الرئيسية » مقالات » مطبخ السفير العراقي في برلين!

مطبخ السفير العراقي في برلين!

في السادس والعشرين من حزيران من هذا العام ، طلب مني مواطن كردي عراقي لا يجيد العربية السفر معه إلى برلين لأجل مساعدته في الحصول على وثيقة باسبورت عراقي وهو اجراء مطلوب من الكثير من العراقيين في هذه الأيام بالحاح من الشرطة الألمانية التي تطالب العراقيين بجلب وثيقة عراقيه ، ويشمل الأجراء الآلاف من المرفوضين ممن علقت طلبات لجوئهم أو رفضت نهائيا ً ومهددين بالترحيل والأرجاع او الأبعاد إلى بلد آخر ثالث ، ولكوني من العاملين في ميدان حقوق الإنسان ، غالبا ً ، ما يستنجد بي من ضاقت به السبل ، وكعادتي اسرع في تلبية هذه المطالب المشروعة.
لكنني في هذه المرة ترددت كثيرا ً وحاولت أن اجد البديل لي لمرافقة صديقي الكردي وهكذا استطعت تأخير طلبه لأسبوعين من بداية الأسبوع الأول في حزيران ولغاية التاريخ المذكور أعلاه ، عسى أن يغض النظر عن الموضوع أو يلغيه فاتخلص من هذه المهمة .
اشد ما يزعجني من أمور هو مراجعة دوائر الدولة وبيروقراطيتها القبيحة والأسوء من ذلك إن كانت هذه الدائرة بمستوى سفارة.

وما ادراك ما السفارة !

عشنا وشفنا… الدولة بكامل مؤسساتها كانت ضدنا نحن المواطنين، الدولة طاردتنا، جوعتنا ،قتلتنا، سحقت امانينا وضاعت سنين عمرنا مطاردين منها ومن سفاراتها.
هل ينسى العراقي بهذه السهولة موقف الدولة المعادي منه ومطاردة مؤسساتها له؟!
الم تكن السفارات اوكار للمخابرات والأمن وكل السفلة من دونية القوم ، من رهط البعثيين والمجرمين.

من هنا مبعث انزعاجي فأنا لم ادخل سفارة عراقية لحد اليوم ولا أريد أن اتقرب من بابها فالحاجز النفسي مازال يفعل مفعوله وصورة السفارة ، كمؤسسة قمعية ، في ذاكرتي مازالت محفوظة في القسم الحار منها ، ويزيدني اصرارا ً على عدم الذهاب ما حدث في مؤتمر الجالية العراقية في برلين بعد سقوط النظام وتلك الفعالية الرائعة للعراقيين بالقرب من مبنى السفارة التي استلمها السيد( علاء الهاشمي ) الذي كان يسكن في هامبورك حيث لم يتواضع وياتي لحضور مؤتمر الجالية الأول وتذرع باعذار من تلك التي توصف اقبح من الذنب .

و حينها كتبت موضوعا ساخرا ًعن ( مشاركة) السفير في مؤتمر الجالية لكن الصديق غالب العاني طلب مني عدم نشره لكي تتوفر فرصة لأصلاح الموقف ، فقد كان السفير من الأصدقاء الذين نلتقي بهم في دار الهدى للمسلمين والتي شهدت نشاطات لحقوق الإنسان وكذلك حضر في أحدى اجتماعات حقوق الإنسان حينما كان في المعارضة أي إن العلاقة معه كانت وديه وسلسة ولا يوجد ما يبرر تصرفه في عدم حضور مؤتمر للجالية عقد على بعد امتار من مبنى السفارة في برلين بعد أن استلم المنصب الرفيع كممثل للعراق والعراقيين في جمهورية المانيا الأتحاديه ، وكنا نحن سكان هامبورك نتباهى به لكونا لسنا من الطائفيين ولذلك ادعينا إننا من ( اقرباء ) السفير على اعتبار إننا من سكنة مدينة واحدة ، والأنتساب لهامبورك المدينة الألمانية لا يتضمن صفة سيئة أو قبيحة من التي يتباهى بها الطائفيون من شتى الأصناف والألوان.

المهم قررنا السفر وقد حجز صديقي بطاقتين في الباص وانطلقنا إلى برلين منذ الصباح الباكر وفي برلين استأجرنا تاكسي للوصول إلى السفارة ، وفي العاشرة صباحا ً كنا أمام مبنى السفارة.
كان بابها موصدا ً وعدد من العراقيين يربو عددهم على العشرين جلهم من الشباب مع عدد من النساء والأطفال ينتظرون.
سألتهم ما القصة لماذا لا تدخلون؟
اجابني أكثر من صوت لا يفتحون الباب فكيف ندخل؟
نظرت إلى زوايا الباب واطرافه لم يكن ثمة اثر لجرس كي اقرعه أو غيري لتنبيه من في الداخل والمسافة الفاصلة بين الباب الخارجي وبناية السفارة تتعدى الثلاثين مترا أو أكثر،
يقال : إن اجار السفارة ثلاثة ملايين يورو في السنة !
بعد أكثر من عشرين دقيقة جاء شخص ما يبدو عليه انه موظف ووقف أمام الباب من الداخل من دون أن يبادر إلى فتحه ، ملامح وجهه تتسم بالجمود وله عيون مخادعه ذكرني بالوجه المقيت لحارث الضاري الذي يترأس هيئة علماء المسلمين المخابراتية البعثية .
استفسرت منه بلهجة تهكمية لماذا لا تفتح الباب للمراجعين؟ ومن المسؤول عن هذا التصرف اللاانساني الذي هو اقرب إلى سلوك البعثيين وعدم احترامهم للبشر في معاملة الناس؟
ارتبك وبدت عليه الحيرة وسط همهات المتجمعين التي استحسنت حديثي فامرته بفتح الباب وتسهيل أمر المراجعين.
فتح الباب واخذ يدخل الناس تباعا ً اثرت أن أكون الأخير كي ارى ، حيث كان يفتش كل شخص ويطلب من النساء فتح حقائبهن ويبدو أنها إجراءات تأتي ضمن التحوطات الأمنية المطلوبة ولا اعتراض على ذلك.
دخلنا السفارة بعد أن إجتزنا ممر طويل يمر من وسط حديقة كان يعمل في ترتيب حشائشها المانيان رجل وامرأة.
دخلنا مبنى السفارة وكان عبارة عن صالة فارغة فيها جهاز استنساخ حددت اسعاره بعشرين سنت للورقه الواحدة وهو مبلغ كبير قياسا ً للأسعار في المانيا وهي بين خمسة – عشرة سنتات في كل الأماكن ، والسفارات الأخرى فيها الأستنساخ مجاني و في داخل الصالة غرفة موصدة الباب دخلها الشخص الذي فتح الباب الخارجي واوصد الباب خلفه بعد أن اخذ الهوية التي كانت بصحبة صديقي الكردي ، وغير ذلك كانت ثمة تواليت صغيرة وسخة ، وثلاجه موضوع فيها مرطبات تعمل اتوتماتيكيا ً ومدخل آخر يفضي الى صالة ثانية فيها عدد من الكراسي لم تكن كافية لعدد المتواجدين الذين فاق عددهم الستين مراجعا ً ومراجعة مع عدد من الأطفال، وتلفزيون كان يعرض محاكمة صدام من دون صوت رغم مناداة الناس والحاحهم لسماع الصوت لكن لم يكن مستجيب لهم ، وفي وسط الصالة الثانية كان ينتصب باب مغلق يودي إلى حيث يتواجد الموظفين الذين ينتظرهم المتواجدين في الصالة لاستكمال معاملاتهم وانجازها.
انتظرنا أكثر من ساعة لم يفتح الباب ولم نرى موظفا ً.
سالت هل هناك نظام يرتب اسماء المراجعين واسبقية اللقاء بهم وانجاز معاملاتهم؟
لا…
وتابعت اسئلتي هل يوجد استعلامات ؟
لا….
اذن كيف سننجز المعاملة ؟
انتظر…
ومضت ساعتان
ذهبت للشخص الذي فتح لنا الباب الخارجي وقلت له من ينظم المراجعات؟ كيف سندخل ؟ قال انتظر سينادونكم….. طلبت منه مساعدتنا لأننا سنرجع إلى هامبورك والباص سيتحرك في الرابعة
بعد ساعتين نادوا على صديقي …
انتفضنا سوية بعد أن فتح الباب حاولت الدخول معه كمترجم لكن الموظف تحجج لمنعي من الدخول مؤكدا ً أنهم سيذللون المشكلة ، ودخل صديقي انتظرت خروجه لأكثر من ساعة لكن الباب لم يفتح واعلن احد الموظفين وجود ساعة استراحة .. يا الهي متى سننتهي ؟
خرجت من الصالة بفعل الحر الشديد كي اتنفس الهواء في الحديقة وجدت صديقي واقفا ً في الشارع خارج البناية وراء الباب.. انذهلت واسرعت نحوه ما القصة لماذا أنت في الخارج؟ اجاب بمرارة والم قالوا لي:
أنت لست عراقي واخرجوني من باب خلفي إلى هنا ، كما تراني!
قلت له ثمة آخرين سوف اسلم عليهم وسوف احاول انجاز معاملة وكالة عامة طالما هناك متسع من الوقت…
خلال تواجدي في الصالة اشتكى لي عدد من المتواجدين وادعوا أنهم جاءوا لثلاث مرات لحد الان ولم تنجز معاملاتهم، وآخرين عبروا عن اشمئزازهم من سوء المعاملة ونفورهم من سلوك الموظفين وجلهم من العاملين في السفارة من العهد الصدامي، آخر قال انه اشترى باسبورت ب300 دولار بأسم مزور ويحاول تصحيحه إلى الأسم الأصلي لكن الموظف يرفض وهدد المواطن بتهمة الأرهاب إن لم يسكت فلجأ المواطن إلى الطابق الأعلى و استدعى السفير وقال له هذا الموظف اخذ مني 300دولار لقاء باسبورت مزور وباسم مستعار واشرعلى الموظف الذي كان يجلس وراء كمبيوتر شخصي وهو شاب اسمر اللون واصلع يجلس في مواجهة الباب ( إن ارادت لجنة النزاهة أو وزارة الخارجية الأسم اوالتفاصيل بأمكاننا تزويدهم بها ).
وهكذا تستطيع أن تسمع من كل مراجع قصة لا تليق بابسط مستلزمات حقوق البشر وسوء إدارة السفارة ، ولو نظرت إلى الجدران والأوساخ المتراكمة عليها لما تصورت نفسك إنك في مقر لسفارة بل انك في مطبخ من النوع الرديء والسيء وان اردت أن تستخدم القذر في الوصف لن تجانب الصواب وستكون على حق.
مضت ساعة اخرى والباب مغلق والناس تنتظر بلا جدوى اخذ البعض يشتم ويسب ووقف شاب أمام الباب وبدأ يوزع شتائمة على الموظفين ابتداء ً من السفير وكانت كلماته النابية موضع استحسان الجمهور في حين حاول احد الموظفين من ايقافه ومنعه من السب والشتم لكنه لم يفلح … وعلق احد الحاضرين على المشهد هم زين عدت على خير غالبا ً ما يلجأ الموظفين إلى ضرب الناس والأشتباك معهم بايدي وقد شهدت حادثتين .
فاستفسرت منه هل هم موظفين أم عصابة ؟
قال لي الوصف الثاني هو الأدق والأصح….
دخلت الصاله في تمام الثانية ، وكنت قبل أن أأتي إلى برلين قد استنسخت من خلال موقع السفارة على الأنترنيت * ورقة الوكالة مستفيدا ً من الوقت في انجازها وحينما قدمتها للموظف (الذي قال لي احد المتواجدين في السفارة انه أفضل موظف ويتعامل مع الناس بطيبة).
قال لي:
هذا النص قديم واعطاني نسخة جديدة من عنده وطلب مني استنساخها ثلاثة نسخ وبعد تقديمها له مجدداً قال فيها خطأ ويجب استنساخها قبل الكتابة اعدت المحاولة من جديد واستلمت ورقة الوكالة بعد إن دفعت مبلغ 26 يورو ولست ادري ما الذي دفع الموظف للسؤال هل خدمت العسكرية فاجبته بلا … مؤكدا ً أني من المعارضين للدكتاتورية السابقة وحروبها وكنت في الموقع الصحيح في صفوف الانصار والبيشمركة بدلا من مواقع الدكتاتورية وتشكيلاتها القمعيه وانتبهت إلى إن الموظفين السته في ذات القاعة يتتابعون حديثي بانتباه وفضول فأستثمرت الموقف معلقا ً ليس من الصحيح ان تتجمعوا في غرفة واحدة، ولا تنجزون معاملات الناس انكم تؤذون أنفسكم والمراجعين، ويجب أن تحلوا المشكلة بالتواجد حسب الأختصاص في غرف مستقلة ،و إن هذه الصيغة من العمل غير مقبولة وهي ليست حضارية.
خرجت من السفارة بعد الثالثة والنصف وكان غالبية المراجعين ينتظرون .
وفي الطريق إلى حيث موقف الباص للعودة إلى هامبورك حدثني صديقي الكردي عن تفاصيل التعامل معه قال: سالوني من أين أنت؟
قلت : لهم من زاخو .
وطلبوا مني التحدث الى شخص في التلفون وهذا الشخص قال لهم أني لست عراقي فاخذوا مني الهوية وصوروها وقالوا لي سنكتب إلى الشرطة الألمانية انك لست عراقي .. أنت بلا وثائق وكانت هناك موظفة كردية تعمل في السفارة من زمن صدام لم تعلق وقالت فقط يقولون انك لست عراقي ، وقد استغرق ذلك عشرة دقائق فقط ليقرروا مصيري .
عاد صديقي بخفي حنين وكانت السلطات الالمانية قد ضيعت وثائقه بشهادة محامي الماني يتابع قضيته وبعد أيام وحسب كتاب السفارة العراقية التي تنكرت له فقد المسكين عملة الذي كان يزاوله منذ ثماني سنوات حيث تمت وبناء ً على ما ورد في كتاب السفارة سحب ورقة العمل منه ومنع من مزاولة العمل..
وفي هامبورك وبعد لقاء الخميس الذي يحضره عدد من العراقيين من المتابعين للشجون العراقية
تحدثت لهم عن السفارة ومشاهداتي …
علق احد المطلعين .. إن السفير علاء الهاشمي لا يهتم بشيء منذ استلامه السفارة إلا بالتجارة والتجار وكل وقته وامكانيات السفارة موجهة لهذه الغاية وهو من الاشخاص الذين كانوا يستثمرون الأموال في البيوت والشقق السكنية في هامبورك وتحدث عن تفاصيل استغلاله لأوضاع العراقيين وفرض مبالغ عالية عليهم تزيد على الأيجار نفسة كأجور للماء والكهرباء الذي من المفترض أن يكون ضمن الأيجار … وإن كانت في هذه الأحاديث مبالغات ومغالطات قد تكون غير دقيقة أو مقصودة لتشويه سمعة السفير ، فإن مشاهدتي الحزينة للسفارة وواقع حالها السىء لا يعكس الا هذا الفشل الذريع للسفير الذي قد يصلح لأية مهمة في مجال التجارة التي قد ينجح أو يفشل فيها فهذا شأنه وحده أما أن يكون سفيرا ً للعراق والعراقيين في العهد الجديد فهذا ما لا يمكن القبول به بتاتا ً ، وبهذا النمط الفاشل في الإدارة والعمل لا يمكن بناء العراق الجديد.






صباح كنجي

بداية تموز2006


*
المتصفح لموقع السفارة على الانترنيت يندهش من بعض المعلومات الواردة فيه والتي لا تعكس إلا العقلية الشوفينية للبعث المقبور الذي مازال حيا ً يرزق في موقع السفارة العراقية في برلين ففي باب المعلومات عن العراق ورد..
التمثيل السكاني
العرب يمثلون75-80 من تعداد السكان
والأكراد15-20
وبقية المكونات طارت ولا وجود لها
وفي حقل الديانة
الأسلام97%
والمسيحية3%
وبقية الأديان تم الغاؤها والسفارة لا تعترف بها
وفي حقل اللغة ورد
العربية هي اللغة الرسمية والكردية والآشورية والأرمنية والتركمانية
دققوا معي العربية هي الرسمية يبدو إن السفارة العراقية في برلين لا تعترف بالدستور العراقي الذي ينص على اعتبار اللغتين العربية والكردية لغات رسمية في العراق.

كما ورد في موقع الأنترنيت أيضا ً إن السفير العراقي في جمهورية المانيا الأتحاديه علاء الهاشمي يرحب بكم في موقع السفارة العراقية على الشبكة…. والسؤال لماذا يقتصر ترحيب السفير بالعراقيين على الأنترنيت و لا يرحب بهم حينما يراجعون السفارة ؟!