الرئيسية » الآداب » المصادر الاسطورية لملحمة ياشار کمال (جبل آگري)

المصادر الاسطورية لملحمة ياشار کمال (جبل آگري)

حکاية الحب، وبالمعنى الکلاسيکي تحديدا، هي شبح نوراني لملحمة ما، آبدة. و الآداب العالمية، شرقا و غربا، مسجورة بحکايات الحب الفلکلورية، المتماثله‌ نصا و روحا. ويمکن تتبع معاريج الحکاية الملحمة الي سمائها الاسطورية الاولى؛ أين الأنجم الآلهة ترصد وتقنص مصائر الابطال الأرضيين، البشريين. لاغرو، في هذا الشأن، أن ملاحم ک “الياذة” هوميروس ، و “انيادة” فرجيل، و “شاهنامة” الفردوسي- ستراود علي الفور خيالنا.
في مهب الأزمنة الحديثة -و بدأ من القرن السابع عشر- تنوص الحکايه‌ الملحمية من جعبة الشاعر الجوال، الى مداد تکتف دفتى کتاب المؤلف. ولکن الرواية، کمولود جديد، لم تستطع -وما کان لها في الواقع- ملاغاة الام الکبرى للفنون والاداب: الملحمة. لا غرابة، اذا، أن تتأسس الرواية الاوربية، والعالمية ايضا، على مؤلف “دونکيشوت” لسرفانتس؛ تلک الملحمة الفريدة، المترقله‌ في وشي الشعر و النثر.
آثرت الرواية مشاکلة الجوانب الاکثر خصوصية في حيوات ابطالها؛ مما وضعها على الضفة الاخري من الملحمة المدوية، دوما، بصوت الجماعة. هذا التعارض المبين بين صوتي الخاص والعام، کان هاجسا مستمرا عند النقد الاوربي المنشغل بهموم الشعرية في النص المبدع. فکاکا من ذلک المأزق، عاد الکاتب الى اکسيره‌ الخالد، اللغة: “وستضحى اللغة بالنسبة اليه‌ مجال تفاعل لاصوات متعددة ومميزة لمجتمع ما. سوف يسمع ويحيي الانتماءات الاقليمية والاجتماعية.. فمن التوهم اليوم السعي الى الامتزاج کليا مع صوت المجتمع، على طريقة الشاعر الجوال في المجتمعات التقليدية؛ الا انه من الضار ايضا تخيل الذات في وحدة مطلقة؛ و ينبغي الحفاظ علي تفاعل بين الموقفين”. (1)
انسجاما مع تطورها خلال العصر الصناعي، آلت الرواية الي الفردوية؛ فعبر مؤلفها، غالبا، عن اعمق الخلجات النفسية لبطلها الرئيسي، النموذجي؛ هذا الذي سيکون عليه، وحده، احتکار السرد وجعل الابطال الاخرين يدورون في فلک مصيره الشخصي. ذلک الاتجاه، وقد بدا کأدب جديد، مالبث ان تخلف بدوره عن الحداثة المنبثقة عن أزمة الرأسمالية وولادة الأفکار الثورية، الداعية الى التغيير. في سعي المبدع لدمج صوته مع اصوات الآخرين، انکفأت کتابته، مجددا، الي مناهل الادب الاولى، الملحمية؛ محاولا هکذا خلق أدب اجتماعي جماعي. وما عاد الروائي يمحض النص خياله وتجربته حسب؛ بل واقترى مصادره ايضا في نصوص شتى، کالأساطير والملاحم والخرافات: “لتجعله نصا منتفحا علي ما سبقه، ومتفردا في الآن.. عملا ادبيا لا تنهض شعريته الا على التناص في مادته الاسطورية والتاريخية والصوفية”.(2)


المعبر: بستاني الحکايات

منذ يفاعته، کان ياشار کمال ماخوذا بالملاحم الشعبيه‌، التي ما لبطت ان اضحت هاجسه الاثير. حتي لقد خاض في سن مبکرة مغامرة البحث والکشف، ليجتني -کبستاني- حکايات، اقاح، مفغومة بنفح أليف للجماعات المتآلفة في موطنه ومسقط رأسه: “حکايات ذات صبغة محلية (کرديه‌ أو ترکمانيه‌ أو ترکيه‌)، جمعها بنفسه اثر تجوال طويل في قرى و سهول و جبال الاناضول”.(3) ويستفاد من بيبلوغرافية ياشار کمال، حقيقة أن رواية “عفدال زينکي” کانت باکورة اعماله الابداعية: هذه الرواية الموسومة باسم شاعر کوردي، جوال، ذي سيرة مدوفة باسطورة حب؛ هي “سيامند و خجي”؛ اشتهر بروايتها في ايوانات السادة ومجالس العامة.
استنادا أيضا لثبت أعماله، نجد ياشار کمال يرود، ثانية، الحکاية الفلکلورية واثر عقدين من الأعوام، شهدا تدفقا غامرا لرواياته الکبرى، المتجزأة الى ثلاثيات ورباعيات؛ حيث صدرت ف العام 1974 الطبعة الأولى من روايته “ملحمة جبل آگري”.(4) وتجنبا لأي التباس، لابد هنا من التأکيد بأن عمله الروائي هذا، هو رواية أصيلة وليس حکاية مستلهمة من الفلکلور. لا بل أن تمظهرها في اسطورة حب کلاسيکية، يحيلنا الى تأکيد “جورج لوکانش”، على کون الرواية الحديثة: “محاولة لترجمة مسيرة الانسان الباحث عن الاکتمال؛ انه يحمل في داخله صورة الاسطورة و عصرها الذهبي ويحاول استعادتها”(5)
وبدورها، ستکون مقاربتنا لرواية “جبل آگري” منذورة ، حصرا، لثيمه‌ التناص.. ذلك التناص المتجلي، خصوصا، في تواشج الرواية مع عدد من قصص الحب الکلاسيکية؛ والذي جعلها مضخمة رموزا ودلالات، مفوقة لقارئها وناقدها سواء بسواء.


المتن: القصة ومصادرها

“الرواية الواقعية تستهل بوصف يساق على خطوط مألؤفة، ويمکن قراءته في الصفحات الاولى من کل رواية تدأب علي هذا القبيل”.(6) هذا القول النقدي يعني، کذلک، ياشار کمال واسلوبه المعروف باتجاهه الواقعي. على أن تقليدية المقدمة في رواية مبدعنا هذه، متخرفة بطريقة مبتکرة، تقوم علي التکرار المميز لاسلوب السرد التجريبي. هذه المقدمة، ذات اللغة الشعرية العالية، مدها المؤلف کمرتقى لذروة العقدة في القصة: باشاراتها التي تختزل السياق والمعنى؛ وبتلک النهاية التي يؤولها بطلا الملحمة.. هذا المقطع، المستهلة به الرواية، سيکون علينا ان نجتاسه لمرات، في منتصف السرد وخاتمته؛ وبايقاع مختلف نوعا، کل مرة.

1- في مقاربة نص “جبل آگري”، سنستعين أولا بنص فلکلوري کوردي، هو “سيامند و خجي”؛ الذي سبق ونوهنا به عند التطرق لباکورة أعمال ياشار کمال الروائية. وثيمة التناص، هنا، تتجلي لنا ضمن هذه الموتيفات:
البحيرة/النبع: مکان رتع فيه جدث الحب العاصف؛ طائر الروح الخالد، الناصع الأجنحة، التائق الى مکامن المعرفة المستحيلة.
آذار/أيار: زمن الحب الربيعي، المنتصر والمفجوع في آن؛ نيران النوروز، الخالدة؛ انبعاث رموز الطبيعة، المشرقية: من أدونيس وعشروت الي سيامند و خجي.
الرعاة/الصيادون: قوم الترحال، الأزلي؛ عشاق جسورون، مدججون بالقسي و المزامير المرتلة انشودة غضبة جبالهم.
الحصان: رفيق العاشق وبساط ريحه، الخرافي؛ وقع خبب، رخي، تصاعد المصائر بموجبه أو تتداعي.
الخاتمه‌/المقدمة: “في کل عام، حين حلول الربيع وتفتح البراعم، تمتلئ الدنيا بالأغاريد، فيأتي الرعاة من جميع جهات جبل آگري، ويطرحون لباداتهم الصوفية على تربة البحيرة البنية ويجلسون عليها.. يجلسون على تربة العشق القديم ذي الآلاف من الاعوام..”(7)
الخاتمة: “عندما يقبل أيار في کل عام، ويطوف الصيادون في شعاب جبل “سيبان”، يقولون: کان أحدهما سيامند، اما الآخر فکانت خجي”.(8)

2- السجوف السرانية المنسدلة على شعرية التناص، في روايتنا هذه، ربما يصار اضاءتها بنبراس النص الکلاسيکي الآخر، “مم و زين”؛ بما نفترض أيضا تقاطعهما لبعضهما البعض.
وبدءا أقول، أن المؤلف لم يضن على قارئه بالاشارات الخفية، المتناثرة في متن نصه؛ والتي تعضد تأويلاتنا المقترحة هنا:
احمد خاني: شاعر الأکراد، الکلاسيکي، الأکبر (منتصف القرن السابع عشر)؛ عمر قصير، استنزف مدادا لملحمته “مم و زين”؛ مقام يثوي في بيازيد، المدينة التي حکمها “محمود خان”، علي ذمة روايتنا -مقام مزار، کان يهش لغضبة الجبليين المنحدرين من “آگري”؛ أشعار صوفية، ملتهبة، استباحت قلب عذراء، حبيبة قصر الخان: “کلزير”، شقيقة بطلة الرواية “کلبهار”، أشعار أناشيد، رددها الجبليون عشية انتصارهم على الحاکم المتسلط.
ممو/القرين: حارس السجن المتسضيف “أحمد”، بطل الرواية؛ سميه أيضا، بما ان الاسمين (محمد و أحمد) تفرعا في اللغة العربية عن جذر واحد؛ انه الند العنيد لأحمد في حب کلبهار؛ وهو قبل کل شيئ، القرين الروائي، المدهش، له: غيرة مدمرة، محضها لحياته لأحمد.. ثم بادله هذا اياها في موته؛ لتجد الرواية، هكذا، عذر خاتمتها. ولکن شهامة “ممو” ياشار کمال و تضحيته، تستدعيان للذاکرة طيف العاشق المدنف “ممو” بطل ملحمة أحمد خاني.
اخرون: محمود خان، والد کلبهار؛ فيه ما فيه من کل طاغية ولاغ في القسوة والأنانية -کالأمير “زين الدين”، حاکم جزيرة “بوطان” و شقيق “زين” بطلة ملحمة خاني- وکلاهما جاز لعرشه الاتکاء على مستشار أو حاجب، نمام وفاسد الأخلاق، على شاکلة “اسماعيل آغا” أو “بکر”؛ ممن توجب عليه في عرف حکاية حب رومانسية، تحمل عبء منع وصال الحبيبين؛ واللذين بدورهما وجدا صديقا مخلصا، متفانيا، في شخص “صوفي” أو “تاج الدين”.
الخاتمة: “والعجيب أن قبر مم و وزين يظل محاطا بسور من ظلال الأشجار والورود، أما قبر بکر فلا تکاد تبارح الأشواك التي تعلوه في غزارة”.(9)

3- سمة الرواية الحديثة، الأساس، في کونها نصا منفتحا علي نصوص أخرى، متنوعة – تنوع الثقافات الانسانية في تداخلاتها وينابيعها المتعددة، من خرافات وملاحم واساطير. وفي هذا الصدد، يقول “ستراوس” أن “الرواية تأتي من تفکك واستطالة الاسطورة؛ فاما ان تتزاوج المقاطع الروائية مع بقايا الاساطير واما أن تبحث الرواية عن رابط ما مع الاسطورة التي لم يبق منها سو أشباحها”.(10)

اسطورة الحداد “حسو”: الحداد شبه العاري، الذي ينضو به السرد حجاب تناص آخر؛ هو المخلص والهرطوقي، في آن؛ صانع السيف البارق ومتحرز الحکمة الکونية؛ انه شبح الرواية الاسطوري، بمعتقده المجوسي (الزردشتي)، وبارادته الفولاذية المرهونة لخلاص العاشقين و قومه الجبليين: انه تجلي “کاوا” بطل ملحمة النوروز؛ الحداد المنقذ الذي تحدى الطاغية “الضحاك”، بعتقه اليومي لشاب منذو کأضحية وتهريبه من ثم الى الجبل؛ وليتوالف من بعد أعداد الهاربين: “فکثروا وتناسلوا وکان منهم الکرد”.(11)
اسطورة النار: الانتصار الشعبي علي حاکم “بيازيد” العثماني، تم ذات ربيع، متوج بنجاح أحمد في ارتقاء ذروة الجبل الحالق واشعاله النار عند قاعدته البرکانية. وهنا، تکون رواية ياشار کمال قد تناهت، بدورها، الي ذروة تناصها ليس فقط مع ملحمة کاوا الحداد – الذي أشعل نار نوروز الخالدة، بعيد اطاحة الطاغية- بل و مع اسطورة کردية أخرى؛ هي “فرهاد و شيرين”. ففي مقابل موافقة الباشا على زواج ابنته کلبهار من أحمد، اشترط علي هذا الأخير أن يرتقي الجبل في مهمة مهلکة: “ان ذروة جبل آگري مليئة باولئک الذين حولوا الي حجارة. فاذا أراد امرؤ ان يصعد الى قمة آگري ليرى ما هناك -سواء حاول سرقة النار أم لم يحاول- فلن يغفر له وليس له من خلاص”.(12) هذا الفعل يذکرنا، اولا، باسطورة “بروميثوس”؛ الذي سرق نار الآلهة ومنحها للبشر. غير ان شرط الباشا ذاك، يضعنا في العقدة التي تقوم عليها حکاية الحب الفلکورية التي تغني بها الأکراد ودونها الفرس: “وحينئذ تحول الملك الى موضوع آخر، اذ طلب من فرهاد اتمام ما بداه من عمل في شق القناة في الجبل، على أن تکون شيرين له في مقابل ذلك”.(13)
خاتمة الخواتيم: بطل ياشار کمال تقمص، اذا، أرواح من سبقه من أبطال الأساطير، ليندمج هکذا مصيره بمصائرهم. ان انتصار حبه الممض، البطولي، کان مقترنا، کما رأينا، بانتصار أهالي جبل آگري علي تخرصات الحاکم العثماني. ومن جهتها، کانت الخاتمة التراجيدية لهذا الحب ترميزا، عميق الدلالة، من لدن الکاتب المبدع، الى تلك الحقيقة التاريخية، المتمثلة بفقدان قومه الجبليين ثمرة کفاحهم وانتصارهم.


الهوامش و المصادر

1- تزفيتان تودوروف، نقد النقد/ ترجمة سامي سويدان- بيروت 12/1986، ص43.
2- جمال فوغالي، شعرية التناص- مجلة المدي، العدد 12/1996، ص14.
3- صبحي حديدي، ياشار کمال والحکاية الرعوية التي تمنح الملاذ – مجلة حجلنامة، العدد 2/1999، ص9.
4- هذا هو العنوان الاصلي للرواية في طبعتها الترکية.
5- د. رانية سمارة، الاسطورة والادب – مجلة المدي، العدد 21/1996، ص14.
6- الاديب وصناعته، لمجموعة باحثين غربيين/ ترجمة جبرا ابراهيم جبرا- بيروت 1983، ص118.
7- ياشار کمال، جبل آگري/ ترجمة توفيق الحسيني- دمشق 1997، ص149.
8- من الفلکلور الکردي، اعداد وترجمة د. عبدو نجاري – دمشق 1991، ص61-67 (المتضمنة حکاية سيامند و خجي).
9- مم و زين، لأحمد خاني/ ترجمة د. محمد سعيد رمضان البوطي – دمشق 1982، ص 188.
10- د. رانية سمارة، نفس المصدر والصفحة.
11- الشاهنامة، للفردوسي/ ترجمة الفتح بن علي البنداري، وتحقيق د. عبدالوهاب عزام – طبعة الکويت 1993، ص 29.
12- ياشار کمال، جبل آگري، ص 126.
13- شيرين و خسرو، للأمير خسرو الدهلوي/ ترجمة وتحقيق د. عبد العزيز بقوش – الکويت 1992، ص47. 

المصدر:  الحوار المتمدن – العدد: 1074 – 2005 / 1 / 10