الرئيسية » مقالات » نقرة السلمان جحيم الكرد على الأرض

نقرة السلمان جحيم الكرد على الأرض

ترجمة: كاوة حسن محمد

(الهي.. ارجو أن لا نراها مرة أخرى، الهي.. ارجو ان لا يرى أحد غيرنا ما رأينا، الجوع و التعذيب النفسي و الاهانة و التنكيل، لقد رموا هنا الاف الجثث لتنهشها الكلاب).

هذه كانت اقوال ذلك الرجل العجوز، الذي كان يحفظ في ذاكرته كل حكايات الطريق، امام بوابة نقرة السلمان.

نقرة السلمان مكان محفور في ذاكرة الكرد. لا يمكن نسيانه ابداً، ذكريات مليئة بالجرائم الكبيرة، كبيرة لدرجة لا يمكن ان تندمل جراحها.

في عام 1988 و وفق خطة مدروسة نفذت عملية الأنفال، في مراحل مختلفة من قبل حزب البعث، و الذي كان في اوج سطوته الموجهة نحو ابادة الشعب الكردي، و كانت (نقرة السلمان) الواقعة في مدينة السماوة، المركز الرئيس لتجميع المؤنفلين الكرد.

و في زيارة لمجموعة من الشباب، و اكثريتهم كانوا من المثقفين و الصحفيين، رأينا ذلك الجحيم الذي لم يخلق سوى للكرد.

بعد عدة لقاءات في (مديرية الأمن الحمراء في السليمانية(1) السيئة الصيت، اجتمع هؤلاء الشباب مكونين عصبة مخصصة لهذه الزيارة، اتفق الجميع على تحديد 24/7/2003 يوماً للزيارة، التي سميت بـ(الزيارة الى الجحيم).

و في صباح ذلك اليوم الباكر، اتجهنا نحو (نقرة السلمان) حتى نعرف عن كثب المكان الذي كان مخصصاً لإبادة الأمة الكردية.

واصلنا رحلتنا وسط الرمال و نحن في الحافلة، مثل المؤنفلين كنا نمعن للرمال، و التي تحولها الأعاصير الصحراوية و تنقلها من مكان لآخر، لكي تضع منها جبلاً من الرمال، و تضلل كل من يسلكها. تخيلت و فكرت و في الوقت الذي كنت امعن في الصحراء، و قلت في نفسي يا ترى هل الصديقان (بيشواز) و (كريم) اللذان نظما الزيارة ينويان ان يؤنفلونا، و في الحقيقة اذا لم تشعر و لبرهة من الزمن في ذهنك بأنك تؤنفل، فمن المستحيل ان تحس بتلك الآلام و الجراح، كالتي عاناها المؤنفلون في هذا الطريق. (رزكار امين) و الذي جاء بآلة تصويره لإعداد عمل وثائقي حول هذه الصحراء، كنت اسمعه يردد مع نفسه و بكل هدوء (تفوح من هذه الصحراء رائحة الموت).

كلما كنا نسير اكثر في الصحراء، كانت تتسع و تظهر فضاؤها أكثر و أكثر، كانت الرمال على موعد معنا، و من خلالنا كانت تستذكر الكرد الذين غطتهم، و هي الآن مليئة بأصواتهم، فلا غرابة أن وصف الشاعر و الروائي الكردي (بختيار علي) في روايته (اخر رمانة الأرض). الصحراء بأن: ..الصحراء تملؤها الأصوات.. الرمال وحدها تفكر في الصحراء.. تسمعها و هي تناديك اثناء الليل..

رفع الجميع ستائر نوافذ الحافلة، كانوا يرنون في الرمال، كانت (نرمين) هي ايضاً تتمعن في الرمال و تقول: (على كل كردي ان يأتي الى الصحراء، و الى هذا المكان، لكي يعرف الى أي حد تعذب المؤنفلون، و هذا واجب قومي)، لقد اهملت نرمين حفلة التخرج في الجامعة لكي تأتي معنا. و حسب اقوال الدليل الذي جاء معنا الى الجحيم، لم يبق سوى ظرف ساعة لبلوغ هدفنا، ركاب الحافلة امسوا كلون و شكل الأنفال. (ئالان عطوف) كان يفكر في كيفية تحرير السجين نفسه من شيء اسمه (نقرة السلمان) و أكثر من مرة فسر و حلل، و لكن محاولاته كلها باءت بالفشل، و اخيراً وصل الى نتيجة يائسة و قال: (كيف تهرب تنفد بجلدك، في النهاية يجب عليك العودة الى السجن و تؤنفل نفسك بها).

كلما رنوت في الصحراء لم تكن هناك انفاس لها رائحة الحياة و لو بصيصاً منها، و لم اجد طرقاً تعطيك و لو ذرة من الأمل، فإن هذه الصحراء هي المكان الذي تدفن فيه كل انواع الأحلام، انها فضاء للأخصاء، و في هذا المكان نسي الله الكرد.

كلما اقتربنا اكثر كنا نشم رائحة الأنفال و لون الأنفال و كنا نشعر بصوت الأنفال و بأحلام الأنفال، و عند كل هذه المشاعر المتأججة، فجأة جاءنا صوت (كاوه) الملقب بـ(قلب المكتبة) و كأنه اكثر منا حساً، فشعر بصوت المؤنفلين، ارتجت الحافلة، حينما نادى: (هذه هي قلعة نقرة السلمان ارفعوا ستائركم). بهذا التلميح او التنبيه كان (كاوه) يشبه بطل فلم (1900) الذي صرخ بكل قوته لكل القاطنين على الباخرة و نادى (هذه امريكا)، عندما شاهد تمثال الحرية.

و لكن بعكس ركاب الباخرة الذين كانوا سعداء جميعاً، لأنهم كانوا يخطون نحو الحياة، و ركاب حافلتنا كانوا حزانى و مهمومين، لأننا نقترب من الموت كنا ننظر الى الجحيم، اما هم فكانوا ينظرون الى الجنة، و الابتسامة لا تفارق وجوههم. مع نزولنا من الحافلة كنا امام سجن، جهاته الأربع تحيط بها اسلاك شائكة لم ار مثلها من قبل، لقد تجولت كثيراً حول القلعة، لكي افهم لماذا بنيت هذه الجحيم، و الذي لا يستطيع كائن من كان ان يهرب من حائطه السميك، يشبه الى حد قريب قلعة (فرانز كافكا). ترى لماذا هذا الجدار الضخم؟ ترى لماذا هذا السجن كبير الى هذه الدرجة؟ و فجأة اسعفني جواب و الذي خلع كل اسئلتي من جذوره، في وقتها تذكرت وحشية الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة في العراق، ان هذه القلعة مبنية لنا! و بسرعة تقدمت نحو الباب في انتظار رجل مسن و معه رجل اخر و كنا نلقبه بـ(الحاج) و قد جئنابهم كشهود عيان، لكي يكشفوا لنا خفايا و اسرار و كيفية معاملتهم من قبل النظام البائد. و الحاج هو واحد من الأشخاص القلائل الذين نجوا بأعجوبة، و بعد ان اقترب من الباب بدأ بالدعاء و من ثم اردف قائلاً: (نحن في بداية الشهر الرابع من عام 1988، احتجزنا هنا ستة اشهر تقريباً، و قد جاءوا بنا بأطباء تابعين للنظام، و قالوا لن يبقى احد، الكل سوف يموتون.. ان هذا المكان عبارة عن طابقين كبيرين، لم يكن باستطاعة الأطفال العيش و البقاء فيه).

كلما كنت تنظر الى حجم السجن، كان المكان يبدو لك و كأنه يحوي من (7-10) الاف شخص، و نلاحظ من ذلك، ان النظام قصد من ذلك ضمهم و جمعهم الى مجموعات، و كل من كانت صحته تتدهور و يلقون حتفهم، يصبحون طعاماً للكلاب. و ان من حالفه الحظ و لم يمت، جعلوه صديقاً دائماً للصحراء و ينقلونه الى مكان مجهول عنا.

عندما قلنا ان الحاج نجا بأعجوبة، فان ذلك يعود الى الفترة التي وضعت الحرب العراقية – الايرانية اوزارها، و ضعفت بل انعدمت تقريباً الثورة الكردية في كردستان العراق، لذلك افرج عن الحاج مع بعض الأشخاص القلائل بعفو عام، لأن النظام كان يعتقد ان هؤلاء ليس بمقدورهم ان يصبحوا من (البيشمركه) او في الأقل ان يساعدوهم.

حتى نهاية زيارتنا للسجن، لم نكن نرى بعضنا البعض، و حتى في بعض الأحيان كنا نفقد اثرنا، و السبب طبعاً يعود الى حجم و كبر مساحة القلعة، و كنت اتجول في تلك القاعات التي لا تعد و لا تحصى و لكنها كانت تؤدي الى طريق واحد. و فجأة جذبني الانتباه الى شاشة تلفاز كانت مرسومة على احد الجدران، و هذا كان بمثابة الرمز الى كل من تحط بهم اقدامهم الى هذا الجحيم، لكي يعرفوا أن اناسا احياء تواجدوا من قبلهم هنا.

و اتجهت الى قاعة اخرى، و رأيت هناك شاباً لابساً نظارة و كان اسمه (دارا) و هو ايضاً جاء معنا كشاهد عيان، و قد سألته: عزيزي دارا هل تتذكر شيئاً عن هذا المكان. و قد اجابني: (نعم اتذكر كل شيء، انا في البداية كنت بقرية (مله سوره) و ثم جمعنا في -كرميان- و اركبونا بالحافلات العسكرية نحو قوره توو – و من ثم الى – توب زاوا – و بعد ذلك الى – دوبز – و الذي مكثنا فيه اربعة اشهر، و من هناك حملنا و لم نكن نعرف الى اين يأخذوننا، ثم وجدنا انفسنا هنا، و قد قضينا ظروفاً صعبة، انظر الى هذا السجن ليست فيها اية مستلزمات للعيش كي تصان كرامة الانسان، ناهيك عن العذاب النفسي الذي كنا نعاني منه، و مات هنا العديد من الضحايا.

و بدأت القاعات و درجات الحرارة تزداد، و كنت اصغي لأصدقائي و هم يتحدثون عن الحجر المحروق في هذه الصحراء، و من الجدير بالذكر كانت هناك احجار من الممكن ان تكون قد جاءت عن طريق المؤنفلين كتذكار من قرى كردستان، حجر جميل كالحجر الذي يأتون به من – قره داغ – الى المدينة لكي يضعونه في احواض السمك، و لم اكن افهم لماذا كانت هناك احجار تحرق نفسها امام شمس الصحراء، و في اخر المطاف لم نكن نعرف لماذا تتواجد مثل هذه الأحجار في الصحراء، لقد جلب بعض منها كتذكار، و في هذه الأثناء عندما انشغل كل فكري بالأحجار، كنت افكر بصديقي القاص (آكو) يا ترى في أي قاعة من القاعات يذرف دموعه و يخفي نفسه عن الكاميرات، و قد سمعت بعد ذلك انه رمى بقلمه في الصحراء و هو يبكي.

قاعة تلو القاعة و زاوية تلو الوازية في هذا الجحيم، كانت مكتظة بالصحفيين الذين جاءوا لكي يكتبوا عن الجحيم، و كنت ابحث عن (مريوان) صديقي الجديد، و الذي وجدته مع دارا و هما جالسان و حولهما الصحفيون، و كان دار يعدد المرات الذي مات و بعث في هذه الصحراء، و سألته حول كيفية اطعامهم و شرابهم؟ و قد اجابني: (كانوا يعطوننا ماء مالحا و حارا و الذي لم يكن صالحا للشرب، و ثلاثة صمون، خلال الأربع و العشرين ساعة). و كان (ارام منشغلاً في اثارة الحاج لكي يدلو بحديثه، و قد انتبهت للحاج و هو يقول لـ ارام: قبل ان تأتي مجموعتنا الى هنا، كانت هناك مجاميع اخرى، و قد رأيت بأم عيني كيف كانت امتعتهم مبعثرة و مشتة في كل مكان، و حتى لم يدعهم ان يأكلوا، و لا اعرف اين اخذوهم؟).

التفت الى وسط القاعة حيث رأيت مجموعة من الزائرين يرسمون لوحة جماعية تعبر عن آلام المؤنفلين، و خارج القاعة كان (زانا و كوردو) يخططان لكي يفعلا شيئاً، و فعلاً تفننا في ابداع ما تجول في خاطرتهما و مخيلتهما حول الأنفال، و في قاعة مظلمة كان (ريبين) يكتب او يرسم بالشموع عدد ضحايا الأنفال و هم (182) الف شخص و اشعله لكي ينير القاعة.

و فنان آخر يعزف اجمل الألحان للمؤنفلين، مع سماع لحن العود كنا ننظر الى الجدران و عليها بعض الكتابات و الأشعار، و قد كتب أحد المؤنفلين و بكل شوق:

مررت باحدى المقابر

سمعت نحيب باك

رأيت عظماً في الأرض ينادي

اين طعم و حلاوة هذه الدنيا؟

و شعور هذا المؤنفل، يعطينا صورة واضحة عن عدم وجود أي شخص أو أي شيء في مخيلة المؤنفل سوى المقابر و البكاء و العظام، و خير دليل على ذلك عندما يقول: اين طعم و حلاوة هذه الدنيا؟.

و قد كنا نمعن من نوافذ الغرف الى الخارج، كانت مصنوعة من الفولاذ و الحديد الصلب، و لم يكن هناك شيء سوى الرمال، و هذا يدل على انهم انتهكوا ابسط حق للانسان في السجون.

مع مرور الوقت كنا نتواءم مع المكان، و كفرد مؤنفل كنا نفتش الغرف و التي لم تكن فيها نوافذ، و كنت اتجول في الغرف الانفرادية، فكل من يدخلها تنحبس انفاسه، و نادراً ما كنت اشعر انني شخص حر طليق.

و تعجبت لأنني لم اكن اعرف كيف اتحرك و اتجول، و في اكثر الأحيان كانت انفاسي منحبسة، و كأنني سجين هذا المكان.

حتى جاء الى مسمعي صوت ينادي: (من بقي في الداخل؟.. اننا نرحل). و بعد ساعات طويلة من الجلوس في الحافلة، كنا نشعر اننا مؤنفلون، و بعد قضاء يوم كامل، لم يدخل النوم جفوننا، كنا نفكر بعجائب الأنفال، و في اليوم التالي و عند عودتنا كان اكثر الحديث يدور حول الزيارة و استمرارها في تجمعاتها و عدم انقطاعها، و اعطاء دور حقيقي و بارز لقضية الأنفال، و كانت المناقشة حادة و ساخنة بين (بيشواز و كريم) و كان جم حديثهم حول كيفية الضغط على الحكومة لكي تجعل من الأنفال مناسبة و قضية كبيرة في العراق..

كان الإرهاق و النوم يشاكسانني، لم اعرف هل كان حلماً أم خيالاً، سمعت صوتاً يقول: (ترى هل سوف نؤنفل مرة اخرى في المستقبل؟) و فجأة ارتجفت من مكاني و قلت (ماذا؟) و بسرعة البرق رد علي (سرهنك) و الذي جاء معنا كطبيب و قال: (لا شيء انك تحلم).



هامش:

1-مديرية الأمن الحمراء: او مديرية الأمن العامة في السليمانية، كانت المؤسسة الارهابية السيئة الصيت، يقوم فيها النظام البائد باعتقال و تعذيب و اعدام الكرد. اصبحت الآن متحفاً.

2-الأسماء الواردة في هذا المقال هم افراد الطاقم الذين زاروا (نقرة السلمان)، الكاتب و المترجم كان من بينهم.



المصدر:

صحيفة (هاولاتى) العدد 134.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *