الرئيسية » التاريخ » إشكالية الهوية ونقد التاريخ المزيف – حضارة السومر نموذجا

إشكالية الهوية ونقد التاريخ المزيف – حضارة السومر نموذجا

قبل البدء في تمحيص الوقائع التاريخية وتأريخ الأحداث كما وقعت علينا أن ننظر إلى الماضي بمنظارين: منظارعلم التاريخ وفلسفة التاريخ كي نتعرف على الخصائص الجوهرية لهوية العامة لأي شعب وكيفية تفاعله مع الآخر في صنع ماضيه بأسلوب أكاديمي بعيدا عن الأنا لكي نبين للأجيال التاريخ المحرم والمزور .

وانطلاقا من مسلمة أن هوية الشعوب مستمدة من التاريخ…

نطرح تساؤلات ليكتمل البحث ويندمج علم التاريخ بفلسفة التاريخ …..إذا لنبدأ بأول حضارة عرفتها الإنسانية ألا وهي حضارة السومر التي عشش في بلاد المزوبوتامية كون منها تنبثق الإشكالية .

وطالما الحاضر خلاصة تفاعل الماضي فأية إشكالية تنبع من الماضي والعلاج أيضا ينبغي أن ينظّر ويشخّص من الماضي لذا عدنا إلى الماضي كي نقيم الحاضر وهويتنا تبزغ كشمس في كهوف ذواتنا لنشرق الغد.

من هم السومريين ؟

ما زال علماء الآثار ! والأنتربولوجيا يتخبطون في حيرة من أمرهم في تحديد أصل هذا الشعب العريق في الحضارة وقد أثبت التنقيبات وجودهم في جنوب العراق حوالي الألف الرابع قبل الميلاد ولكن أين كان الشعب السومري قبل أن يصل بلاد المزوبوتامية .

إن المكتشفات الأثرية تدل وجود حضارة سومرية متقدمة مما يدل على أن السومريين كانوا يملكون حضارة قبل استيطانهم جنوب العراق. وهنا تكمن الإشكالية وتتشعب الأراء فبعض العلماء يعتقدون بوجود السومريين قبل اكتشافهم الكتابة أي حوالي الألف الرابع قبل الميلاد وأنّهم طوّروا حضارة تل حلف والعبيد وبذلك تكون الحضارة السومرية امتدادا لحضارات قروية محلية كانت لا تعرف الكتابة ،بيد أن عددا كبيرا من العلماء لا يعتقدون بصحة هذه النظرية ويرجحون نظرية الهجرات المتتالية الآتية من خلف جبال القوقاز ومن الهند وحجتهم في ذلك بعض التشابه في المخلفات الأثرية في الهند وبلاد المزوبوتامية وإشارة بعض الكتابات السومرية إلى مناطق جبلية ترمز إلى منشأهم و إن كانت هذه الكتابات ممزوجة بالأساطير إلا أنها تعطي فكرة عن حنين السومري إلى منشأه الجبلي .

فنظرية الهجرات من الجبال المزوبوتامية إلى سهول! ها وتوسعها نحو الجنوب تثبت بأنهم سكان البلاد الأصليين الجبليين “وينسب إليهم اكتشاف الزراعة وآلية إشعال النار و كيفية نقلها وبقائها جمارا مشتعلة وكذلك استخدموا العربات الحربية التي تجرها الحصان ” وسكنوا حول ضفاف الأنهار بحثا عن حياة زراعية خصبة ومناخ معتدل ومراعي واسعة.

هذه الإجراءات سهلت لهم جمع قوتهم وزراعة ما أمكن زراعتها في مناطق سهلية قريبة من سكنهم.

وما يدعم هذا الرأي وجود إشارات من كتابات السومرية تشير إلى انحدارهم من مناطق جبلية ترمز إلى منشأهم. ! ;

أما تسمية هذا الشعب بالسومريين في اللغة الكردية مشتقة من كلمتين كرديتين (su meri) وتعني بالعربية ثلاثين شخصا في أول هجرة إلى الجنوب.

وهذه الدفعة كانت حوالي الألف الرابع ثم تتالت الهجرات فيما بعد وما تسمية حضارات تل حلف والعبيد وأوروك إلا أسماء أشخاص سومريين أطلقوا أسماؤهم على تلك المواقع أو أنها صفة لتلك المواقع تشتهر بها

وما أسماء المواقع والمدن القديمة إلا أسماء أشخاص ” ملوك وقواد عسكريين” أو صفة تتميز بها المواقع أو أسماء آلهة.

وفيما بعد عاش الأكاديون مع السومريين في جنوب العراق علما أن السومريين هم شعب غير سامي وقد كان للأكاد تأثيرا على الف! ن السومري غير أنهم لم يبرزوا بروزا كاملا في فنهم إلا بعد استلامهم السلطة السياسية بقيادة ملكهم صارغون وكان الشمال منطقة الجبال بالنسبة للأكاديون منطقة مجهولة تسودها الظلام والخوف.

وهناك من العلماء من يعتقد أن السومريين جاءوا من جهة الجزيرة العربية وبالتحديد من جزيرة البحرين المسماة “تلمون” قديما وحجتهم في ذلك استنادا إلى النصوص الكتابية التي تتحدث عن هجرات الناجمة عن القحط والجفاف ولكن في النهاية نحتاج إلى مزيدا من الكشوفات ” ألواح وكتابات سومرية ” وسند هذه النظرية ضعيف

واحتراما لدقة البحث العلمي سميت الحضارات التي سبقت اكتشاف الكتابة من قبل السومريين بحضارات محلية وأقدم هذه الحضارات القريبة للعهد السومري هي حضارة أوروك وجمدة نصر وفي فترة من فترات جمدة نصر أكتشفت الكتابة السومرية البدائية التي كانت عبارة عن رسم أو تصوير للأشياء المراد التعبيرعنها وتلتها بعد ذلك الحضارة السومرية التي تقسم إلى ثلاث فترات زمنية تسمى فجر السلالات الأولى والثاني والثالث غير أن المدرسة الألمانية تعني بتسمية أخرى فتسمى فجر السلالات الأول بعصر الانتقال من جمدة إلى عصر ميسليم “وميسلي! م هذا ملك سومري يحمل اسما محليا” وهو عصر فجر السلالات الثانية أما عصر فجر السلالات الثالثة يسمى أور الأول نسبة إلى أور العراقية “أور اسم سومري” التي اكتشفها السيرليونارد وولي مشهورة بمقبرتها الملكية الفخمة.

ولم يستطع السومريون أن ينشئوا دولة موحدة تجمع شمل الدويلات المتعددة التي كانت موزعة هنا وهناك والتي كانت في نزاع دائم مع بعضها البعض إلا أن آخر ملوك أوروك “لوكال زاجيزي” قام بمحاولة جريئة لتوحيد البلاد ولكنها لم تفلح وبذلك مهد الطريق للملك الأكادي صارغون وبعهد صارغون يكون قد انتهى عصر الازدهار السومري الأول ليفسح المجال لحضارة سومرية أكادية مشتركة عاشت ردحا من الزمن قبل أن يقضي عليها شعوب آرية جاءت من الجبال المسمى ” بالكوتي ” غير أن الحضارة السومرية لم تمت كليا في هذا العهد الكوتي إذ سرعان ما استطاعت أن تنهض بنفسها بقيادة ملك “لاجاش” الورع “جوديا” وتسمى هذه الفترة بعصر النهضة السومرية التي بدأت في “لاجاش” وانتقلت بعدها إلى مدينة أور تحت زعامة ” أورنامو” ابن “جوديا ” وكان تأثير أور كبيرا جدا على بقية الدويلات في كافة أنحاء الشرق الأدنى القديم مما دعا علماء الآثار إلى تسمية هذا العصر بحضارة سلالة أور الثالثة التي استمرت حتى تأسيس الد! ولة البابلية ا! لقديمة الأولى بزعامة حمورابي القانوني الكبير .

وتبدأ النهضة السومرية بعد القضاء على الشعب الكوتي وتحرير معظم الدويلات منهم تزدهر الحضارة السومرية من جديد ولكن هذه المرة بتأثير أشد بالأكاديين وتمتاز هذه الفترة بكثرة تماثيل العابدين فالمعروف عن الشعب السومري التقوى و الورع والخوف الشديد من الآلهة وهذا مايشبه إيمان الكورد عبر التاريخ ولذا بنوا المعابد الكثيرة وكانت توضع الأسود إلى جانب مداخل المعابد وعيونها مسلّطة لتحمي المعبد من الأرواح الشريرة وهذا ما يشبة تماتيل موقع تل عين داره.

وأهم اختراع قدمتها الحضارة السومرية للإنسانية الكتابة فأنتج نموذج التحضر في تاريخ البشرية ورث عنه وشارك في تطويرها الشعب الأكادي ومجمل الحضارتين السومرية والأكادية تسمى بالحضارة البابلية تجاوزا لتمييزها عن الحضارة الآشورية في الشمال ونسبة إلى مدينة بابل العاصمة في العصر البابلي القديم وقد دامت هذه الحضارة ما يقارب الألف سنة من 3000_2050ق.م.

وهنا نختلف مع طروحات هنتكتون في صراع الحضارات بدليل تعايش الأكاديين غير الساميين مع السومريين وأيضا نختلف مع القائلين بن! ظرية تعايش الثقافات بدليل وجود صراع بين الميديين والآشوريين فالتاريخ ه و محصلة الخبرات والتفاعلات لا يمكن تحديدها بمنظرين منظار الصراع والتعايش فهما لحظة من السياق الكلي

___________________

الكوتين:شعب آري في الشمال الشرق بلاد الرافدين في الألف الثالث.

لاجاش:اسم مدينة سومرية في جنوب العراق.

عين داره: تل آثري جنوب مدينة عفرين حوالي خمس كيلو متر.


نقلاً عن موقع البارتي