الرئيسية » مقالات » تأوهات الإله تموز وإستغاثة بغداد

تأوهات الإله تموز وإستغاثة بغداد

صدرت عن دار فيشون ميديا- السويد ، في مطلع هذا العام تحت عنوان ( الإله تموز) كتاب يحوي ملحمة شعرية للكاتب حودي عبد محسن، ويأتي بعد رواياته المكثفة التي طبعها في السويد أيضا ً.
وجاءت الملحمة في اثنا عشر فصلا ً في شكلها ومحتواها الذي حاول محاكاة ملحمة كلكامش ولوحاتها في طقوس تموزية عبر اسقاطاته على الواقع الراهن وافرازاته المخيفة في لغة مباشرة في بعض مقاطعها ورمزية في أخرى حاولت أن تكشف تجلياتها من خلف الأبواب الموصدة والصادمة للمشهد المرعب الذي مازال يفرز الكثير من التساؤلات ولا يقدم التفاسير لما يحدث فحاول سبر غور التراث متقصيا ً عن تفاسير لواقع بات الدم والقتل لغته الوحيدة ومناجيا ً لمخلوقات من عصر تموز وعشتاروت لها قدسيتها في الميثولوجيا العراقية القديمة في إنقاذ ما يمكن انقاذه من بقايا حياة وجمال في محاولة لأستنهاض قدرات آلهتها للوقوف في وجه الإرهاب وايقاف القتل المجاني المنفلت في هذه الأرض المعذبة .
( بلادي …بلادي
أنت أجمل البلدان
لا زلت في قبضة الطغيان)

وخلف اسوارها يموت الناس

(منذاول فجر
منذ أول حجر
منذ ان دق الوتر
فلم يبق عند الجن
إلا أن يهدد بالخطر)

ويناجي حبيبته تمارا
( ابتعدي
ابتعدي
قبل أن يداهمك الخطر
والدكتاتور يغسل كفيه .. بالدم
عندما يأتيه الضجر)

ولا حدود لجرائمه وحجمها

( فيقتل آلاف..آلاف البشر )
ويشبهه بالأسد المجنون الذي في بطنه شحنة الرعب وفي فمه نار وهو
( يبعث الرعب، وبارع في التدمير
إذ توارث كل شيىء عن أبيه الشرير)
وهو في حالة هيجان واحتارت وانذهلت من شراهته بغداد التي افترس ابناءها ودمر اسوارها وفرض عليها الحصار وكأنه يأس من اهلها وعجزهم من مواجهة الشر المستحكم فيهم .

(حلت ببغداد مصيبة
تحشها نيران عجيبة).

إلى الحد الذي يتساءل إن كانت السنة النيران قد تركت جذور اشجار النخيل في أعماق الأرض أو المياه في نهردجلة تسيل.
( تموز لا يرى سماء
لا يسمع خرير ماء
يستعين فقط بالدعاء
وبصوت آلهة الصحراء)

فغاص في أعماق التاريخ وبحث عن تموز وسط الخراب في ارض الأموات وفي تابوت الأسرار لكي ينقذ بغداد.
(ها قدجاء المنقذ المختار!
بالسلاح.. بمشعل النار
يا رجال!..يا رجال!
اخلوا الطريق عن صانع الأقدار
ها قدجاء تموز ليرد الأعتبار).

وهنا ينقلك الكاتب إلى اجواء ملحمة كلكامش ولحظة الصراع الدرامية بين كلكامش وصديقه انكيدو وخمبابا وحش الغابة ، ويستعيض عنهم بالأسد في صورته الوحشية وتموز الذي وقف متحديا ً شروره ، وحدث بينهم ذلك الحوار الساخن قبل المنازلة ، انه حوار بين الباطل والحق ، بين الخير والشر ، بين الحياة بكل جمالها وبين الموت بقسوته وقبحه .
ويعد الأجواء للمنازلة ويصورها للقارىء – المشاهد، كأنه في مشهد مسرحي.

( اقترب اللقاء.. ابرقت السماء
امطرت بسخاء).

والمطر هو علامة انتصار للخير وحلول موسم الزرع والأنبات فتستشف من دون كلمات إن الوضع ينذر بالجديد بعد التخلص من رمز الشروالأستبداد، لذلك عاد تموز إلى منزله وسط احتفال مهيب يتبعه موكب الفقراء.
ويكاد أن يمنحنا صورة فوتوغرافية للوضع السائد لحظتها حيث يسجل تداعيات الذاكرة المتعبة والهرمة التي شاخت بفعل الأستلاب والقهر إلى الحد الذي كاد فيها تموز لا يتعرّف على بغداد .
( تموز..تموز.. اتراني ؟!
أنا بغداد هرمة.. متعبة
بائسة….
اتخمتني الدماء
والدموع…)
وهنا تسجل الذاكرة لحظة التحولات النفسية التي تتعامل مع المتغيرات فتتصارع الروى بين العين بمشاهداتها للصور الجديدة الهرمه والدامية مع صور الذاكرة قبل الرحيل والأبتعاد عن بغداد أنها صورة للمهاجر الذي يعود للوطن بعد سقوط النظام ومعاناة الانسان الذي تختلط عليه الرؤية وسط هذا الكم من الخراب والدمار والغبار المتصاعد من كل مكان وحرائق مازال وقودها البشر من فقراء القوم.

(تموز.. ألا تريد أن تتذكرني؟!)

سؤال يختزل الكثير الكثير مما يجب قوله ازاء ما تراه العين من صور متغيرة ترفض الذاكرة استيعابها أو تقبلها من هول الصدمة التي حلت بالنفس في لحظة عودتها لبغداد المحررة/ والمحتلة في ذات الوقت والتي لم يبقى فيها.
(إلاشظايا عظام
…..
وجماجم ملفوفة بالحرير
المدفونة في اخاديد طويلة
في انفاق من رمال ودهاليز
وممرات ضيقة
….
دبابات تسحق العيون
جثث مهشمة الرؤوس
…..
تاج نخلة مكسور

وبيت بلا ضياء

والخوف في وجوه الأطفال

ظمأ وموت
ضمأ وموت

يا للبشاعة!يا للبشاعة !
لا نصر في الخراب
فقط حديد ونار
وفتنة سامراء
واشتعال مسجد
وكنيسة ودار
….
قابيل يقتل هابيل
….
والشياطين ترقص..
….
وبلادي أنت اجمل البلدان
لا زلت في قبضة الشيطان).

ويمر على جثث الكثيرين ممن ماتوا في الأنفجارات و الأغتيالات من ضحايا الإرهاب ويتساءل بتهكم.
( لماذا نموت؟!

….
ولماذا نَحُلَ الغصن ؟!
…..
ما الذي يجري في الديار ؟!

هذا العراق، هل سيضل يستغيث
ويستغيث
مامن مغيث؟!)

انها صرخة من اجل الحياة والبقاء في مواجهة قبلة الدم.

صباح كنجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *