الرئيسية » شخصيات كوردية » ملا محمود البايزيدي .. والتراث الثقافي الكوردي

ملا محمود البايزيدي .. والتراث الثقافي الكوردي

الملا محمود البايزيدي ظاهرة فريدة في تاريخ الثقافة الكوردية فقد خدم هذه الثقافة , مؤلفا” ومترجما” للنتاجات الادبية واللغوية والتأريخية والاثنوغرافية وأسهم بقسط وافر إن لم يكن القسط الأكبر والأساسيى في جمع ونسخ عدد كبير من أندر وأنفس المخطوطات الكوردية التي تعرفت الاوساط الاستشراقية من خلالها على النماذج الرفيعة من التراث الكوردي المدون وهي لاتقل أهمية وروعة عن التراث الكوردي الشفاهي , وكان تعاونه العلمي المثمر مع واحد من ابرز مؤسسي الكوردولوجيا في روسيا واوروبا وهو الكساندر زابا ( 1803- 1894 ) مثالا” حيا” على التفاعل الخصب بين الثقافات المختلفة , وعلى الرغم من الدور الريادي الذي نهض به البايزيدي , الا ان جوانب اساسية من سيرته ونشاطه الفكري والثقافي ماتزال مجهولة او غامضة حتى يومنا هذا , ولولا الملاحظات التي دونها الكساندر زابا وكشفت المستشرقة الروسية مركريت رودينكو ( 1930 – 1976 ) النقاب عنها في اواسط القرن العشرين , لما عرفنا اليوم شيئا” يذكر عن اهم شخصية ثقافية كوردية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , بالرغم ! من كل ذلك فأن بين ايدينا آثار البايزيدي ونتاجاته الفكرية والادبية التي تتيح لنا تكوين صورة واضحة لمعالم هذا العالم الموسوعي والتعرف من خلالها على سعة علمه وثقافته وتعدد مواهبه وتنوع اهتماماته ووعيه الفكري العميق والتسامح الديني الذي كان يتحلى به ونظرته التقدمية ( قياسا” الى عصره ) في مجالات الفكر والثقافة بعيدا” عن التخلف والتزييف السائدين في ارجاء الامبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر .
واذا بحثنا في ثنايا المخطوطات الكوردية المحفوظة في خزائن بطرسبورغ عن الملاحظات والتعليقات التي دونها الكساندر زابا نجد ان البايزيدي ولد في مدينة بايزيد في اواخر القرن الثامن عشر ولايحدد زابا سنة ميلاد البايزيدي بالضبط و يرجح ان يكون بين عامي ( 1797 – 1799 ) اي قبل حوالي مائتي عام ونيف ( و بايزيد مدينة عريقة انجبت العديد من العلماء والشعراء الكورد وفي مقدمتهم الشاعر الخالد احمدي خاني ).
أما تأريخ وفاة البايزيدي فأنه اكثر غموضا” حيث تشير المصادر الى أنه توفي في عام 1860 ولكننا نعتقد ان ذلك غير صحيح , حيث ان ثمة مخطوطات بخط البايزيدي يعود تأريخ نسخها أو تدوينها الى عام 1867 , وعلى أية حال فأن وفاته كانت بعد العام المذكور على الارجح .
تلقى البايزيدي تعليمه الاولي في مسقط رأسه ثم رحل الى مدينة تبريز لمواصلة تحصيله العلمي , ويقول زابا ان البايزيدي حصل على معارف واسعة وعميقة في اللغات الفارسية والتركية والعربية وآدابها , اضافة الى اللغة الكوردية , كما درس العلوم الدينية والتاريخ واصبح بمضي الزمن واحدا” من أشهر علماء كوردستان في عصره , وفي عام 1856 رحل الى مدينة ارضروم حيث بدأت أخصب وأنضج مراحل حياته , كانت أرضروم في القرن التاسع عشر هي المدينة الاهم في تركيا الآسيوية أو كوردست! ان الشمالية – الشرقية وتمر عبرها القوافل التجارية القادمة من اوروبا والمتجهة الى ايران والهند وروسيا وغيرها من بلدان آسيا . كانت المدينة ( التي تتعايش فيها قوميات مختلفة : الكورد في المقام الاول ثم الترك والارمن , اضافة الى الجاليات الاجنبية تنبض بالحياة وفيها نشاط اقتصادي ( زراعي وصناعي ) واسع النطاق , كما كانت تزخر بمراكزها العلمية والثقافية وتتمتع بمواقع عسكري ستراتيجي بالغ الاهمية , لذا فقد اكتسبت اهمية قصوى خلال الحروب الطاحنة المتكررة بين روسيا القيصرية وتركيا العثمانية . وقد احتلها الروس لبعض الوقت ثم انسحبوا منها بموجب المعاهدة التي ابرمت بينهما وتحمل اسم المدينة , ولابد من الاشارة هنا الى ان الشاعر الروسي الكساندر بوشكين , زار ارضروم في عام 1829 ووصفها بأنه! ا مدينة جميلة وساحرة . لذا ليس من الصدف ان نجد الدول العظمى حريصة على ان تكون لها قنصليات دبلوماسية في هذه المدينة الكوردية , كان الكساندر زابا قنصل روسيا القيصرية في ارضروم وسميرنا ( ازمير حاليا” ) خلال الفترة الممتدة من عام ( 1836 الى 1869 ) أي لفترة زمنية امدها ( 33 ) عاما” , وربما كانت هذه الفترة الطويلة قياسية بالنسبة للخدمة الدبلوماسية لممثلي روسيا القيصرية في الدولة العثمانية وفي الدول الاخرى عموما” . كان الكساندر دبلوماسيا” على مستوى عال من الثقافة ويتقن عدة لغات اوروبية وشرقية ومعجبا” بالشعب الكوردي وخصاله الحميدة ومتفهما” لطموحاته المشروعة وكانت نظرته الى الامور تقدمية قياسا” الى سياسة روسيا القيصرية , ولم يكن زابا مجرد دبلوماسي بل مستشرقا” لفت انتباهه ثراء الادب الشعبي الكوردي وتعدد الوانه واشكاله وتنوع مضامينه الفكرية ومستواه الجمالي الرفيع فأخذ يتعلم اللغة الكوردية ويقيم علاقات فكرية وادبية مع خيرة علماء وادباء ارضروم من الكورد ( وكان معظمهم في ذلك الحين من رجال الدين ) ويحاول بكل الوسائل الممكنة جمع المخطوطات الكوردية او مناشدة اصدقائه الكورد بان يقوموا بتدوين النتاجات الادبية والفولكلورية الكوردية وقد استجاب لمناشدته عدد من علماء وادباء المدينة وفي مقدمتهم البايزيدي الذي اصبح منذ قدومه الى المدينة ال! ذراع اليمنى لزابا في جمع واستنساخ المخطوطات الكوردية وبناء على طلب زابا قام بتاليف النتاجات التي تخص الكورد في شتى مجالات الادب والثقافة وترجمة نماذج من عيون الادب الفارسي الى اللغة الكوردية , كان التعاون الفكري والثقافي الوثيق بين عالم كوردي من رجال الدين ودبلوماسي أجنبي لايعتنق الاسلام , يثير حنق وغضب المتزمتين , لذا فان البايزيدي – كما يقول زابا – لم يكن في اكثر الاحيان يوقع بأسمه الصريح على المخطوطات التي يدونها تحاشيا” لاثارة استياء المحافظين , كما ان السلطات التركية كانت تنظر بعين الريبة والشك الى العلاقات الوطيدة بين البايزيدي وزابا , حيث كانت الدولتان الروسية القيصرية والعثمانية تحاولان كسب تأييد الزعماء والشخصيات الكوردية البارزة .
حين يجري الحديث عن البايزيدي ينصرف الذهن فورا” الى كتابه الشهير ((عادات ورسوماتنامه اكرادية )) أي (( عادات وتقاليد الكورد )) الذي يعد اول كتاب اثنوغرافي بقلم عالم كوردي وفي الوقت ذاته اول كتاب كوردي في النثر في غير المواضيع الدينية , وقد ألفه البايزدي في عام 1274هـ/ 1858-1859 م ويتضمن وصفا” لعادات وتقاليد الكورد ومعتقداتهم والمهن والاعمال التي يمارسونها وطرق بناء دور سكنهم وأساليب حياتهم ومعيشتهم والوان الفنون والهوايات والالعاب الشائعة بينهم , وقد تضمن الكتاب معلومات واقعية غزيرة , تجعل منه مرجعا” مهما” لأثنوغرافيا الكورد في كوردستان الشمالية في منتصف القرن التاسع عشر . وتوجد نسخة من مخطوطة هذا الكتاب – وهي نسخة فريدة بخط المؤلف – محفوظة في مكتبة سالتيكوف – شدرين الحكومية العامة في مدينة بطرسبورغ الروسية . وقد قامت المستشرقة الراحلة مركريت رودينكو بتحقيق المخطوطة وترجمتها الى اللغة الروسية مع مقدمة ضافية وملاحظات وتعليقات قيمة ونشرتها ضمن كتاب صدر في موسكو باللغة الروسية في عام 1963 .
ولابد من الاشارة هنا الى ان معظم المعلومات عن البايزيدي والمنشورة لحد الآن مستقاة من مقدمة رودينكو لهذا الكتاب , وملاحظاتها وتعليقاتها التي وردت ضمن دراساتها عن المخطوطات الكوردية .
كان البايزيدي عالما” ضليعا” في أسرار ودقائق اللغة الكوردية حيث الف كتابين عن قواعد اللغة الكوردية أولهما تحت عنوان (( رسالة تحفة النحلان في الزمان كوردان )) أما ثانيهما فهو بلا عنوان ويتضمن تصاريف الافعال الكوردية مع بعض قواعد اللغة الكوردية . وكلا المخطوطين بخط البايزيدي وقد دونهما خلال عامي 1866-1867 في ارضروم . أما في مجال الفولكلور فقد ترجم البايزيدي عشرات الحكايات والقصص الشعبية الشائعة في فولكلور شعوب الشرقين الادنى والاوسط , نقلا” عن اللغتين الفارسية والتركية كما ترجم من اللغة الاخيرة مئات الامثال الشائعة بين شعوب المنطقة , وتمتاز ترجمات البايزيدي بلغتها الكوردية الجميلة والبسيطة في الوقت ذاته ولاشك ان البايزيدي هو أول مترجم في تأريخ الثقافة الكوردية , حيث لم يسبقه – على حد علمي – احد في ترجمة الآثار الأدبية والفولكلورية أو أية نتاجات اخرى الى اللغة الكوردية من اللغات الاخرى , وترجمات البايزيدي كلها أمينة ودقيقة ولأثبات حرصه الشديد على الأمانة العلمية , كان يثبت الاصول الفارسية أو التركية الى جانب الترجمة الكوردية .
ودون البايزيدي قصة (( ليلى و المجنون )) نثرا” في عام 1858 في مدينة ارضروم , في حين ان هذه القصة شائعة في الآداب الشرقية ( الفارسية , العربية والتركية ) على شكل ملاحم شعرية وجدانية . وحبكة القصة في اللغات الشرقية مختلفة الى هذا الحد أو ذاك عن قصة (( ليلى ومجنون )) العربية في أحداثها وتفاصيلها و أسماء ابطالها الثانويين , حيث ان كل أمة اضفت عليها طابعها الخاص , فقصة ( ليلى والمجنون) الكوردية ذات طابع كوردي ولا عبرة بالعنوان . ولقد قامت المستشرقة مركريت رودرينكو بتحليل مضمون واسلوب قصة البايزيدي ومقارنتها بملحمة شعرية رائعة تحمل الاسم ذاته للشاعر الكوردي الكلاسيكي حارث البدليسي وتوصلت الى استنتاج مفاده , ان قصة البايزيدي النثرية إعادة صياغة لملحمة البدليسي الشعرية . وهي اي قصة البايزيدي أول محاولة لسرد هذه القصة ن! ثرا” في الآداب الشرقية وربما كانت قصة البايزيدي أول قصة نثرية في الادب الكوردي اي ان بدايات النثر القصصي الكوردي ترجع الى منتصف القرن التاسع عشر وليس النصف الاول من القرن العشرين , وكما يقول بعض من يركز اهتمامه على تأريخ الادب الكوردي في كوردستان الجنوبية فقط , في حين ان شجرة الادب الكوردي لها فروع تمتد الى ارجاء كوردستان بأسرها .
وكرس البايزيدي جهودا” كبيرا” لنسخ أهم المخطوطات الكوردية الكلاسيكية المهمة مثل ( مم وزين ) و ( نوبار ) لاحمدي خاني و ( الشيخ صنعان ) لفقي تيران ونتاجات اخرى عديدة , ولم يكن البايزيدي مجرد ناقل أو ناسخ , بل كان يكتب مقدمات مفيدة لما يترجمه أو ينقله من اللغات الاخرى , تتضمن معلومات عن المؤلفين ونتاجاتهم . فعلى سبيل المثال لا الحصر كتب البايزيدي مقدمة لمخطوطة علي الترماخي حول قواعد اللغة الكوردية . ومقدمات لمخطوطات أخرى قام بترجمتها أو نسخها .
ولعل من أهم أعمال البايزيدي ترجمة الجزء الاول من كتاب ( الشرفنامة ) لشرف خان البدليسي و ذلك عام 1859 وكتب لهذه الترجمة مقدمة قيمة لاتزال تحتفظ بأهميتها تحدث فيها عن المكانة الرفيعة للأمير شرف خان البدليسي وأثره التاريخي الخالد , ويعتقد بأن البايزيدي قد أنجز هذه الترجمة بناء على اقتراح الكساندر زابا الذي قام بترجمة مقدمة البايزيدي الى اللغة الفرنسية , وتقول رودينكو إن ترجمة البايزيدي للشرفنامة ترجمة أمنية ودقيقة , وقد حفز هذا العمل البايزيدي على تدوين تأريخ الكورد وكوردست! ان ابتداءا” من المرحلة التي توقف عندها البدليسي في الشرفنامة وأطلق البايزيدي على مؤلفه التاريخي الضخم إسم ( تاريخ كوردستان الجديد ) اي ( تاريخ كوردستان الحديث ) وكأن هذا الكتاب المخطوط يتكون من حوالي الف صفحة , وقد ارسلها الكساندر زابا الى أكاديمية العلوم الروسية في بطرسبورغ في عام 1865 لغرض تقييمه , وكانت المخطوطة بخط البايزيدي وبنسخة واحدة ولم يعرف مصيرها لحد الآن , وحبذا لو قام باحث أو مؤرخ كوردي بالبحث عنها وربما سوف يحالفه الحظ في العثور عليها , كما تم العثور على بعض أجزاء مخطوطة ( تاريخ اربل ) لابن المستوفي , بعد البحث الطويل عنها في المكتبات العالمية التي تهتم بأقتناء وجمع المخطوطات النادرة .
وعلى هذا النحو نرى ان البايزيدي, كان عالما” موسوعيا” متعدد المواهب والاهتمامات والاهم من ذلك كله ان جهوده المتواصلة في التاليف والترجمة وجمع المخطوطات وتعاونه العلمي الوثيق مع الكوردولوجي البارز الكساندر زابا , كل ذلك قد حفظ لنا وللأجيال القادمة قسما” كبيرا” وثمينا” والذي يعد الأكثر أهمية في التراث الكوردي .
وقد مرت الذكرى المئوية الثانية على ميلاد البايزيدي قبل بضع سنوات دون ان يحفل أو يحتفل به أحد , ولتكن هذه الكلمات المتواضعة تحية اجلال وتقدير لذكراه العطرة وخدماته الجليلة التي سوف تظل حية في ذاكرة الاجيال الكوردية الصاعدة ولا يفوتنا هنا أن نقترح على الجهات المسؤولة اطلاق اسم البايزيدي على أحدى مدارس أو معاهد الأقليم فالعمل الذي انجزه البايزيدي لوحده تعجز عن القيام به مؤسسة ثقافية كاملة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *