الرئيسية » مقالات » قصة النفق في سجن الحلــــة

قصة النفق في سجن الحلــــة

 سجل الشيوعيون العراقيون ، واصدقاؤهم ، منذ اليوم الأول لتأسيس حزبهم في آذار عام 1934، العديد من المواقف البطولية المشهودة ، في صراعهم ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، دفاعا عن مصالح العمال والكادحين وجماهير الشعب ، بالرغم من البطش والأرهاب الذي رافق مسيرة الحزب على امتداد أكثر من ستين عاما، وإرتقى البعض من هذه الأحداث، إلى مستوى الأسطورة ومنها قصة النفق في سجن الحلة عام 1967، الذي إستمر العمل والحفر فيه لمدة ( 58) يوما ً.
وهي احداث لم تسجل ولم يطلع عليها جيل الشباب الثوري المنضوي في صفوف الحزب بسبب الظروف القاهرة التي رافقها الإرهاب والاضطهاد.
وفي مدينة دهوك . . . كان لنا هذا اللقاء مع الاستاذ ( ك،م) الفنان والمشرف التربوي المتقاعد، ذلك الشاب الكادح الذي انخرط في صفوف الحزب منذ نعومة اضفاره ، حينما كان طالبا ً في ثانوية دهوك ، حيث إطلع على الماركسية وقرأ قصة الأم لمكسيم غوركي ، وأول عدد من جريدة الشرارة وقع بين يديه.فكان ذلك بداية التعميد الثوري لهذا الشاب الممتلىء حماسا وقوة للدفاع عن مصالح الكادحين.
وشاءت الظروف ، أن يكون واحدا ً، من الذين خططوا وحفروا نفق سجن الحلة ، و على امتداد أربعة جلسات متتالية ، كانت الحصيلة هذه الرواية – الأسطورة ، لتلك الأحداث الهامة من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي المجيد الذي كان يسير الخطى من أجل : الوطن الحر و الشعب السعيد.

******

كيف بدأت محاولاتكم الأولى للشروع بقصة حفر النفق في سجن الحله؟

الرفاق داخل السجن كانوا قد قدموا مذكرة إلى منظمة الحله يطالبون فيها المساعدة لأجل مشروع هروب جماعي من داخل السجن وبعد موافقة الحزب من خلال قيادة منظمة الحله .
جاءني الرفيق ( حسين ياسين ) وقال لي :
رفيق كمال لك عدة محاولات للهروب من السجن ولكنها فشلت لان الرفيق زوران كان يدركها ويقنعك بالعدول عن هذه الفكرة ، وأضاف طالما كان لديك هذه الرغبة وهذه الشجاعة ، لماذا لا نتفق على مشروع هروب جماعي ؟

قلت له :
لدي كامل الأستعداد وأستطيع أن اخطط لهذا العمل وكنت انذاك مسؤولا ً عن الفرن ويحق لي الصعود إلى السطح ، ويوفر لي هذا الحق رؤية السجن ومشاهدة ما حوله خارج السور وأستطيع أن احدد الطريقة والوسيلة الملائمة والناجحة..
بعد أن إتفقتم على الفكرة وبدأتم بالتخطيط والعمل ماذا كان أول إجراء ؟

شخصت المهمات الإدارية للسجن وكانت لجنة مكونة حسب ما اعتقد من عبد القادر البستاني وعبد الصاحب مع خمسة رفاق لتنفيذ المهمة.
ومن كانوا هؤلاء الخمسة المشخصين لهذه المهمة ؟

كنا .. أنا والرفيق حسين وفاضل عباس ومجيد الملقب جدو وسمير الذي كان مصابا ً بالقرحة المعدية.
وكيف شخصتم المكان الملائم للنفق ؟

استطلعت السجن في اليوم الثاني بإمعان و حددت المكان الملائم للحفر حيث وجدت أفضل مكان هو الصيدلية وفي داخلها فوهة بلوعة مغطاة وحينما طرحت الفكرة على الرفاق و افقوني ونزلت في أول يوم ونظفت البلوعة من القاذورات التي فيها و لم تكن كثيرة.

والصيدلية هل بقيت في نفس الغرفة وأنتم تواصلون العمل ؟

كلا فقد رتبنا لها حجة وقدمنا مذكرة إلى إدارة السجن نطلب فيها تحويل الصيدلية إلى قاعة أخرى لأنها بعيدة خاصة وإن عدد السجناء قد قلّ و قلنا سوف نحول الصيدلية إلى مخزن وتمت الموافقة.

هل تستطيع أن تحدد بالضبط اليوم أو الفترة التي تم فيها الحفر ؟

كان ذلك في نهاية تشرين الأول من عام 1967 وإستمر العمل لمدة ( 58 ) يوما فقط علما ً إن تقديرات السلطة كانت بعد هروبنا ( 9 ) أشهر ليلا ً ونهارا لأجل اتمام هذا الحفر.

وكيف بدأتم تحفرون بأية وسائل وادوات ؟

حفرنا النفق على شكل درج وكنا نحفر بادوات بسيطة و بدائية حصلت عليها بحكم تواجدي في الفرن.
كيف كنت تراوس بين عملك في الفرن والحفر وهل كنت تزاول أعمال أخرى ؟

كنت اعمل في الفرن منذ الساعة (5 ) صباحا ً ولغاية (8 ) صباحا ً وفي النهار كنت امارس عملي الفني حيث اصنع الباجات و ارسم صور الرفاق وكذلك عملت نصبا من البورك بحجم ( 6 ) امتار داخل فناء السجن وحولت الصيدلية القديمة إلى مرسم للتغطية على عملنا في النفق ، وفي الليل فقط كنا نحفر النفق ونتعاون على اخراج التراب ، وأحيانا ً كنا نعمل في النفق لغاية الساعة (4)صباحا ً وكنا نواجه الارهاق والتعب بإصرار الشيوعيين الذي لا يكل.


والتراب كيف كنتم تتخلصون منه ؟ الم يخلق لكم مشاكل ؟

في المرحلة الأولى قدمنا شكوى إلى إدارة السجن حول تصليح السطح الذي كان من التراب بحجة انه ينقط ماءً أثناء المطر وطلبنا من إدارة السجن جلب لوري تراب ، واستجابت الإدارة و قد تخلصنا من أول دفعة من التراب بوضعه فوق السطح و كان يخلط في نفس اليوم مع التراب الذي جلبوه وقد جبل ليصبح طينا وهكذا تخلصنا من أول كمية كنا قد حفرناها وإنطلت حيلتنا على السلطات داخل السجن وبالمناسبة فقد كان التراب مجبولا بعرقنا وكنا نشرب بحدود 20 كأس ً من الماء يوميا ً مخلوط مع الملح، لأن طبيب السجن اوصانا بعدم شرب الماء العذب.

إذن الطبيب أيضا كان على علم، كيف عرف ذلك ومن كان الطبيب؟

اعتقد إنه عرف من خلال الهيئات الادارية داخل السجن وكان معاون طبيب ، وإسمه محفوظ.

وإستمر العمل الم تواجهكم صعوبات في الحفر ومخاطر جديدة؟

نعم استمر العمل ولكن بسهولة لأن الإستمرار في الحفر قد اوصلنا إلى منطقة مكونة من الطابوق وكان الحفر اسهل ، إلا أن المشكلة التي واجهتنا إن التراب الجديد الذي في العمق مع الطابوق كانت فيه رائحة خاصة تجلب الأنتباه وكنا حائرين كيف نتخلص من هذه المشكلة ؟.

كيف تخلصتم منها ؟!

قدمنا طلبا ً إلى إدارة السجن لأجل جلب قلاب جديد من التراب لوضعها في سطح الكابينات المخصصة لمحو الامية وكانت ترشح ماء ، وإتفقنا مع منظمة الحله خارج السجن على رشها بالديتول و الا سفنيك كي تقضي على رائحة التراب الذي نستخرجه من تحت الأرض وبهذه الطريقة تخلصنا من التراب الجديد ورائحته المتميزة.

لقد نفذ صبري أيها الرفيق وكذلك صبر القراء ، كم كان طول النفق بالضبط ؟
26 مترا ًوبخط مستقيم حوالي 20 متراً وكان فيه انحناءات لأننا غلطنا في الإتجاه ونحن نعمل داخل النفق.

وبقيت مشكلة رمي التراب ، كيف ذللتم هذه القضية فيما بعد ؟

بعد اتمامنا لأكثر من نصف النفق واجهتنا فعلا مشكلة كبيرة بخصوص رمي التراب ، فقلت للرفيق حسين من الضروري أن نفاتح إدارة السجن بفتح دورة لهواة الرسم وتهيئة معاكس و ادوات العمل الفني بما فيه الخشب بكميات جيدة ، وبعد موافقة إدارة السجن ، اخترنا أن تكون القاعة المتاخمة للنفق لهذه المهمة وقدمنا طلبا ً بأخلائها خاصة وإن العدد قد قلّ و إستجابوا لطلبنا ، وكانت القاعة بطول ( 8 ) متر فوضعت منضدة تمويهية بطول ( 6 ) متر في القاعة وبعرض (120 ) سم و إرتفاع (120 ) سم أيضا ً، عملتها من الخشب الذي جلبوه للرسم ، وكتبت إعلان بقرب افتتاح دورة لهواة الرسم ، وكنا نضع التراب في هذه المنضدة التمويهية.
وبعدها ؟

عملت ثلاث زوايا داخل القاعة نفسها وملأناها بالتراب المستخرج أيضا ً.

يتضح من حديثك إن العبء الأساسي قد وقع عليك الم تصاب بالإعياء؟

نعم كنت اعمل مدة ( 6 ) ساعات في الفرن وأكثر منها في النفق ليلا ً وكنت تعبا ً بشكل لايوصف إلا أن إرادتي وإرادة بقية الرفاق و الشوق للخروج من هذا السجن الرهيب و مواصلة النضال قد غطى كل تعبنا وكنا نحفر بشوق وبلا تماهل.

سوف لن اسألك أيها الرفيق فواصل حديثك شيئا ً فشيئاً كما يحلو لك..

في اليوم التالي لهذا الحديث خطرت لي فكرة داخل النفق وتساءلت بوجل هل نحن نسير في الحفر بالإتجاه الصحيح ؟ وكيف يمكن أن نؤكد صحة اتجاهنا ؟

وكيف تأكدتم من هذا ؟

بايرسكوب بدائي عبارة عن صندوق بسيط وفوقه مرآة و انزلته معي للنفق ، وحفرت هذه المرة باتجاه الأرض هرما ً إلى أن جعلت فوهته الصغيرة موازية لسطح الأرض ، وشاهدت من خلال المرآة حرسان يمشيان وشاهدت السياج أيضا ً.

وكانت هذه مغامرة من مغامرات حفر النفق بالذات ؟

نعم كانت مغامرة فعلا ً، لكنني كنت مرتاحا ً للغاية ، وسعيد بهذا الإنجاز ، وحينما رجعت وقلت للرفيق حسين لا أستطيع أن استمر لأني تعب جدا ً واحتاج لأستراحة والنوم قليلا ً ، كانت الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل وعلي النهوض من جديد في الخامسة صباحا ً لأجل العمل في الفرن.

اكيد انك غفوت و نمت بعمق بعد هذا التعب والعمل المتواصل خاصة وإنك تأكدت من اتجاه الحفر الذي كان يؤرقك قبل ليلة ؟

ضحك بصوت عال وقهقه ، كلا لم أنم إلا ساعة واحدة وإذا بصوت الرفيق حسين يوقظني بوجل وخوف شديدين ، لقد انكشفنا،، لقد انكشف النفق وكان مذهولا ولم يتجرأ التقرب من فوهة النفق فتقدمت أنا ورفعت الغطاء وكنت في حالة من اللاوعي ونزلت فإذا بأصوات غريبة تأتي من داخل النفق فخرجت لجلب حبل معه قطعة حديد ( جنكال) وسكين صغيرة ونزلت مجددا ً فإذا بعينين تتلألئان داخل النفق و تقدمت نحوي ببطء ٍ، لم تكن إلا قطة صغيرة قد سقطت من الفتحة التي فتحتها باتجاه الأرض لمعرفة الأتجاه ، فرميت ( الجنكال ) وتقدمت نحوهها و أمسكتها بيدي بقوة وفي حالة من العصبية لويت عنقها فماءت بصوت عال ٍ إلا أني كسرت رقبتها وعمودها الفقري و رميتها ميتة ً وكنت في حالة متوترة اقرب إلى الهيجان.
وخرجت فورا من النفق وطلبت من حسين أن يأتي بكيس من البورك الذي جلبته للتمثال الذي كنت انوي صنعه ، وكنت هادئا ً بعض الشيء ونزلت ثانية للنفق وبدأت ببناء الهرم من الداخل و وضعت قطع الطابوق والبورك والقطة مع قطعة تنك صغيرة وأغلقت الفتحة من جديد ، وبالمناسبة لقد اخرجت رأسي من الفتحة هذه المرة قبل أن ابدا بالبناء وشاهدت الحرس هذه المرة بأم عيني ، والمهم لقد سددت وأنا واثق لو مشت من عليها بقرة أو جمل فسوف لن تنهدم ومن المحتمل إن تلك المواد وذلك الحائط لا زال قائما ً تحت الأرض لست ادري .

وماذا بعد كل هذا أيها الرفيق هل اسالك أم تستمر انت في الحديث ؟

خرجت من النفق بعد اتمام هذا العمل الساعة الرابعة والنصف وكان موعد ايقاظ العاملين في الفرن الساعة الخامسة صباحا ، إلا اني كنت تعبا ً ولم انهض في الموعد المطلوب ، لكن الحرس ايقظني في الخامسة ، طلبت منه استراحة ، لم يستحب لطلبي ونهرني وطلب مني النهوض بلغة حازمه فتمالكت نفسي ونهضت وتوجهت لكي اتدارك الإعياء الذي أنا فيه نحو الماء، وإستحممت بالماء البارد كان ذلك في تشرين الثاني والجو بارد ، خبزت الوجبة الأولى وفي الوجبة الثانية أمام الفرن أغمي علي من شدة التعب والأعياء وأكمل الخبز رفيق آخر كان يتدرب على الخبز، فأخذوني إلى القاعة للأستراحة…. اعطاني الرفيق الطبيب ( محفوظ) بعض المسكنات ونبهني إلى ضرورة اخذ راحة ونمت فيها بعمق ولم انهض في وجبة الغذاء .
وعند العصر نهضت فتوجهت من جديد إلى اخذ حمام بارد وتوجهت للحانوت كي اشرب الشاي فوجئت بالرفيق حسين كان ينظر الي ّ بحنان وعطف ، قلت له لا تهتم يجب أن نسرع في إنجاز المهمة وأن نواصل العمل بلا تباطئ.

وهل توقف العمل مؤقتا ً وخلدت للراحه كما اوصى الطبيب؟

كلا بالعكس فقد نزلت في الليل من جديد لمواصلة الحفر وكان فاضل وحسين يسحبون التراب و يضعونه في اماكن عديدة وكان يوما جميلا حيث و صلنا ونحن نحفر داخل النفق إلى بئر يابسة جافة كانت بعمق نصف متر تحت النفق على شكل تنور واعرض من النفق من جهة بأكثر من متر ، أخذنا نضع التراب فيها ، وعملنا في داخلها رفوف لوضع التراب عليها فوق النفق .. كنا حينها نعمل ونحن سعداء بشكل لا يوصف وتجاوزنا ثلاثة ارباع النفق وكنا كلما تقدمنا يتباطء العمل بسبب طول المسافة لنقل التراب ، خاصة بعد ان مليء البئر بالتراب.

وتجددت مشكلة التراب واين ترمونه من جديد اليس كذلك ؟

نعم تجددت المشكلة أين نضع التراب بعد أن امتلأ البئر
.
كيف ذللتم هذه المشكلة وانتم في الجزء الأخير من هذه المهمة وحتما إن اصراركم هو اقوى واكبر من المشكلة التي تواجهكم؟

بنينا حائط موازي للصيدلية من الداخل وصبغناه بنفس لون الجدار وبدانا نضع التراب وراءه كان هذا الحل الوحيد لنضع فيه التراب المستخرج ، وكانت معاناتنا أيضا لا توصف من شدة الاعياء.

الم تفكروا بأحتمال كشف هذا الموضوع من قبل ادارة السجن ؟

كلا بالنسبة لأدارة السجن لم نفكر بأحتمال دخولها هذا المكان ولكن حدثت مفاجأة، حينما جاء ذات يوم مفتش عام واراد أن يدخل الصيدلية القديمة التي بنينا فيها الجدار، ولكي لا يدخل بشكل طبيعي اسرعت ووضعت استاد الرسم بالقرب من باب الصيدلية وبدات اسرع في رسم لوحة ، وعندما جاء واراد الدخول ، اشمئز من هذا التصرف قائلا انتم جمهورية قائمة بذاتها في هذا السجن…. ولهذا سوف لن افتش إي زاوية في السجن واحتج وذهب..

كان هذا في الوقت الذي وصلتم فيه إلى نهاية النفق اليس كذلك ؟

نعم بالضبط
إذن كيف تهيئأتم للخروج بعد اتمام النفق وماذا كان ينتظركم ؟

هيأنا أسماء الذين يهربون واخذ صور لهم بحجج واهية لأجل عمل هويات مزورة، وهم لا يعرفون شيئا ً عن قصة الهروب ومراحلها وانهم سيكونون احرارا ً بعد أيام معدودة، وجهزنا ملابس كرديه وعربية منوعة .

انتم الآن في المرحلة النهائية بماذا تتصف وماذا تنتظرون ؟

ونحن في المرحلة النهائية لم يبقى لنا مكان نضع فيه التراب فطلبنا عشرة بطانيات قديمة وضعنا التراب فيها ورصصناها مع الجدار
، وكذلك بنينا جدار داخل النفق ووضعنا التراب فيه وفرشنا ارضية النفق بالبطانيات كي لا تتسخ ملابس الذين يخرجون وايضا مددنا سلك كهربائي واشعلنا الضوء داخلة كي نسهل عملية المرور وننجزها بسرعة قياسية.

وبعد حثنا أيها الرفيق عن المزيد من تفاصيل القصة المثيرة التي تفوق قصص السندباد والالف ليلة وليلة.. قل ما تشاء…

انجزنا النفق وبطول( 26 ) كما قلت وانتهى بعد اختراق ستة سياجات من الكونكريت المسلح باتجاه كراج كربلاء الذي ينتهي بفتحة هي عبارة عن طابوقة، واعطينا الهويات من هذه الفتحة إلى الرفاق خارج السجن، وكانت عبارة عن طابوقة صغيرة ترفع داخل الكراج وتم ارجاع الهويات بعد تغليفها من نفس الفتحة وفي نفس اليوم بعد ساعات قليلة.

الآن كل شيء جاهز وسوف تخرجون بعد قليل ؟

نعم ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه فقد حدث شجار داخل السجن وادركنا إن الحزب منشق بين ما يسمى باللجنة المركزية القديمة واللجنة المركزية الجديدة، وكان احد اسباب الأنشقاق داخل منظمة السجن النفق وعرفت إن زميلي على ملاك اللجنة المركزية القديمة واني على ملاك اللجنة المركزية الجديدة (القيادة المركزية) من حيث لا ادري ، وان الخلاف كان بسبب حصول البعض على الهويات والبعض لم يحصل عليها وعلم الجميع بقصة النفق إلا السجناء العاديين.

وفي هذه الأجواء المؤلمة ماذا حدث؟ كيف تداركتم الوضع ؟

لقد تقرر تقديم فكرة الهروب (22 ) ساعة إي يوم كامل وكان من المتفق عليه أن تجري عملية الهروب في 10 عاشوراء لأن الكراج مزدحم بالمواطنين وبدل التاريخ بتسعه عاشوراء وتطور الخلاف ليصبح معركة بالأيدي فخرجت نحوالحانوت لأحتسي الشاي وكأني لا ادري شيئا ً وكنت اراقب الموقف بقلق والم.

تحتسي الشاي وأنت الذي فعل كل شيء ، هل هذا معقول ؟

كنت في حالة من الفزع الشديد، وكان الرفاق يدخلون النفق ويخرجون لكن الكراج كان خاليا ، بسبب تقديم الموعد من دون اعلام المكلفين بالمساعدة والأستعداد في الخارج.

يعني إن البعض اخذ يتوجه للخروج ، إي أن عملية الهروب قد بدأت وأنت في الحانوت ؟

نعم توجه البعض للدخول إلى النفق واخذوا يخرجون تباعا ً

ماذا فعلت بعد كل هذا الجهد ؟
كنت في حالة من الصراع مع النفس ، هل اهرب أم لا ؟ وفي حالة عدم هروبي سيقول الرفاق أني جبنت ، لهذا توجهت فورا إلى فوهة النفق ودخلته وكنت في ملابس السجن
وماذا وجدت فيه ؟
وجدت أكثر من 15 رفيقا ً وكان حرس الكراج يصرخ أجنِه تخرج من تحت الأرض ، اجنه تخرج من تحت الأرض وبصوت عال للأسف ، كان صديقا للحزب لكنه لم يكن يعرف شيئا عن الموضوع فإستمر في الصراخ إلى أن نبه حرس السجن ، وخرجت فوجدت كلبا ً صغيرا ً ينبح مع الحرس والحرس يصرخ هذا احدهم فوقفت بالقرب منه وقلت له ماذا بك هل لم ترى انسانا ً ألا تدعنا حتى بالتبول ماذا تعني هذا واحد منهم، وأخذت الكلب وربطه بعيدا ً ، مسكت الحرس وكان مذهولا ً.
ها أنت خرجت، الذين سبقوك قد مشوا وهناك من ينتظر الخروج؟

نعم خرجت وتألمت لأني علمت فيما بعد أني كنت آخر سجين يخرج فقد سبقني( 46) مناضلا ، أما الآخرين فلم يخرجوا بقوا داخل النفق وعادوا للقاعة حينما علمت إدارة السجن بكل شيء

وبدات المطاردة خارج السجن ؟

عدت للعمل السري في ظل اجواء القمع والارهاب، وكنت اتجول من منطقة إلى أخرى لحين وصولي المناطق الامنة في الاهوار.. ومنذ لحضتها بدات قصة جديدة من حياتي لا علاقة لها بقصة النفق ولكنها كانت في البعض من تفاصيلها واحداثها اخطر وافضع من قصة النفق…


صباح كنجي

جريدة ريكاي كوردستان الاسبوعيه
العددان (84) و (85) في 23 و30/11 /1993

اعيد نشر الموضوع لكي اثبت اسم الحفار الذي اجريت معه اللقاء ولم يكن بالأمكان الكشف عن اسمه الحقيقي آنذاك وهو الأستاذ كمال كمالة الرسام والمشرف التربوي المتقاعد و الشيوعي المعروف متمنيا أن تتوفر له الفرصة للحديث عن المزيد من الذكريات.



























اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *