الرئيسية » مقالات » من يوميات مهاجر.. حكاية جيل

من يوميات مهاجر.. حكاية جيل


في مطلع عام 2000 انبرى عدد من المثقفين العراقيين لتشكيل المعهد العراقي الأوربي وقتها كلفت باجراء حوار مع مهاجر أي مهاجر تهيئا ً للعددالأول من المجلة التي كان ينوي المعهد اصدارها آنذاك .
وحينها تراودت إلى ذهني فكرة أن ابحث عن شخص من مواليد(1968 ) وهو الجيل الذي رافق مسيرة اغتصاب السلطة من قبل حزب البعث في تموز والذي أطلق عليه ( جيل الثورة ) .
وهكذا بدات حواري مع مواطن عراقي لم أكن اعرفه مسبقا ً ولم تكن لدي أية خلفية عن ماضيه وقد جاء اختياري له بالصدفة ، وكانت هذه الحصيلة التي اضعها أمام القراء.

انها قصة المهندس المدني مهدي السوماري من مواليد (1968 ) بغداد .
يقول مهدي :
انه من مواليد بغداد وهو خريج كلية الهندسه المدنيه / بغداد اعزب من عائلة متوسطة الحال ، كان أبيه تاجرا ً، وقد تخرج عام ( 1991 ) ولم يعمل في قطاع الدولة بل مع والده في تجارة الخشب من خلال البيع والشراء بالجمله .

واللغات التي يجيدها مهدي هي العربيه والأنكليزيه والكرديه والألمانيه.

يقول عن نفسه:

لغاية الثامنه عشر من عمري كنت هادئا استمع للآخرين ولم اشارك في الأحاديث كنت ( غير فعال ) ، لكن كنت ادافع عن نفسي بقوة عند الضرورة.
وفي المدرسة كنت متفوقا ً وكذلك في الجامعه ،خاصة في علوم الرياضيات والفيزياء، رغم ميلي لقراءة القصص من عمر التاسعه حيث كان يشجعني ابي على قراءة الأدب العالمي ويوجهني لأختيار اهم الروايات .
كانت لابي اهتمامات بالسياسه رغم انه مستقل وهوخريج كلية التجارة جامعة بغداد عام 1967.
اعتقل الوالد عام 1983 بسبب توجيه تهمه له من قبل ضابط امن المنطقه الذي كان جارنا بسبب الاختلاف الفكري ( بقي أبي ثلاث اشهر في التعذيب ) ، والحادثه كانت يوم الثلاثاء صيفا ً في تمام الساعه (12) ليلا ً، قرع الجرس وكانت فترة الحرب العراقية – الأيرانيه واعتقدنا أنهم من الجيش الشعبي، الوالدة ذهبت لفتح الباب وكنا أنا وأشقائي نتابع مسلسل مصري في التلفزيون.
ذهب والدي إلى غرفة الضيوف وهي غرفه من زجاج مطلة على الحديقه وذهبت معه لمشاهدة الطارق في هذه الساعة المتأخرة من الليل،وسمعنا نقاش والدتي مع شخص يدعي انه صديق أبو عزيز (والدي) .
قالت لهم انه غير موجود وذهب الى الموصل .
قال لها هذه سيارته وشاهدته دخل الدار وكان كل هذا الحديث لحد الان من وراء الباب ، فلم ينتظر الطارق فتح الباب بل قفز من فوقه وقفز معه شخص آخر من فوق السياج ونزلوا إلى الحديقة واشهروا مسدساتهم في وجه أبي.
خرجت نحوهم مسرعا ً، وناداني احدهم فأمرني بجلب المفتاح وفتح الباب واخذوا والدي معهم بسيارة كرونه موديل 1981.
تابع الجيران الموقف من فوق الأسطح في بداية ذلك الصيف.
جاء جارنا وفسر الموقف للتخفيف عنا لعلها تتعلق بأمر اقتصادي أو تجاوز، قلنا نتمنى ذلك لكن المسألة ليست هكذا كما تتصور.
بالرغم من بعد أبي عن السياسه لكنه لم يكن على وفاق مع الحكومة وسياساتها ويمقت اجراءاتها، وهو أيضا ً شخص مثقف وخريج كلية لذك لم نكن نخشى من تهمة سياسيه ضده .
لكن الوضع في العراق لا يطمأن فالحرب وجملة الأجراءات المرافقه لها لم تدع عائلة لم تطالها اجراءاتها السافرة والمقززة، وهكذا حاول البعض من الجيران تهدئة والدتي والتهوين من الموقف الغامض .
وبحكم علاقة والدي الوثيقة والطيبه مع التجار والمقاولين حاولنا أن نتصل بأصدقاء له لكن لم يستحب احدا ً لمحاولاتنا خوفا ً من زجهم في موقف لا يحسدون عليه وتحسبا ً من غدر رجال السلطة .
وبعد ثلاث اشهر طويلة وقاسيه علينا وعلى الوالد عاد الينا بسيارة فيات ايطالي بيضاء اللون بصحبة عدد من رجال الأمن دخل الدار لوحده، لا زلت اذكر تلك المفارقه يوم اخذوه بملابس النوم ( الدشداشه البيضاء ) وعودته الينا اليوم لكن بدشداشة سمراء تميل للاسود لكنها نفس الدشداشه التي تغير لونها داخل السجن كما تتغير كل الأشياء بما فيها النفوس.
لقدعاد أبي كئيبا ً فاقدا ً من وزنه أكثر من ثلاثين كيلوغراما ً، كان بعد عودته لا يتحدث الينا عما جرى له ، فقط يجول داخل الغرفه ويعد ،واحد اثنان ثلاثه اربعه ويعود ليكرر واحد اثنان ثلاثه اربعه ،عادة جديدة إكتسبها وهو في زنزانته المنفرده داخل جهاز الأمن .
إلى أين اخذوه؟! وماذا حدث معه ؟ ! كان ذلك لغزا ً كبيرا ً لم نعرف شيئا ً عنه لحد اليوم ..
أما انعكاسات هذه المسألة علىّ فقد حاولت التحدث مع زملائي في المتوسطه عن الموضوع لكنهم كانوا يقولون لعله فعل شيئا ً وإلا لماذا تعتقله السلطة ؟!
ودفعتني الأسئله التي لا اجد جوابا ً لها للبحث عن كتب تحلل جوهر السلطة وممارساتها وكنت أعيش حالة من عدم الأستقرار النفسي والفكري بسبب الأوضاع الشاذة المرافقة للحرب التي كانت تحاول دحر ارادة الإنسان وتحويله إلى كائن لا ردود فعل له ، وتوصلت الي قناعات إن السلطة تضحك على الجماهير ولا تقدم لهم إلا الكذب وتطورت هذه القناعات لتصبح حالة تمرد على الوضع خاصة بعد وصولي للجامعه ووجود البعض من أبناء الذوات من المسئولين في كليتنا لحين تخرجي من الجامعه عام 1991.
بعد تخرجي من الجامعه انخرطت في صفوف الجيش مع زملائي الخريجين وهم 300 مهندس وكان الضابط المكلف بتدريبنا يحاول اهانتنا ويأمرنا بالنزول في برك مملوءة بالأوساخ لذلك قررت عدم الدوام من خلال شراء اجازات دوريه منتظمة بالرشاوي وأخذت اعمل في محلات والدي لحين انتهاء مدة الخدمه العسكريه وهي سنه ونصف.
وفي عام 1983 حدث معي قضية أخرى لا زلت اذكر تفاصيلها ولا يمكن أن تمحو من ذاكرتي وتتعلق بالحصص التموينيه التي توزع على العوائل من خلال الدكاكين في المحلات حسب عدد النفوس والتي يشرف عليها رجال من السلطة بالأضافةالىالبائع كان ذلك في صيف عام 1993 حينما ذهبت لأستلام حصة عائلتي من وكيل المواد الغذائيه وحسب الأصول ،وقفت في الرتل مع بقية المواطنين بعد أن سلمت البطاقه إلى المسؤول المشرف على التوزيع ، وانتظرت طويلا ً لكن اسمي لم يأتي مع بقية المواطنين لأستلام الحصة، وحينها قلت للمسؤول المشرف أين البطاقه ولماذالا تعطيني حصتنا ؟
قال أنت ليس لك بطاقه تموينية ، اكيد انك نسيتها في البيت وشاهدته يسحب بطاقتنا من بين الاوراق ويخفيها في جيبه ، كان هذا يجري مع الآخرين ممن لم ينخرطوا في صفوف حزب البعث .
لذلك استفزني الموقف ورفضت الأذلال الذي يوزعه ممثلوا النظام على المواطنين بدلا من المواد الغذائيه ، فلم أتمالك نفسي وانفجرت بوجهه غاضبا ً اُكيل له الضربات ردا ً على اهانته لي ولبقية المواطنين .
ومع ذلك اليوم بدا فصلا ً جديدا ً في علاقتي بالوضع في العراق ويأست من أية حالة انفراج فيه ، فقررت مغادرة العراق وأخذت افكر بشكل جدي بالأمر ، رغم التحولات السيئه في وضعنا كعائله ، فقد انهارت امكانيات والدي الأقتصادية واضطر لتصفية مشاريعه الواحد بعد الاخر مع الزمن وكان يقول العراقيون قد اصبحوا على الحديدة.
وفي عام 1995 شجعني أبي ، رغم هذه الضروف ، على الخروج خوفا ًعلي من انتقام السلطة، لكن محاولاتي فشلت ، وفي عام 1998 تفاقمت الأمور من حولنا وبدأنا نشعر بالأختناق من جراء ممارسات السلطة ، فقررت بشكل نهائي السفر إلى الخارج مهما تكن العواقب .
وبدات إجراءات السفر من خلال وساطات أصدقاء لوالدي من التجار ، وبعد دفع رشاوي أكثر من (15) ألف دينار لوسيط يعمل مع أجهزة الدولة حصلت على باسبورت وباع أبي سيارته الخاصة واعطاني المبلغ(3800) دولار وتوجهت من بغداد إلى عمان في الأردن ، بسيارة نقل مستأجرة مع اثنين من زملائي ودفعنا مبلغ (60) ألف دينار ، لكل واحد (20) ،وصلنا عمان بعد (17) ساعة بعد أن توقفنا طويلا ً للتفتيش في نقطة طريبيل وبقينا في عمان (40) يوما ً استأجرنا فيها دارا ً للسكن ولحق بنا والد احد الزملاء ورتب من خلال اتصالاته امور سفرنا نحو أوربا، لكن المبلغ الذي كان بحوزتي لم يكفي للسفر فاقترضت من عمي مبلغ ألف دولار.
وطلب منا المهرب مبلغ 4600 دولار عن كل شخص لقاء ايصالنا الى أوربا والمانيا بالذات .
وبعد أربعون يوما جلب لنا فيزة رومانيه ، ونزلنا في مطار بوخارست ، في المطار دفعنا مبلغ خمسون دولارا ً وضعناها داخل الباسبورت لأجل تسهيل أمر خروجنا من المطار بدون اشكالات أو معوقات ، وكانت أول مرة انتقل فيها بالطائرة.
بعد خروجنا من المطار استقبلنا شخصان من شبكة المهرب الذي تعامل معنا في الأردن وأضافوا الينا شخص رابع عمره يتعدى الخمسين عاما ً بالأضافة إلى عائلة مكونة من رجل وإمرأة دون اطفال .

وأخذنا هؤلاء إلى شقه تعود لهم داخل بوخارست وبقينا نحن السته فيها لمدة أسبوع وكانت تصل كل يومين وجبات جديدة إلى أن بلغ عددنا (27) فردا ً جميعهم عراقيون( اكراد وعرب وسريان وكلدان ) بعضهم عوائل كاملة مع الأطفال والصبايا .

بقينا في بوخارست (40) يوما وكانت الفيز الممنوحه لنا لمدة ثلاثون يوما ً فقط لذلك لم يسمح لنا بمغادرة الشقه نهائيا ً وبقينا كالسجناء.
غادرنا بوخارست بالقطار إلى منطقه تسمى ( تيمي شواره) ومنها إلى قرية سياحية بالسيارات تسمى (آراب) استقبلنا فيها شخصان رومانيان ..
بقينا أسبوع في آرات وكان شتاء ً قاسيا ً كل 2 – 3 أفراد في غرفة على أساس إننا كروب سياحي وكان مالك البيوت السياحيه مشترك معهم..
بعد أسبوع في المدينة السياحيه ، جاءنا شخص لا ادري ان كان سوريا ً أم لبنانيا ً وقال أريد ستة أشخاص منفردين ليسوا ضمن العوائل ، واختارنا نحن الأربعة بالأضافة إلى شخصين هما الزوج والزوجة الذين كانوا معنا في الطائرة ، استقلينا سيارتين فجرا ً وبعد ساعة وصلنا دار رومانية على الحدود لا اعرف اسمها وبقينا هناك في الدار (3) أيام وفي اليوم الرابع الساعة السادسة عصرا ً جاء الشخص السوري /اللبناني واعطانا قلم حديد وشاكوج(مطرقه) واربعة قناني ماء مع أربعة بيضات مسلوقة و قليل من الخبز ، وطلب أن نضبط ساعاتنا عندما يبدا القطار بالحركه والسير من هناك إلى مدينة منشن الألمانيه مؤكدا ً إن الوقت يستغرق (18) ساعة بالضبط بدون حساب التوقفات .
وطلب منا أن نستخدم القلم الحديدي والمطرقة في كسر أسفل العربه أثناء سير القطار وعدم احداث أية حركه أو صوت أثناء التوقف.
في الساعة الثامنة مساء ً جاءت سيارتان واخذتنا مسافة (20) دقيقه وتوقفنا في شارع عام أمام ساحة فارغه وتوجهنا مع شخصين رومانيين لمدة عشرة دقائق بشكل سريع كنا ننحني خلالها لحين وصولنا الى ساحة توقف قطارات شحن ،فيها عددا ً من القطارات ، دخلنا بين السكك وفتح لنا الرومان احد ابواب فاركونات القطار الثالثه وبعد دخولنا تم ختم الباب من الخارج بالشمع الأحمر.
كانت درجة الحرارة دون الصفربكثير وإتقاء ً للبرد القارس كنا نرتدي ملابس واقية للبرد ولففنا ارجلنا بالنايلون والجواريب السميكه ( جوارب ،نايلون، ومن ثم جوراب آخر ومن ثم نايلون آخر) وبعضنا ارتدى أربع أو سته جواريب سميكه بالأضافة إلى بوت مبطن وملابس صوفيه سميكة ومعاطف واعطونا بطانيتين صغيرتين تعط منها رائحة البول لأستخدامهاحاجزا ً في أحدى الزوايا للمرافق صحيه .
وبعد أربعون دقيقة من حركة القطار وصلنا الحدود الهنكاريه للتفتيش ، توقف اثناءها القطار لأكثر من خمسة ساعات متواصلة ، كانت قاسية ومدمرة لنا حيث لم نستطيع الحركة وتجمد الدم في عروقنا ، وبعد هذه الساعات الطويله تحرك القطار من جديد فأخذنا بالحركة لكي يدور الدم في جسدنا وبدانا العمل في تكسير الخشب داخل ارضية الفاركون لأجل فتح كوة للخروج منها لاحقا ً ،كان سمك الخشب ثلاثة انجات تقريبا ً و البداية صعبة للغاية حيث لم يفلح الشاكوج بكسر الخشب الصلب، وتعرضنا لمخاطر تبدلات العربات خلال الطريق حيث كانت هذه العملية تؤدي إلى اصطدام العربات بقوة ببعضها فتدفعنا للأصطدام بجدران العربه وكادالبعض يموت أثناء تصادم رأسه وجسده بالجدران بقوة لا نستطيع مقاومتها…
كان القطار يسير 3-5 ساعات ويتوقف ( 10) ساعات وبعد مرحلة لم نكن نحس بأرجلنا من البرد القارس وافتقدنا الطعام والماء وكادت مشكلة البرد القارس تؤدي بنا للموت من جراء التجمد .
وبعد ساعات طويلة من التوقف والسير تجاوزت (58) ساعة انهار احدنا وقال لا احتمل وساخرج بأية وسيلة ولتكن العواقب ما تكن .
وقال اذا لا يجدوا لنا مخرجا ً سوف ادق على الباب لأخرج وليحدث ما يحدث لنا جميعا ً، كنا حينها نلتصق الواحد بالآخر بحثا ً عن الدفىء والحرارة ، وشبك احدنا وكان ضخم الجثة الشخص المذكور لمدة خمسة دقائق لكنه تجمد هو ايضا ً ، وأخذت المرأة تئن بأستمرار وزوجها يحاول تهدئتها.
كان الطريق الذي سلكناه انتحاري وخرجنا من موت النظام لنواجه موت المهربين بعد أن اخذوا منا كافة المبالغ وتركونا لهذا المصير المجهول.
قررنا النزول في التوقف القادم للقطار من الفتحة التي في أسفل القطار كان ذلك يوم الأحد وبعد أن تسللنا الواحد بعد الاخر وجدنا قطار نقل عادي بالقرب منا وسهل معرفتي البسيطه باللغه الالمانيه في اقتناء كارت ركوب من نوع نهاية عطلة الأسبوع وكذلك افلح البعض منا في الأتصال بأصدقائه وذويه في المانيا .
وبعد رحلة (12) ساعة في القطار داخل المانيا وصلت إلى مدينة هامبورك .

لن احدثكم عن معاناتي في المانيا منذ وصولي اليها والأجراءات غير الأعتياديه التي مررت بها سواء ً استهزاء المحقق بي وعدم امانة المترجم بعد أن تم نقلنا إلى القسم الشرقي من المانيا ومرور أكثر من سنتين ونصف في الكمب بسبب عدم منحي قرار اللجوء، إلا بعد ثلاث سنوات من المعاناة والألم..
تلك هي قضيتي بأختصار وذلك هو جزء من يومياتي كمهاجر داخل الوطن اولا ً ومن ثم خارجه ولا ادري .. كم سيطول بي الزمن لحين عودتي للوطن وبغداد واحبتي ذلك هو جزء من المجهول … الذي أأمل أن لا يطول ..


صباح كنجي نيسان 2000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *