الرئيسية » مقالات » لقاء مع أبو آزاد…اوراق…من ذكريات محمود خضر

لقاء مع أبو آزاد…اوراق…من ذكريات محمود خضر

في الفترة من 10/10 ولغاية 17/10 من عام 2002 حل علي ضيفا ً، السيد ( محمود خضر ) الملقب ب ( أبو آزاد ) ، هذه الشخصيه التي تعرفت عليها منذ صغري حيث كان صديقا ً لوالدي واخوالي وهو بالأضافة إلى ذلك من منطقتي بعشيقه .
أبو آزاد يمتلك اسلوبا ً متميزا ً في الحديث ولسانه ينساب بذكريات مهمه عاصرها بحكم عمره الذي تجاوز السبعين ، وكذلك بحكم اشتغاله باكثر من مجال قبل تخرجه كمعاون طبيب بدأها بالخيول والريسس ومن بعدها بالآثار ومجالات أخرى كان ينتقل بينها بحكم نشأته الكادحه وكفاحه وطموحه من اجل التعليم وتحسين اوضاعه الأقتصاديه والأجتماعيه ، وهكذا كان حيث ابدى ابوآزاد استعداده لتسجيل جزءً من ذكرياته ومشاهداته التي بدأتها معه بالأستفسار عن ولادته؟
فأجاب :

ولدت في عام 1933 في قضاء الشيخان ( عين سفني ) ، في ضل عائلة كادحة لأب لا يستوعب اهمية الدراسه والتعليم بحجة أنها حرام ، وكنت أنا شغوف بالتعلم ، وذهبت إلى المدرسة بالخفية استعنتُ بأقلام ودفاتر زملائي أما الكتب فتوزع مجانا ً.

كانت المدرسه الوحيدة في الشيخان ابتدائيه ( عين سفني ) ، وتلاميذها من الأيزيديين والآشوريين ولم يكن يسكنها غيرهم أو يتواجد فيها إلا الموظفين من الكرد والتركمان من خارج المدينه ومن ضمنهم (عبدا لله افندي ) من قرية سواري الذي كان معلما ً متميزا ً ، يحبه التلاميذ والناس .

وعدد صفوف المدرسه لم يتعدى الستة صفوف ، واعتقد أنها تأسست سنة 1938 لأن أول دفعة من التلاميذ تخرجت منها كانت في عام 1944 وهي دفعه مهمة شملت على أسماء سيكون لهم شأن في مجال التعليم بين الايزيديه ومن ضمنهم (مهمد خدر اوصمان ) عمل كاتب نفوس فيما بعد ومازال عائشا ً و(حجي كركو) وشيخ ( هسن إبراهيم )الملقب ب (هسن برقي ) الذي أصبح ضابط شرطه فيما بعد و ( سليمان افندي ) والد ( كريم سليمان النصير الشيوعي ) الذي يدير مركز لالش الثقافي في الشيخان الآن و(خليل بشار ) من جيل المعلمين الأوائل .

ومن الطلبه الذين رافقوه في مسيرته الأولى يذكر أبو آزاد ( جندي حجي فارس) و (بير طارق مامكو) ومن المعلمين يذكر (حسن افندي ) و (شيخ حسين ) وكلاهما من أهالي بحزاني التي كانت فيها مدارس وتخرج منها معلمين .

ويسترسل أبو آزاد :

كنت الاحظ شياكة ونظافة ملابس المعلمين و الموظفين والشرطه فتأثرت بهم وحاولت أن أكون مثلهم .

أبي ( خضر سليمان ) كان فراشا ً في المالية وكنت الاحظه يعاني من الفقر ، لذلك قررت أن لا أكون بمثل وضعه في المستقبل . كانت نظرة الناس للفقير نظرة دونيه ، وادركت إن التعليم والمدرسة هم طريق الخلاص من الفقر و الوصول للأهداف ، وسعيت لأن أكون انسانا ً ذا شان يحترمه الناس ، لكني اصطدمت بعقلية والدي وذهنيته التي كانت تعتقد إن المدرسة تفسد عقول الأيزيديين.

كان شيخ حسين وحسن افندي يعلّمان في المدرسه قبل دخولي وتسجيلي بها وكذلك عبدالكريم اسماعيل بك من باعذرة الذي كان يدرس تلاميذ الصف الأول .
عندما سجلت اسمي لدى مدير المدرسه (عبدا لله سواري ) طلب مني أن اجلب ولي امري ( والدي ) و كنت متأكدا ً انه سيرفض ، لذا فاتحت جدي ( سليمان) الذي كان يحب أن اتعلم ويشجعني ، وهكذا ذللتُ أول مشكلة صادفتني منذ الخطوة الأولى مع بدء تسجيلي في اليوم الأول .

لكني واجهت مشكلة جديدة حينما أدرك والدي بالأمر ، حيث هددني بأنه سوف لن يشتري لي مستلزمات الدراسه من القرطاسيه ، التي اضطررت إلى طلبها من زملائي الذين لم يبخلوا علي و ساعدوني .

وفي كثير من المرات كان أبي يقف في طريق المدرسة ويمنعني من الوصول اليها بعد أن يشد اذني بقوة ويقودني نحو الدار ، الذي اعود لمغادرته من جديد حالما يخرج والدي إلى دوامه ، واسرع مهرولا ً نحو المدرسة ثانية ، واستمرت حالتي مع أبي وردعه لي لثلاث سنوات ، بعدها رضخ للأمر الواقع ولم يمنعني من مواصلة الذهاب للمدرسة أو يعترض على استمراري في الدراسة .

في المرحلة الثالثة من الأبتدائيه جاءنا من بحزاني ( عبدالله محير ، ابوفريد ) كان يتسم ويتميز بمساعدة الطلبة الفقراء ، منهم طارق بير مامكو اليتيم حيث كان يشتري له الحاجيات الضروريه ويدعمه ويذلل الصعوبات التي تواجهه ، وبذل جهدا ً كبيرا ً معنا لأجل استمرارنا في ا لدراسة وشجع الجميع على حب التعليم ، وأنا شخصيا ً مدين له حيث كان يشجعني ويتابعني وقد استعمل اللين والشدة معنا بطريقة مقبولة ومحببة .

تابعت الدراسة بشغف ، وتفوقت على اقراني وحصلت على علامات الأول والثاني وفي البكالوريا اشتركنا أنا وطارق مامكو وجندي حجي فارس ، في امتحان السادس ابتدائي في القوس ، وعدد الطلاب كان ستة طلاب فقط ، كنا نذهب بسيارة باص غلافها الخارجي ( البودي ) من الخشب ، وشاهدنا لأول مرة البنات ( الطالبات ) في القوش أما النتائج فكنت الوحيد الناجح من الشيخان .

رغبت بمواصلة التعليم فواجهتني مشكلة المتوسطه حيث لم يكن امامي من حل إلا الذهاب إلى الموصل التي تتواجد فيها المدارس المتوسطه أما الشيخان فلم يكن فيها سوى الأبتدائيه .

توجهت إلى الموصل وسجلت في الثانويه الشرقيه ،تفاجأت إن عمري قد تجاوز السن القانونيه بسنة واحدة حيث كنت قد بلغت السابعة عشر وامام هذه المشكلة القانونيه نُصحت ُ بالذهاب إلى كركوك إلى مدرسة دار الصناعة المهنيه لأنها تقبل مثل حالتي فتوجهت إلى كركوك ، وكان الذهاب إلى كركوك مكلفا ً، وبالأضافة إلى عدم معرفتي بأوضاع كركوك وجهلي لطرق المواصلات وصعوبة تدبر تكاليف المعيشه وصعوبة العيش في منطقه بعيدة كل هذه المعوقات لم تثنيني من الوصول إلى كركوك مصطحبا ً معي اوراقي ، لكن المفاجأة غير السارة هي وجود نفس القانون في مدارس كركوك ، حيث لا يقبل الطالب الذي تجاوز السن ورفضوا تسجيلي .
فعدت أدراجي إلى الشيخان حزينا ً كئيبا ً ، تنهمر الدموع من عينيه بعد أن خابت آمالي .

نصحني البعض أن اقدم عريضة ( فقير الحال) واقدمها إلى إدارة مدرسة كركوك لكي تسهل امري في التسجيل والقبول من باب العطف وكان هذا ماشيا ً آنذاك.

قدمت طلبا ً إلى قائمقام الشيخان وطلبت منه المساعدة والعطف والتوصية كي يقبلوني في دار صناعة كركوك ، وحينها كان القائمقام (شاكر فتاح ) الذي الف كتاب قيم عن الأيزيديه ، وقد اغتالته السلطة البعثيه فيما بعد في اربيل عام1987.
ذهبت مرة ثانيه إلى كركوك وقدمت الطلب مع توصية القائمقام ، لكنهم رفضوا طلبي مرة ثانيه .
عدت خائبا ً إلى الشيخان من جديد ، في هذه الفترة قرأت اعلانات وشاهدت ملصقات جداريه على ابواب مديرية تجنيد الشيخان يطلبون فيها متطوعين للجيش العراقي من خريجي الأبتدائيه للمدرسة الصناعيه العسكريه .

جهزت نفسي واكملت الوثائق اللازمه وذهبت إلى بغداد ، وكان حينها الشيخ هسن مفوضا ً في التحقيقات الجنائيه وهوشقيق والدي بالآخرة ( برايكي آخرتي ) ، فلجأت إليه لأسكن معه وقدمت اوراقي للدائرة المعنيه فأحالوني إلى اللجنة الطبيه ، وفي اللجنة الطبيه فشلت بسبب نقص الطول سنتيمتر واحد وعدت لأجواء الخيبة من جديد ورجعت للشيخان مرة أخرى .

هناك في الشيخان بحثت عن واسطه للمساعدة وكنت لا اعرف مثل هذه الأمور ولم تكن لدي علاقات اجتماعيه واسعه ، وكنت بطبعي خجولا ً واصبحت حائرا ً من امري لا ادري ماذا افعل؟ .
كان لدينا جار اسمه ( عبد زهرة ) مواطن عربي من عشائر الركابه ووالدته اسمها (داي زهرة) صاحتني بأسم والدتي أي نادتني ب: يا ابن فلانه وقالت لي بصيغة تساؤل فيها عتب ولوم :

أنت تذهب إلى بغداد ولا تخبرني ؟! واضافت لدي ابن اخ اذهب إليه كي يساعدك وأخذت منها رسالة فيها توصية إلى ابن اخيها الدكتور ( محمود الأمين) الذي كان معاون مدير الآثار العراقية في بغداد .

وعمليا ً لم يكن امامي من حلول إلا أن اعمل في الموصل ، و أواصل الدراسه المسائيه وكنت افكر بأمكانية التوفيق بين الدراسه والعمل ، لكن لم احصل على عمل ، فقدمت طلبا ً إلى متصرف الموصل اطالب فيه بتعييني كناس بلديه ، لكن المتصرف لم يستجيب إلى طلبي رغم انه عمل لا يحتاج إلى شهادة وينتسب إليه الأميين .

فذهبت مرة أخرى إلى بغداد لأجل تجديد تقديم الطلب ، إلى الصناعة العسكريه مع توصية داي زهرة ، ورسالتها إلى ابن اخيها الدكتور محمود الأمين ، التي كتبتها بنفسي ، بناءً على ما كانت ترده لي ، ولكي اتمكن من توفير مبلغ السفر إلى بغداد عملت في شارع الشيخان – الموصل ، الذي كانت تجري عملية تصفيفه بالحصو والأحجار تمهيدا ً لتبليطه ، وقبلوني بعد التوسط من قبل بير مامكو وعلي الجمل ، فعملت نقالا ً للتراب على ظهري لعدة أيام وفرت خلالها اجور النقل للوصول إلى بغداد بالقطار .

وصلت بغداد.. زرت الدكتور محمود في المتحف العراقي واعطيته رسالة عمته وبعد أن قرأها ونظر الي ، سألني أنت ايزيدي؟
قلت نعم .

وأنت تكافح من اجل أن تتعلم ؟ كان مستغربا ً وواصل معقبا ً المفروض على الدولة ان تتبنى امثالك من الأيزيديين وبغضب قالها وشكى من هذا التصرف وعدم الأهتمام بأبناء الأيزيديه..

طلبت منه أن يساعدني لدى لجنة الفحص التي اعتذرت لنقص طولي سنتيمترا ً واحدا ً حرر رسالة وسلمها لي كانت معنونة إلى مسئول لجنة الفحص.
في اليوم التالي ذهبت إلى مقر لجنة الفحص وقدمت اوراقي ، ونسيت أن اعطيهم رسالة الدكتور ( التوصيه) وكالعادة فحصوني وفشلت ُ في الطول بسبب هذا السنتيمتر الواحد !
وبعد هذه النتيجه الفاشله اعطيت الرساله لأحد اعظاء اللجنة وبعد أن قرأها قال:
فات الآوان كان عليك تقديمها قبل الفحص.

رجعت خائبا ً إلى الدكتور محمود اشكي له حالي واخبرته أني فشلت للمرة الثانيه في الحصول على قبول.
احتار هو الآخرفي امري ، وكان يبدو عليه الاهتمام والتأثر واخذ يفكر بحل لمشكلتي .
في هذه الأثناء دخل عليه رجل يبدو عليه انه اجنبي وتكلموا مع بعضهم بالأنكليزيه ، وكنت افهم بعض المفردات منها ، بحكم دراستنا للأنكليزيه في الصفين الخامس والسادس الأبتدائي .
وخلال المناقشة بينهم كان يلتفت الأجنبي الي ويتفحصني بين الحين والآخر وكذلك كان يفعل محمود ، واحسست إن لألتفاتتهم معنى خاص بي وفهمت أنهم يتكلمون عني.

بعد انتهاء المحادثه بينهما التفت الي محمود الأمين وقال لي شرحت وضعك إلى هذا الأجنبي البروفيسور( رالف سلوكي ) الأمريكي الأصل الذي يعمل باحثا ً في الآثار في المنطقه الشماليه من العراق وطلبت منه أن يجد لك عملا ً عنده .

ومن الممكن أن يجد لك عملا ً معه كمترجم رغم لغتك البسيطه وبراتب قدره (8) دنانير في الشهر وكان هذا مبلغا ً كبيرا ً حينها ، حيث لم يكن راتب المعلم أو الموضف آنذاك يتعدى ال(12) دينارا ً في الشهر .
اجبته اقبل أي وضعيه أو اعمل بدون راتب اذا كان ذلك يسمح لي بمواصلة الدراسه في المدارس المسائيه كي اتابع تعليمي .
التفت إليه واخبره بطلبي فقال له ما يريد ..و لا مانع لديه .

وفي الحال طلب مني المستر رالف سلوكي أن ارافقه ، فشكرت محمود الأمين ، وذهبت مع الأمريكي إلى مقره في كرادة مريم وكان لديه سيارة جيب جديدة موديل ( 1950 ) وكانت أول مرة استخدم سيارة من هذا النوع ، وكانت بحوزتي حقيبه حديديه من تنك ، فيها حاجياتي الشخصيه و ضعتها في كمب الأرمن عند الشيخ هسن فذهبت إلى الكمب وأخذت حاجياتي ووصلنا مقره الذي كان مكتبا ً ومسكنا ً في ذات ا لوقت .

وعندما دخلت هذا الموقع ( القصر ) ابهرني المنظر واندهشت لما فيه من آثاث وحاجيات ومستلزمات وقلت هذه هي الجنة التي كنت اسمع عنها … ها قد دخلتها ، دخلت ا لجنه !
وجلب انتباهي من ا لحاجيات المعروضه مجموعة كاميرات مختلفة الأحجام والأشكال ، سينمائيه ، عاديه ، و بنادق صيد عليها نواضير، آثاث منضدة فخمة ومكتبه كبيرة وسجادات ..الخ

اخذني من يدي وادخلني في غرفة لا احلم بمثلها وقال لي :

هذه هي غرفتك وهذه هي حاجياتك وهذا سريرك ، كل ما تحتاجه هو لك وسلمني ثمانية دنانير مقدما ً لشراء بعض المستلزمات ( كانت أول مرة املك فيها ثمانية دنانير وفرحت بهذا المبلغ الكبير ) وفي اليوم التالي بدأت اسأل عن اقرب مدرسة مسائيه في الكمب..

قالوا لي : توجد في الكرخ مدرسة تسمى ( مدرسة الكرخ الأهليه ) ، ذهبت لأبحث عنها إلا أن وجدتها داخل ازقه ضيقة في منطقة مزدحمة بالسكان وكانت بعيدة عن مكتب اقامتي في كرادة مريم ، لكن هناك خط نقل( باصات) يمر بين المنطقتين .

في العصر مساء ً ذهبت إلى المدرسة واخبرتهم ، أريد التسجيل في الدوام المسائي ، في الحال قبلوني ، ولم يكن هناك شروط واخذوا مني مبلغ (8) دنانير اجور سنه كامله ، كنت لا اعلم بأمكان تقسيط المبلغ ، فسلمت الثمانية دنانير دفعة واحدة ، فتصوروا أني من أبناء العوائل الغنيه … ياللمهزلة !

ومع ذلك كنت في غاية الفرح . وعند بدء الدوام كنت اصغي للمدرس بأهتمام بالغ واتذكر الصعوبات والمشاق والمعاناه التي مررت بها ، واستطعت من تحويلها إلى محفزات للمثابرة والأجتهاد في الحصول على العلم خاصة في موضوع اللغة الأنكليزيه .

وعندما كنت اخرج من الصف في اوقات الأستراحه ، أشاهد الطلبه يتباحثون مع بعضهم ، كان كلامهم غير مفهوما من قبلي ، وكبيرا ً علي ولا استوعب المصطلحات والأشياء التي يرددونها ، لأنها كانت غريبة علي ومن عالم متحضر وأنا الآتي من الريف المتخلف ، كنت حائرا ً أمام هذا المشهد الطلابي واحاديثهم المعقدة ، وقلت من المستحيل أن انجح بين هكذا وسط متطور ،فأصبت بصدمه وخيبة هي الأقرب للأحباط لكن عند الأمتحان وظهور النتائج تبين أني من الأوائل فأستغربت كيف لا أستطيع أن اتحدث بمثل احاديثهم وأنا من الأوائل ، كان هذا في الأعوام1950 و1951 ونجحت إلىا لصف الثاني المتوسط ، وفي العام الآخر نجحت بتفوق إلى الثالث.
في هذا لعام وعند حلول الصيف ، تم نقل الإدارة ( إدارة البروفيسور ) إلى القصر الأبيض عند بارك السعدون.
فبحثت عن مدرسة مسائيه أخرى قريبة من المنطقة وكنت قد تجاوزت المتوسطه وابحث عن اعداديه مسائيه ايضا ً.
وجدت اعداديه مسائيه بالقرب من سوق البتاوين بأسم مدرسة الوطن الأهليه ، وقدمت اوراقي وقسطُ الدراسة فقبلوني .

وحينها نقل البروفيسور ( رالف سلوكي ) إلى امريكا جامعة مشيكان حيث انهى عقد عمله مع الجامعه بخصوص ايفاده للعراق ، وجاء بدلا منه ( المستر تيت وليم برمنكهام) . كان شابا ً طريفا ً وانسانا ًعظيما ً عندما علم باحوالي واموري وكفاحي من خلال السيد( رالف سلوكي ) جاءني بلطف وعاملني معاملة اخ وكان في كل يوم ليلا ً يجلس معي ويدرسني الأنكليزيه ويعرفني على أمور الحياة ، كان انسانا ً نبيلا ً ومتواضعا ً ، لم اشاهده يخرج من المكتب إلى أي موقع آخر و منعزلا ًتماما ًعن الناس ومتفرغا ً لشؤون البحث والآثار والكتابه عن ذلك ، وعن ما انجزه رالف سلوكي ، وسلمني مسؤولية الإدارة كاملة وعلمني قيادة السيارة العائدة للمكتب .
وكنت خلال ذلك قد تعلمت الأنكليزيه بشكل جيد.

وعند بدء السنه الدراسيه الجديدة داومت بشكل طبيعي و نجحت في امتحان البكالوريا وحصلت على شهادة الثالث المتوسط ، كانت في نيتي أن اكمل دراستي لكن الرسوب الفاحش بسبب المضاهرات التي حدت سنة 1952 بعد انتفاضة تشرين التي لعب فيها الطلبه دور رئيسي ، وما بعدها استمرار المضاهرات عام 1953 شملت كل المدارس والكليات في بغداد ، دفعت الإدارة للأنتقام من الطلبه فظهرت النتائج بترسيبهم بنسبة 80% كعقاب لهم وقد شملني ذلك الأجراء فقررت عدم مواصلة الدراسة خوفاً من الرسوب الأنتقامي ، فذهبت مع غيري من الطلبه للأنتساب إلى المعاهد المختلفة لتأمين فرصة الدراسه والمستقبل وهكذا ألغيت سنة دراسيه هي الرابع العام وعدت لأبحث عن معهد يقبل الطلبة الخريجين من المتوسطه .

كان حينها احد العاملين في المجال الصحي ويدعى ( داؤد ) وهوموظف صحي يكنى بالدكتور قد اثر بي أثناء ترددي على الشيخان وشجعني على مواصلة الدراسة كي أصبح طبيبا ً ولأعتقادي أن الطبيب ينشأ ويتدرج من موظف صحي مرورا ًبمرحلة معاون طبيب حسب مفهومي للتدرج الوظيفي في بقية دوائر ومؤسسات الدوله حيث كنت اعتقد إن الجندي والشرطي يتدرجان إلى رتبة ضباط مع مرور الزمن وتقادم الخدمه .
وهكذا قدمت اوراقي الي معهد الصحه في بغداد عام1953- 1954 .
اعلمني المستر وليم بأن عقده قد انتهى وان الدائرة قد اغلقت ، لكنه لا يود السفر والرجوع إلى امريكا ، بل سيواصل البقاء والبحث عن وظيفة مدرس كلية في الجامعه لتدريس اللغه الأنكليزيه ، إن وافقت الدوله على توفير الفرصه له. وبناء ً على ذلك فهو لن يستطيع تسديد راتبي الشهري الثمانية دنانير منذ الآن .
قلت له إن كنت قد انزعجت أو مللت مني ولا تريدني أن اواصل العمل معك فأنت حر ، وسأذهب لتدبير حالي ، أما إذا كنت تشكو من النفقات لحين تعيينك لدى الدوله سأبقى معك ومالدي من مبالغ لديكم وهي متراكمه منذ أكثر من سنه فأهبك اياها قانعا ً عربونا ً لمساعدتك لي وحرصك علي ّ..
تأثر كثيرا ً لهذا الحديث ، ولم يصدق ما يسمعه من شاب صغير هو بأمس الحاجه للمساعدة والمال وهو مازال في بداية الطريق ولم ينهي تعليمه بعد ، وكان موقفه صعبا ً ولم يكن يريد مفارقتي أيضا ً فقال لا بأس أن نكون معا ً وان نعيش حياتا ً مشتركه على التقشف ، ولكن كيف نتقشف ونحن في بغداد؟ هل لديك مكانا ً غير بغداد نعيش فيه معا ً بأقل التكاليف ؟
فكرت في الحال أن نسكن الشيخان سوية ً .. كل شيء فيها رخيص فاجبته نعم .. لنذهب إلى الشيخان مدينتي بين اهلي واصدقائي سوف لن يكلفنا ذلك إلا مبلغا ً زهيدا ً
قال: إذهب وهييء لنا مسكنا ً فقدمت إلى الشيخان لكي اهيىء السكن ، وجدت دارا ً من اللبن فيها غرفتين كانت حديثة البناء وتعود للشيخ ( صالح سلو ) وقريبة من دارنا . وافق على تأجيرها بثلاث دنانير في الشهر .
انتقلنا من بغداد إلى الشيخان وسكنا هذه الدار المتواضعه وكان سعيدا ً بذلك ، خاصة وان المواد الغذائيه والخبز الطازج ، الحار، من التنور تأتي الينا من القرويين مجانا ً وسكان المحلة الأيزيديين الذين هم اقربائي واصدقائي ومن بيئتي وبين الحين والآخر كنا نشتري الدجاج أو البيض ونعمل وجبة غذاء دسمه .
كان المستر وليم مولعا ً بشكل شديد بالخيل وعندما كنا في بغداد نذهب كل أسبوع الي الريسس في المنصور ، كنت اقود السيارة وهو يصور السباق بالكامره الخاصه به ، وفي الشيخان فكر بأن يشتري حصانا ً ، فذهبنا إلى الموصل واقتنينا حصانا ً عمره ثلاث سنوات.
قلت له لحصان مشكلة جديدة لنا كيف سنوصله إلى الشخان هل نستأجر له بيك آب أم لوري ؟
قال: لا الحصان سوف يتأذى في حالة نقله بالسيارة لذلك سأقوده بنفسي . والمسافه لن تستغرق أكثر من ثماني ساعات فهي بحدود (55 ) كيلومترا ً من الموصل إلى الشيخان . وأضاف أنت سوق السياره وأنا اتدبر أمر الحصان .

لكن فكرت كيف اذهب واتركه وكنت اتوقف وانتظره بين الحين والآخر أو اعود إليه ارجوه أن يقود السياره ويدعني اقود الحصان ، وكررت محاولاتي لعدة مرات لكني لم افلح بأقناعه و يدعوني لمواصلة المسير وقيادة السياره ، كان يخشى من احتمال ركوب الحصان لأعتقاده إن ذلك يسبب الأذى له وهو مازال صغيراً ، و يتحمل السير لهذه الساعات الطويله من اجل الحصان ، وعند الغروب وصل الىالشيخان ، كنت قد سبقته فهيأت مكان خاص للحصان مع العلف المكون من التبن والشعير .
وصل السيد وليم والحصان مع غروب الشمس في ذلك اليوم الصيفي أي بحدود الساعة الثامنة مساء ً ، ربطنا الحصان في الموقع المحدد له وقدمنا له الماء والطعام وكان فرحا ً جدا ً بذلك واعتبر الحصان تسليه جميله في غربته واخذ بتدريبه يوميا ً وعندما يتعب اتناوب بدلا ً منه على التدريب بواسطة حبل طويل . والتدريب كان بألفاظ عربيه .. اذهب ، امشي ،هرول ، قف … الخ .
وما زلت احتفظ ببضعة دقائق من الفيلم الخاص بهذا الحصان وأنا اقوم بدور المدرب .
ومع صبيحة كل يوم نبدأ برنامجنا الثابت لتدريب الحصان على الجري والوقوف والأستعداد لتنفيذ الأوامر والتوجيهات . بعد ثلاث اشهر من التدريب المتواصل ذهب المستر وليم إلى بغداد لكي يتابع امر تعيينه في احدى الجامعات العراقية لتدريس اللغه الأنكليزيه فكنت أنا ادرب الحصان أثناء غيابه .

في احد الأيام وأنا ادرب الحصان وحينما كنت امسح رأسه من العرق بمنشفة ومن غير المتوقع نطحني برأسه في فمي فنزفت اسناني دماء ً ، اردت أن انتقم منه ، ركبته وأخذت اجري به مسرعا ً وأنا اسوطه لكي يجري اسرع ، ومن ثم عدت به للدار وفي اليوم التالي عاد المستر وليم وذهب فورا ً لمشاهدة الحصان وتفحصه ، واول سؤال سألني كان ، هل ركبته أم لا ؟ والكالعادة لم اخدعه وقلت له الحقيقه إذا به يغضب ويصرخ ويشتم ، كنت أول مرة استمع منه لكلمات نابية ، وشعرت بالأهانه ، وبالنسبة لي كان ركوب الحصان أمر اعتيادي وطبيعي ، أما بالنسبة له فكان ذلك شيئا ً كبيرا ً بحكم معزة الحصان عنده ،لا يجوز ركوبه قبل الأوان .
كانت ردت فعلي حول الموضوع أني لا أستطيع أن اواجهه مرة ثانيه ولن أستطيع العيش مع السيد وليم بعد هذا الذي حصل .
فتركته وذهبت الي داري مع اسرتي ، كنت حينها قد افتقدت والدتي ، وكان هذا بالنسبة لي امتحانا ً كبيرا ً بين قبول الأهانه والأستمرار في مواصلة الدراسه أو رفض الأهانه والأبتعاد عن العمل مع هذا الشخص والحرمان من التواصل مع الدراسه والتعليم والمستقبل الذي كنت اطمح له .

وفي اليوم التالي ارسل السيد وليم في طلبي معتذرا ً لي عما بدر منه يوم أمس وانه لم يكن يعي ما قاله .
قلت له لا أستطيع أن انسى صراخك وتكشيرتك والشتائم التي صدرت منك.
اجابني أنا لا أستطيع أن اجبرك ، لكن أنت جئت بي إلى ديارك واستضفتني ولا يجوز أن تتركني وحدي فأرجو أن تجد لي من يقوم بمساعدتي إلى أن اتدبر امري.
ذهبت اسأل بين اصدقائي الآشوريين ووجدت ( شبيه البازي) مستعدا ً لذلك واخبرته إن السيد وليم يحتاج من يساعده ويعمل معه ، فلبى طلبي بسرعه وجاء معي وسلمته للسيد وليم وظل هذا يعمل معه إلى أن غادر الشيخان وتعين مدرسا ً في كلية اربيل لتدريس الأنكليزيه ، وبقيت أنا اواجه مصيري اللاحق واحدد خطواتي اللاحقه ماذا افعل ؟ أو بالأحرى ماذا بمقدوري أن افعل ؟.

عند افتتاح العام الدراسي الجديد ذهبت إلى بغداد واحصيت ما عندي من نقود فأدركت أنها تسعفني لمدة سنة ، استأجرت غرفة في حي السنك بثلاثة دنانير في الشهر وواصلت تعليمي في معهد الصحه المهني التابع لكلية الطب في باب المعظم في بغداد. وكان خلالها السيد وليم يسأل ويستقصي اخباري ، لكن شبيبه لم يكن ينقل له الحقيقة وبقيت مجهول المعلومات عنه وهو كذلك .
وفيما بعد علمت من شبيه البازي انه بقي في اربيل سنتين وعاد إلى امريكا دون أن نرى بعضنا .
في احد الأيام و في السنة الأولى من المعهد دعاني زميلي ابن ( الشيخ عطية) من شيوخ السبع في منطقة بعقوبة (ديالى ) إلى زيارة والده في منطقه قريبة من بعقوبه وحينما وصلنا وعرفني بوالده وأثناء الحديث سألني من أي اعمام أنت ؟ قلت له أنا من الأيزيديه ، رحب بي ترحيبا ً حارا ً وقال بأنه على علاقة جيدة بأمير الأيزيديه تحسين بك وله صداقة قوية معه وسألني عن اسرتي فقلت له أنا من اسرة فقيرة . فأستفسر من أين تصرف على نفسك قلت له كنت اعمل مع بعثه امريكيه آثاريه وقد انهت اعمالها ولدي رأسمال يكفيني لمواصلة الدراسة لمدة سنة فتأثر بكلامي وقال لي وبعد سنه ماذا ستفعل ؟
قلت لابدّ أن ابحث عن عمل في الصيف لكي اواصل دراستي في السنة المقبلة.
سكت برهة وامعن النظر في وقال عندي فكرة قد تساعدك على مواصلة الدراسة من خلال ايجاد مورد من المال فاستفسرت ماهي ؟
قال : افتح نادي فروسيه من عدة خيول ولدي أصدقاء من الأجانب سوف اعرفهم بك وهم مولعين بالخيل وسوف يشتركون في هذا النادي لقاء مبالغ لا بأس بها، ومن جهتي سوف اساهم بأهدائك حصان وسأساعدك على تكوين هذا النادي .

كان الموضوع بالنسبة لي كالخيال ، ومشروع ظخم وكبير، من أين أستطيع تدبير مبلغ لشراء الحصن وتأجيرمكان مناسب لهذه الفكره وتنفيذها.
لكنه في صباح اليوم التالي قادنا بسيارته إلى بغداد وجاء إلى منطقة المسبح يتحرى عن المكان المناسب لهذه الفكرة، إذكانت غير مسكونة وفيها عدد محدود من البيوت لا تتجاوز العشرة . وكان يبدو عليه انه جاد في تنفيذ فكرته وفي اليوم التالي طلب أن ارافقه وعاد إلى ذات المنطقه في المسبح فوجدنا دارا ً للأيجار مساحة حديقته أكثر من ( 600 ) متر مربع والبناء عبارة عن مشتل طويل يحتوي على ثلاث غرف للسكن طويله مع ملحق فسأل عن مالك الدار من خلال لوحة الأيجار وذهبنا إلى صاحب المشتل ، الذي وافق على تاجيره بأسمي بمبلغ (12) دينار في الشهر .
سلمني مفاتيح المشتمل ونقلت اثاثي البسيطه ،من غرفتي ،اليها وبعد أيام قليلة جاء الشيخ ومعه الحصان الذي كان قد وعدني به وهو ابيض اللون جميل القوام يكنى (مايك ) .
سالته كيف تعطيني هذا الحصان الجميل بلا مقابل ؟
اجاب : هذا الحصان ربيته لأجل أن يدخل السباق ودربناه لهذا الغرض ، وعندما ذهبت به إلى الريسس في المنصور الذي يملكه الوصي عبد الاله و يحتكره ، من خلال خيوله وكل حصان جديد يدخل يجب أن يسجل في هذا النادي ويقدم إلى لجنة فحص طبية خاصة لبيان صلاحيته للسباق ، لكن هذه اللجنة كانت ترفع تقرير عن قابلية كل حصان وامكانية فوزه وفي حالة المواصفات الجيدة والمقبولة تكون مضطرةً للأعلام الوصي للعمل على ابعاده او افشاله في السباق كي تضمن خيول الوصي الفوز.

وبحزن قال الشيخ لقد سقطوا حصاني هذا ، الذي اشتريته بألف دينار ، وكان حينها مبلغا ً كبيرا ً وخياليا ً كسعر لحصان سباق .
فماذا افعل به ؟ إما ابيعه إلى العربنجيه يحملون عليه البضائع وبسعر زهيد أو أن اقتله بطلقه ناريه ( طلقة الصحه) لكن وجوده عندك هو الملائم سيعيش معززاً مكرماً واطمأن عليه بين الحين والآخر .
قلت سيبقى وحيدا ً، من أين اشتري حُصنا ً أخرى كي يكونوا مرافقين له ؟
قال لا بأس سأشتري حصانين عاديين وسيكونوا ثلاثة وذلك يكفي كبداية .
وفعلا ً خلال أسبوع اشترى حصانين بسعر (50) دينارا ً وذهبنا معا ً إلى الشورجه وجلبنا علف وخشب وحصران ومسامير وادوات ، وساعدني هو وابنه وقسمنا الفراغ الممتد من الدار إلى السياج الجنوبي إلى ستة خانات ، لستة حصن وبقي معي الشيخ وولده إلى ان اكملنا كل شيء ، و يؤكد انه سيدفع الأيجار والمصرف لحين ترتيب أمر وجود زبائن لي ، لم يمضي أسبوعين على ذلك حتى جاءني برفقة اجنبيين احدهم امريكي والآخر انكليزي.
قال لي الشيخ : إن هذين الشخصين الأجنبيين الأنكليزي والأمريكي يرغبون في الأشتراك في ركوب الخيل بشكل شهري وهم هواة لا يجيدون الركوب ، عليك تعليمهم .
واتفقت معهم أن يدفع كل واحد (20) دينارا ً كأشتراك شهري واخذتهم إلى الخيول وقلت لهم اختاروا الحصان الذي ترغبون امتطائه. وبعد الأختيار سنبدأ التدريب وقد استمر اشتراكهم لمدة أربعة اشهر . ودفعوا لي المبلغ ، فاصبح لدي رأسمال قدره (60) دينارا ًبعد الصرفيات اخبرت الشيخ بهذا الرصيد لكي نشتري المزيد من الخيل، بعد أيام جاءني وكان فرحا ً لأن فكرته نجحت وجلبت له الفوائد .
ذهبنا إلى باب المعظم إلى دلال خاص يبيع الخيل يدعى ( عباس ) كانت الخيل متواجده في خانات باب المعظم واقتنينا حصانا آخر صغير السن.
لم يمضي شهرين على ذلك حتى جاءني السكرتير الثاني للسفارة الالمانيه بعد أن تعرفت إليه عن طريق ( المير تحسين بك ) ولما علم أني املك خيولا ً وشبه نادي للفروسية ، استأجر الحصان الجديد وخلال ستة اشهر أصبحت املك ستة خيول وكان عندي سائس للأعتناء بالحصن وعامل ينظف المشتمل ويطبخ ويغسل الملابس كل ذلك في اقل من سنه على بدء العمل .
داومت في معهد الصحه بشكل طبيعي وبلا هموم ، وكنت في ذات الوقت اكتسب الخبرة في التعامل مع الخيول وتعلمت كيف اجدد نعالها عند الحاجه، وقد اكتسبت خبرتي في امتطاء الخيول منذ طفولتي في الشيخان حينما كنا نذهب نحن الأطفال لأستقبال الخيول العائدة من المرعى مساء ً ، الآتيه مع القطيع المختلط ، من البقر والحمير والجاموس.
ومع الوقت أصبحت املك ستة حصن وعدد من المشتركين غالبيتهم من الأجانب وأصبح لدي رأسمال لا بأس به فأشتريت لنفسي سيارة من نوع ( موريس شادر ) اذهب بها كل يوم إلى باب المعظم للدراسه في المعهد ، وأصبح لدي أصدقاء ومعارف من الأيزيديين الذين عملوا معي كعمال وطباخين منهم ( حيدر) من بيبان والآخر ( جوقي الملقب ب (عادل ) من باعذرة . وهومن الشيوخ ووالدته شقيقة (داؤد بك ) ، واستمريت على هذا الوضع لغاية عام 1957.

ومن الشخصيات التي زارتني في هذا المكان (تحسين بك ) لمرات عديدة و(درويش مجيور ) من الشيخان واحد وجهاء سنجار من بيت ( شيخ خلف) وهووالد العميد ( باشا ) الذي قتل في الحرب العراقية الأيرانيه بتدبير من صدام وبالأصل من أهالي بعشيقه و (خدر خديدا شرو) الذي كان نائبا ً يمثل الأيزيديه في البرلمان ومازلت احتفظ بصور فوتوغرافيه لهم أخذت في الموقع ، وايضا ً اذكر( قاسم حسون) و (خلف عرسان ) من تل بنات و (فقير جندي ) والد زوجة المير تحسين بك والكثير من اصدقائي مثل ( جوقي ) شقيق ( ماجو ) و (اسماعيل قرو ) وكانوا أول عمال من الشباب الأيزيديين يعملون في بغداد وقبلهم لم يكن ايزيديين فيها ،حسب علمي ، وتعارفت عليهم أثناء وجود الطالب ( حسن ديوالي ) من بحزاني في بغداد أثناء شرب البيرة في حدائق الفندق وكان يدرس مسائي.

آخر امتحان لي في معهد الصحه كان في شهر حزيران عام (1957 ) وكنت على وضعي والعمل في المشتل يتحسن ويتقدم . وقداشتريت قطعة ارض في الزهور في الموصل ،وحينها كانت المنطقة خالية من العمران وسعر المتر دينار واحد ومساحتها 600 متر مربع.
في الرابع عشر من تموز تفاجأنا بالثورة التي تزعمها عبد الكريم قاسم وعند الصباح في حدود الثامنة ايقضني السائس وقال لي :

كوم يا عمي ايكولون صارت ثورة وانكتل الملك ! .

عندما سمعت بمقتل الملك ارتجف جسمي كله وخارت قواي وصدمني الموقف وأنا اسمع مقتل الملك ، كنت اضن إن الملك مقدس لا يمسه سوء ، كان لدي (ماطور سكل ) احتياط استخدمه أثناء الأزدحام ، ذهبت لاستطلع ما جرى لأننا كنا بعيدين عن مركز العاصمه والمسافة بين المسبح والباب الشرقي كبيرة.

شاهدت الجمهور يتمواج ويملأ الشوارع ابتداء ً من السعدون والى باب المعظم مرورا ً بشارع الرشيد والشيخ عمر وشارع غازي ( الكفاح ) ولم يكن شارع الجمهوريه ولا الجسر الجمهوري مشيدا ً آنذاك . وبشق الأنفس وصلت الصالحيه فرأيت الناس يحطمون تمثال الملك فيصل الأول الذي كان يمتطي الحصان وشاهدت الدخان يصعد من مبنى السفارة البريطانيه ، و الناس تطيح بتمثال الجنرال مود الذي كان قريبا ً من السفارة البريطانيه . ولم أستطيع الوصول إلى باب المعظم من كثرة الناس.. لو قدر لك أن ترمي تراب في الهواء لما سقط على الأرض ، وسمعت من الحشود المتجمهرة إن جثة الوصي قد علقت في باب الدفاع وان البعض من الثوار قطعوا جسده وغمسوا اصابعهم بدمه ويتباهون بذلك .. رافعين أيديهم للأعلى .. هذا هو دم الوصي !.
لكن من اهم الحوادث في تلك الأيام حينما كنت واقفا في شارع السعدون ووجهي نحو ساحة النصر أمام محل ( راديومولار) الذي كان مالكه يهوديا ً وكان يعمل معه صديقي ( اديب حنا ) واصله من تلكيف ، حينما شاهدت الناس تتراكض نحو ساحة النصر ولم تمضي إلا دقائق لتجمع الآف المحتشدين، شاهدت الناس تلاحق سيارة سوداء وتركض للحاق بها ، ورأيت شخصا ً يركض ويصرخ وقد رفع اصبعه ويقول :
والله هذا دم نوري السعيد وقد قتل في سوق البتاوين أثناء تخفيه بملابس نسائيه.

اما بالنسبه لوضعي وخيلي فان البيان الثاني من بيانات الثورة كان قد الغى الريسس ومنعه وشكل هذا القرار كارثة لي حيث إختفى الأجانب جميعهم من بغداد ، أين ذهبوا؟ لا اعلم .. إلا اني لم أشاهد أحد من زبائني وبقيت اصرف على الخيول والأيجار من جيبي وهبطت اسعار الخيل من ألف دينار إلى سبعة دنانير فقط ، للحصان الرهوان الصالح للسباق ، فكان علي التخلص من هذا النادي والأيجار والخيول والعمال واعود لتدبير اموري من جديد .

وفي ذات الوقت بالذات انتظرتُ نتائج الأمتحانات النهائيه في معهد الصحه للسنة الأخيرة.

تخلصت من الخيول ببيعها بأبخس الأ ثمان واشتراها العربنجيه بسعر سبعة دنانير للحصان الواحد، وكان بيعي للحصان الأبيض ( مايك) الذي اهداني اياه الشيخ شيئا ً صعبا ً لن انساه طوال عمري وقد شاهدته في الحلم يجر عربة نقل وكان ينضح عرقا ً ووضع رأسه بين يدي يشكو لي حاله وما زلت اذكر هذا الحلم وأحيانا ً تدمع عيني من هذا المشهد ،عندما اتذكره . فقد كنت اسقيه البيبسي كولا من معمل البيبسي الذي كان يعمل فيه ( اسحق تمبل ) من أهالي بحزاني و اشقائه سالم وحكمت وودمن.

استأجرت غرفة مؤثثه في دار عند( فريده ) ، فارسية الأصل ، درست فن الحلاقه في امريكا ، لها صالون حلاقة للنساء الأجنبيات والغنيات من نساء العراق .
وكان يسكن معي في نفس الدار( علي غالب ) رئيس اركان الجيش العراقي في عهد نوري سعيد بعد أن احيل على التقاعد وعاش اعزبا ً.

دعاني لشراب فريد من نوعه ووضع لي خمسة قطرات فقط أو ملعقة شاي صغيرة وكان هذا الشراب شفافا ً ويشبه العسل قال لي تمسه بلسانك فقط انه مسكر قوي لحسته بلساني ،كان حلو المذاق ، وسكن معنا في نفس الدار شاب فارسي يعمل حلاقا ً للنساء منفصل عن فريدة ، وآخرً لبناني يعمل مديرا ً لأسواق( باي نير) الذي يقدم خدماته في نقل البضاعه للزبون مباشرة حسب طلباتهم إلى البيوت .

وفي الشهر التاسع من عام 1958 ظهرت النتائج ، كنت من الناجحين ، وتم تعيننا في المحافظات ، نسبت إلى كركوك وهناك في كركوك نسبوني إلى بابا نور ( بيباس ) التي تقع جنوب دربندخان وشمال جلولاء ، وتعتبر من النواحي النائية والبعيدة ولا يمر منها الا طريق ترابي قامت بفتحه شركة امريكيه من جلولاء إلى دربندخان حيث لم يكن هناك سدا ً بعد ، وجمدت الشركه اعمالها بسبب قيام الثورة.
كان نظام العمل في المركز الصحي يعتمدعلى الموظف الصحي حيث لا يوجد طبيب ولا مضمد ولا ممرضه وكنت أنا الوحيد مع الفراش فقط .

ولكونها منطقه نائيه ومتخلفة فقد شملها قرار خاص ينص على نقل الموظف منها بعد ستة اشهر فقط بعد استكمالها ، لكني اصبت بالأرهاق بسرعة ولم اطق تغيير الاجواء بهذه الحدة من بغداد العاصمه إلى منطقة نائيه ومعزولة ، واصبتُ بنوبة عصبيه الأمر الذي اضطرني إلى تسليم المستوصف بما فيه من مواد وادويه إلى الفراش بعد شهر واحد من مباشرتي . وعدت إلى كركوك لمراجعة رئاسة الصحة وكان حينها الدكتور ( عثمان) من اربيل ، كان انسانا ً طيبا ً وعادلا ًقلت له تركت المستوصف وأنا اقبل بأية عقوبة أو نتيجة ولا أستطيع العودة .

اجابني : ابقى هنا في المستشفى الجمهوري في كركوك لحين نبت في امرك ، لم اعلم انه كتب إلى بغداد حول تصرفي اللاقانوني ، وبعد أربعة اشهر ورد أمر اداري من بغداد يتم بموجبه نقلي من بايانور إلى شهربان ( المقداديه ) مع قطع راتب لمدة ثلاث أيام وهو اجراء بسيط . وفي المقداديه كان رئيس الصحة من اقرباء العائلة المالكه ، وجدته خائفا على نفسه ، ويتظاهر بالبساطه والتواضع ويتحسب من الوضع الجديد ، ذهبت لمقابلته وأنا احمل حقيبة دبلوماسيه فيها مستلزماتي الشخصيه ، نهض من مكانه واستقبلني استقبالا ً حارا ً ، ضانا ً منه أني رجل دولة مهم ، وقال لي ماذا أستطيع أن افعل لك ؟
قلت له أني الموظف الصحي الجديد المنسب اليكم في شهربان ، وأنا طلبت خانقين لماذا يعينوني في شهربان ؟
نهض من مكانه معتذرا ، واخذ يهدأ بي ، اذهب وسوف اطلب نقلك من شهربان الى خانقين .داومت في مستوصف شهربان وكان فيها مستشفى ايضا ً وبعد شهرين استلمت أمر اداري فيه أمر نقلي إلى خانقين ، فسافرت وسجلت حضوري هناك وعملت في قسم الصيدلة ، وعندما كنت في شهربان حدثت بداية الخلافات بين عبد الناصر وقاسم وشاهدت أهالي شهربان يحملون بعض المدرسين المصريين وهم مرتدين البجامات على اكتافهم وفي مسيرة تضاهريه ضد مصر وجمال عبد الناصر ، استأت من هذا المنظر وتحدثت بصوت عال يؤكد انتقادي لهذه الحاله واذا بالطبيب يجرني من كتفي بقوة نحو الغرفه خوفا ً علي وعلى الآخرين وبقيت في هذا المركز الصحي الكبير الذي يشبه المستشفى لغاية15/9/1959







صباح كنجي
ايار2006

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *