم ارض منبسطة قيل لنا انها بمساحة 25 دونما وهذا الملعب الذي بدا موقعه بعيدا عن مركز المدينة من وجهة نظرنا الا انه اختير بالمكان المناسب في حساب التوسعات المستقبلية ( القريبة) حيث بدأ الزحف العمراني الحديث باتجاه الجنوب الغربي من المدينة بعد ان ضاق باهله في منعرجات الوديان والسفوح والالتواءات المحدبة والمقعرة بين كلي رش وكلي الشيخ عبدالعزيز وكلي رمزي مير حيث تقع المدينة في منطقة قطاع ( الطيات)او الالتواءات لتشكل مشهدا رائعا في معمارها الفريد تصطف منازل سكناها حول منحدر لتصبح بمثابة المقاعد في الملعب المدرج بانحداراته الشديدة بحيث انك تجد سطح بيت فيه بمثابة صحن البيت الذي يعلوه وهذا النسق من المعمار فرض واقعا امتازت به المدينة بضيق ازقتها وعدم الامكان من توفير فرص التوسعات المستقبلية في ذلك النسيج المتألف الذي يشبه الى حد ما نسيج العنكبوت لتداخله دون وجود فضاءات لحساب المستقبل مما جعل منازلها تتقرفص على نفسها طوال قرون تنوء بثقل ساكنيها الذي تتزايد اعدادهم دون ان تطرأ زيادة متكافئة في عدد البيوت التي تحتويهم

وفي ظل الانفتاح على هذا الواقع بدات المدينة تشهد امتدادت خارج مضيقها المحدود حيث برزت الى الوجود احيائها الجديدة في مدخلها الجنوبي الغربي وبدأت الدوائر الخدمية وفق تلك التصاميم الجديدة بتنفيذ حملة من المشاريع التي تكفل ايصال الخدمات الى الساكنين الجدد في تلك الاحياء الحديثة مثل شبكات الماء والكهرباء والمجاري وتبليط الشوارع والطرق وتوسيع المنافذ الى تلك الاحياء تحسبا لاستيعابات مقبلة.

وقد اجمل قائمقام قضاء عقرة السيد جعفر مصطفى معروف عدد ماتحقق من المشاريع بانها تزيد على الالف مشروع انجزت منذ التحاقه عام 2002 حتى اواسط العام الحالي 2005 فيما اكد ان ما انجز قبل ذلك التاريخ من المشاريع ، يفوق عدد المشاريع القائمة والمنجزة وهذا مما يؤكده واقع الحال المتمثل في حركة عمل تتواصل في كل مكان من اطراف المدينة الزاحفة باحيائها الجديدة نحو منبسطات من ارض مفتوحة تتيح لسكان المدينة بالتوسعات العمرانية مما يفوق حجم ومساحة المدينة القديمة باضعاف مضاعفة


عقرة .. قراءة اوليـة

خلال الاسبوعين المنصرمين قمنا بزيارة مدينة عقرة لمرتين في المرة الاولى لم نوفق في لقاء السيد قائمقام القضاء لانشغاله بواجبات رسمية في اربيل بصفته عضوا في برلمان الاقليم وكذلك لم تتح الفرصة للقاء الاستاذ فائق ابو زيد سليم لكونه خارج المدينة ايضا ، ولكننا في تلك الزيارة تعرفنا عن كثب على مجمل مشهدها الثقافي والمعرفي من خلال اللقاءات مع مثقفيها او من خلال زيارات لبعض مؤسساتها الثقافية مثل المركز الثقافي ومكتب فضائية كردستان ومشغل المصور المعروف سمير عقراوي الذي كان بمثابة المتحف لاحتوائه على معالم جمالية للمدينة .

وتمكنا في تلك الزيارة التي اعتبرناها تمهيدية من الحصول على معلومات اولية عن اوجه النشاط المعرفي والاقتصادي والعمراني والخدمي في المدينة من خلال التوضيحات التي قدمها السيدان ملا علي احد موظفي القائمقامية وكذلك السيد احسان زيباري مسؤول الاعلام في القائمقامية.

عند وصولنا في المرة الثانية الى مدينة عقرة كان الشيخ جعفر مصطفى معروف يقوم بافتتاح بناية لمدرسة جديدة ليصبح عدد المدارس داخل المدينة 16 مدرسة الى جانب معهدين احدهما فني والاخر لاعداد المعلمين بعد ذلك كان لنا ثمة لقاء في القائمقامية مع السيد القائمقام الذي اخبرنا انه تلقى على التو حصول الموافقة على انشاء 6 مدارس اضافية بطابقين 2 منها داخل المدينة و4 خارجها ثم اكد في مستهل حديثه :ان ما تم تنفيذه من المشاريع خلال السنوات الست الاخيرة يزيد على ألفي مشروع في مجالات صحية وخدمية وانسانية متنوعة بضمنها المشروع الكبير لانشاء مستشفى عقرة الذي يتألف من اربعة طوابق بسعة 100 سرير ويضم كافة الاختصاصات الطبية ، كي يسهم مع المراكز الصحية الاربعة بتقديم الخدمات الصحية لمواطني المدينة ، الى جانب 3 مراكز صحية جديدة يتم تنفيذها الان في محيط عقرة ، ومشروع المجمع الرياضي الذي يضم ملعبا كبيرا ومجمع مالي يضم مصرفا ومجموعة دوائر مالية

نفوس وحـدود وبسـاتيـن

قضاء عقرة كما يصفه السيد القائمقام من الاقضية الكبيرة في الماضي ، وهو كذلك في الوقت الحاضر تبلغ نفوسه بحدود 190 الف نسمة يتوزعون على مدينة عقرة و 5 نواح تابعة للقضاء هي بجيل / برده رش ، دينارته / كرده شين / كلك.

ويتوزعون على 324 قرية في عموم القضاء، اما مدينة عقرة وحدها فان سكانها حدود 38 الف نسمة يتوزعون على 8 احياء سكنية، وتتميز بموقع جغرافي مهم يربط ثلاث محافظات هي نينوى من الجنوب واربيل من الشرق ودهوك من الشمال، فيما يحده من الغرب قضاء الشيخان الذي يشكل نهرالخازر الحد الفاصل بينهما، ويمتد تاريخ عقرة الى 700 ق . م

وقد اسسها الملك زندي واصبحت قضاء عام 1877وعين المرحوم علي ياور افندي اول قائمقام لها، فيما اكون انا القائمقام السابع والاربعون في سلسلة المسؤولين الاداريين .

تمتاز عقرة الى جانب كثرة نفوسها وقراها ونواحيها بكثرة خيراتها وبساتينها ايضا وقد اشتهرت منذ ازمنة بعيدة بزراعة الرز، ومعروف في الاسواق التجارية القديمة ولاسيما اسواق بغداد والموصل واربيل (رز عقرة) قبل ان تتعرف عوائل هذه المدن على انواع الرز المستورد ، كما ان بساتينها تشتهر بفاكهة كثيرة ابرزها التين الذي يصدر الى اسواق الموصل وبقية الاسواق الكبيرة وكذلك الخوخ والرمان والاجاص والعنب والتفاح، وتشكل بساتينها الممتدة في مناطق سيبة وكاني زرك وكلي زنته ومصيف كويسكي مناطق سياحية مهمة وجميلة تؤمها العوائل من مدن بعيدة وقريبة للتمتع والاستجمام وطلب الراحة والهدوء.

عقرة بلغة التاريخ

مفردات التاريخ لاية مدينة عريقة مثل عقرة يقودنا الى صفحات مما كتبه المستشرقون والرحالة العرب الذين جابوا آفاق الدنيا من اجل الكتابة عن هذه المدينة او تلك ، وقد جمع المؤرخ الاستاذ فائق ابو زيد سليم عقراوي شذرات من تلك الكتب التي اوردت اسم عقرة على صفحاتها فاصدر كتابه الاول دليل عقرة السياحي فيما يعمل حاليا على اصدار كتابه التاريخي الثاني

(عقرة، تاريخها، علماؤها، قلعتها، امراؤها).

والذي من المزمع طبعه واصداره خلال فترة وجيزة.

في حوار مع مؤرخ عقرة ( ابو زيد ) قال : استنادا الى كتاب شفيق مهدي الصادر في بغداد عام 1986

مانصه ” في حقبة تآريخية سحيقة في القدم تعود الى اكثر من 420 مليون سنة كانت منطقة الشرق الاوسط برمتها مغطاة ببحر هائل اطلق عليه العلماءالجيولوجيون اسم (بحر تيثيس) وبعد مرور ملايين السنين انحسرت مياه هذا البحر شيئا فشيئا ، وان اول منطقة برزت الى الوجود من تحت مياهه هي منطقة عقرة ”

وفي كتاب المتحجرات للمؤلف نفسه اشارة واضحة الى انه بقضاء عقرة توجد متحجرات كثيرة تكونت من بقايا الاصداف المتكلسة من حيوانات يطلق عليها.

(حاملات الثقوب) وهي ذات اشكال هندسية جميلة عثر على الكثير منها في مناطق بحرية مختلفة تتراوح حجومها بين 1 الى 100 من الملمتر ويعود تاريخها الى اكثر من 420 مليون سنة.

كما اشار لنا (ابو زيد) الى اسطورة قديمة تقول ان طائرا غريب الشكل حط فوق قمة جبل (عقرة) وبعد مغادرته بفترة وجيزة انفجر بركان هائل وانسابت سيول من اعلى قمته لتغمر السفوح والوديان بمياه تطفو فوقها اللهب المستعر ، وعند هدوء البركان تكونت مغارات تسطع بالماس والذهب وتتسامق في الوديان اشجار الخوخ والرمان والتفاح وتنبجس مئات الينابيع والعيون الباردة العذبة ، وتبدا حياة جديدة مفعمة بالخير ، وتصدق نبوءة عرافة عجوز قالت يوما ان وجه المنطقة سيتغير وانها ستغتسل من آثامها وتتطهر مماعلق بها من معتقدات خرافية تستوجب وأد كل فتاة تولد سمراء. وبالفعل ومنذ ذلك الزمان اخذ وجه عقرة يتغير ويكتسب سمات جمالية ويزداد بهاء.

ان الادلة والمصادر التاريخية بحسب ابو زيد تؤكد الى ان عقرة قد بنيت في العصور السحيقة في القدم وتؤكد تلك المصادر الى ان عقرة هي اقدم مدينة في المنطقة،وقد برزت كمركز تجاري في القرن السادس قبل الميلاد حيث طورها احد الامراء الميديين ويدعى الامير (زه ند) حيث امر ببناء بيتا وعدد كبير من الدور على سفح قلعتها الاثرية وشق اليها الطرق على شكل مدرجات مما اكسبها طابعا وطرازا عمرانيا مميزا ، كما نظم شبكة المياه في المدينة وامر بحفر الجداول لسقي بساتينها وخصص وقتا دقيقا لري كل بستان ما يزال معمول به الى وقتنا الحالي .

ويشير المؤرخ ابو زيد الى اسماء عقرة بانها وردت في بطون الكتب باسم ( ئاكري) وهذا الاسم هو الاصل الذي يتداوله ابناؤها وابناء المنطقة وهو مشتق من (آكر) أي (النار) التي تدل على النقاء والحب والبركة .

وفي معجم البلدان للحموي اشارة الى ان كل فرجة او مزجة بين جبلين فهي (عقرة) واطلق ياسين العمري الموصلي اسم (كجك استانبول) على عقرة اشارة الى سعتها التجارية والمعمارية والسكانية وفرط خيراتها وكثرة مياهها وجمال طبيعتها وسميت (عقرة الحميدية) نسبة الى عشيرة الحميدية التي كانت تقطنها قديما .

ويطلق على عقرة مدينة الفصول الاربعة حيث يمتاز مناخها بالتفاوت الواضح بين حرارتي الليل والنهار في فصل الصيف ، ويتساقط في شتائها الثلج الذي غالبا ما يغطي معظم مناطقها ليكون فيما بعد احداهم المصادر لمياه العيون والينابيع التي تكثر فيها والتي تترافد مع اسمها حيث يطلق عليها مدينة العيون والشلالات لكثرة ينابيعها الجبلية وشلالاتها المعروفة والتي من اشهرها شلال مصيف سيبة.

اما اشهر اثارها فهي القلعة القديمة وسنترك الحديث عنها في هذا الاستطلاع بمقال خص به (الصوت الاخر) المؤرخ (ابو زيد) عن هذه القلعة واهميتها التاريخية، وفيها الى جانب القلعة كهف كندك الذي يقع على بعد بضع كيلو مترات غرب عقرة ويوجد في هذا الكهف ثلاثة مشاهد منحوتة نحتا بارزا في الحجر ،اثنان منها خارج الكهف عند حافته اليسرى اما الثالث فهو داخل الكهف وعلى جداره الايمن ويمثل مجموعة حيوانات تتقدم نحو رجل جالس فوق مصطبة وتتدلى من سقف الكهف ترسبات كلسية مألوفة في الكهوف ويرجح ان تعود هذه المنحوتات الى نهاية الالف الثالث ق.م اذ ان اشكال الاشخاص قريبة الشبه بصور (اللوبيين) في منحوتات نرام سين سنة 2300 ق.م

ملاحظة: استفاد فريق عمل الصزت الآخر من دليل آكري السياحي المعد من قبل السيد فائق ابو زيد العقراوي والمنشور

أستطلاع: فريق عمل الصوت الاخر
تصوير:سمير عقراوي و صباح حبيب

المصدر: الصوت الاخر- العدد63  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *