الرئيسية » التاريخ » الملامح السياسية لتأريخ الكورد الحديث و المعاصر

الملامح السياسية لتأريخ الكورد الحديث و المعاصر

 لقد تعرض تأريخ الشعب الكوردي في العصر الحديث الى جهد مستميت من التشويه و التغييب و الإلغاء. و قد كتب نتف و فصول هذا التأريخ من قبل غير الكورد في الغالب و هم في الغالبية من الترك و الفرس و لاحقاً في النصف الاول من القرن العشرين كانوا من العرب. لقد استهدفت الجهود تلك تجسيد حالة التبعية لفعاليات التأريخ الكوردي و تمثيلها لمظهر المؤتمر بأوامر الترك او الفرس و القاء مسؤولية تردي الحالة السياسية الكوردية على الكورد انفسهم و تبرئة الآخرين من الفعاليات السلطوية للأمم المجاورة من محاولات التغييب و الإلغاء التي مارسوها لمسح الخريطة (الجيو – السياسية) الكوردية بالكامل.

ان التأريخ الكوردي الحديث،و الذي يبدأ مطلع القرن السادس عشر و تحديداً مع بروز فصول معركة ضالديران الشهيرة عام 1514،قد دون وفقاً لاعتبارات سلطوية سياسية و اخرى قومية عنصرية،و قد وصلت فصول هذه الرواية المشوهة لتأريخنا الحديث الى الأجيال اللاحقة و فعلت فعلها في تجسيد حالة الإحباط و تحويلها الى حالة مستديمة يرافقها نجاح الجهد التغيبي و الإلغائي في وعي حتى النخبة المثقفة الكوردية و التي تجتر سلبيات هذا التأريخ المسنح و تكرر دروسه التي استنتجها المغيبون و فرضوها فرضاً حتى غدا الكثيرون يؤمنون بـ(لا جدوى التاريخ الكوردي) لأنه حصيلة صراعات قبلية و تناحر داخلي،وقد وقع الكثير من المؤرخين الكورد في مصيدة هذا التفسير الأحادي لفعاليات التأريخ الكوردي،و تعمقوا في مطب الحديث عن جوانب (التقصير الذاتي) الكوردي و كأنه العامل الاول و الأخير في ما وصل اليه الكورد في التأريخ المعاصر،و هنا بدأت اشكالية التأريخ الكوردي الحديث بين الدونية في التفسير و التفسير التأملي. و بدأت معها سلسلة الدراسات عن الحركات الكوردية و خاصة في القرنين الماضيين (19-20) ترافقها نغمة الأهمال و التقصير و حتى التخوين في تضخيم غير مقصود طبعاً للقصور الذاتي و اهمال اكثر ايلاماً للعوامل الأخرى الفاعلة في اتجاهات هذا التأريخ.

و نتيجة لذلك انتهج حتى افاضل المؤرخين الكورد نهجاً استقرائياً و اصدروا تعميمات قاسية لاتمثل في افضل الحالات الا جانباً صغيراً من الحقيقة. يقول الامير شرفخان البدليسي في كتابه الشهير (شرفنامه) “هذا و قد جبل الأكراد على التنافر و الشقاق،فلا يتناصرون و لا يتطاوعون و لا تربطهم رابطة الوحدة و الإتفاق”،و قد استقى “شرفخان” هذا الحكم العمومي القاطع و كما يقول هو: “كما حقق ذلك الجناب الفاضل “مولانا سعد الدين” معلم السلطان مراد خان في كتابه التأريخي المؤلف باللغة التركية،في الوقائع العثمانية،حيث تحدث عنهم بقوله: الاكراد ذوو آراء استبدادية يرفع كل منهم لواء التفرد،و قد احتموا يقلل الجبال،رغبة فيما جبلوا عليه من حب الحرية و الأنقة و الاستقلال،و انهم لا يجتمعون على امر واحد غير كلمة التوحيد…”(1).

و لنطلع على ما يقوله المؤرخ الفاضل “محمد امين زكي” في هذا الإتجاه ايضاً “تذكر ضمن العوامل التي ادت الى اخفاق تلك الحركات و الثورات،ما كان بين الامارات الكردية من التنابذ و الشقاق،و ما بين افراد الامارة الواحدة من الغيرة و الحسد” و يقول ايضاً: “.. نجد ان السبب في ذلك كله يرجع الى عوامل داخلية اكثر منها الى اسباب و مؤثرات خارجية…”(2).

إن ظروف الإحباط المعاصرة قد لعبت دورها في ترسيخ هذه القناعات الخاطئة و التي تحولت و بشكل لافت للنظر الى قواعد و اسس تحكم و جهات نظر المعاصرين الى التاريخ الكوردي القريب و الذي لعبت مفرداته المتجسدة في الهزائم المتلاحقة التي نالت من سلسلة الثورات الكوردية عبر القرنين الماضيين دوراً اضافياً في ترسيخ هذه القناعات،ان الايحاء بأن الفعل التأريخي الكوردي نابع من المؤثرات الكوردية الذاتية يشير الى الإتجاه الانعزالي في التفسير،كأن الكورد قد عاشوا في كوكب آخر منقطع تماماً،في تجاهل مطلق لمؤثرات الموقع الجغرافي و الطبيعة الطوبوغرافية لأرض كوردستان “… إن العوامل المؤثرة في تأريخ امة من الأمم ليست قومية الطابع لكنها اوسع مدى من الحدود القومية…(3)،هذا ما حاول العلامة “ارنولد توينبى” ان يتوصل اليه. و هذا ما تؤكده حقائق التاريخ،ان الثورة الفرنسية ليست نتيجة سلبيات الارستقراطية في تلك البلاد فقط،كما ان ضجر الفرنسيين من استمرارية الحروب الناثوليونية ليس العامل الوحيد في هزيمة نابليون في واترلو 1815،و ليست هزيمة فرنسا في معركة سيدان عام 1870 و اسر امبراطورها “نابليون الثالث” نتيجة “خيانة دريفوس”،في كل هذه المنعطفات التاريخية الحاسمة في تأريخ فرنسا المعاصر،تظافرت عوامل دولية و اقليمية و داخلية معاً،و تشابكت مؤثراتها لتفرز تلك الوقائع المدونة على صفحات تاريخ ذلك البلد،كما ان انتصار الامريكان في حرب الاستقلال عام 1775 ليس نتاج العامل الداخلي فقط،حيث لعب تقاطع المصالح الاستعمارية الكولونيالية دوره في تدعيم التصميم الامريكي و انتصاره لاحقاً. و في القرن التاسع عشر لعب تقاطع المصالح الفرنسية – النمساوية دوراً فاعلاً و داعماً للعوامل الذاتية الايطالية و الألمانية في جهودهما لتحقيق الكيانات القومية،و في مصاف التأكيد على عدم امكانية ارتقاء الفعل التاريخي الذاتي الى اطلاقية التأثير في مجريات الحدث،يبرز دور تقاطع مصالح دول الجوار و الأبعد من الجوار،و من المفارقات ان تقاطع المصالح الدولية الذي ساعد الامريكان على الاستقلال و الطليان على الوحدة و الالمان على الاتحاد،نقول من المفارقات ان هذا التقاطع لعب دوراً سلبياً في الحالة الكوردية،حيث ساهم في تكريس حالة التجزئة و تغييب الكيان الكوردي و هذا ما سنشير اليه في حينه. و من الملامح الانفعالية التي التصقت بجسد الفعل التاريخي الكوردي و خلقت عناصر وهمية في كينونة هذا الفعل،”الاتجاه التخويني”،يقول العلامة “محمد امين زكي” “وصفوة القول ان خيانة (عز الدين شير – يزدان شير) هذه،ادت في النهاية الى انكسار جيش الامير بدرخان امام جيش (عثمان باشا)”(4).

ان هذا الاتجاه المقلق ينسحب في تعميمية حادة على جميع الفعاليات التاريخية الكوردية و الأمثلة كثيرة: فالخيانة العائلية اسقطت امارة (بابان) العتيدة،و الخيانة ذاتها وضعت نهاية لأمارة سوران الفتية،و تستمر سلسلة “الاتجاه التخويني” حتى نهاية ثورات الشيخ محمود.

و معاصراً للثورات الكوردية في مطلع القرن العشرين حدثت ثورات وطنية في ليبيا و مصر و الجزائر و المغرب،ففي مصر و في نهاية القرن التاسع عشر قاد (احمد عرابي) ثورة ضد التدخل الانطليزي و لم ينجح و مع ذلك لم يتهم في تاريخ مصر الحديث بالخيانة. و في مطلع القرن الماضي و في مصر ايضاً قاد (سعد زغلول) حركة شعبية و لم يلق النجاح المنشود و معاصراً له قاد الخطابي ثورة المغاربة و فشل و قاد (عمر المختار) ثورة شعب لبيبا و لم ينجح و قبلهما كان الامير عبد القادر الجزائري قاد ثورة شعبه في الفترة بين 1832 – 1847 و لم ينجح و مع ذلك تحول كل هؤلاء الى رموز وطنية في تاريخ شعوبهم و نالوا ما يستحقونه من اجلال و تقدير،اما في السرد التاريخي لعوامل هزيمة هؤلاء القادة فقد تم التركيز على سطوة المستعمرين و عدم تكافؤ القوى،اما في سلسلة الثورات الكوردية و التي حصلت في ظروف مماثلة للثورات العربية فقد تم توظيف “الخيانة الوطنية” كوصفة جاهزة،اجل الإنشقاق الداخلي و التنابذ و خيانة رؤوساء العشائر و انحيازهم الى الفعاليات السلطوية التركية و الايرانية و لاحقاً العراقية هو العامل الاكبر في فشل سلسلة الثورات الكوردية و بالتالي هو السبب في عدم قيام الدولة الكوردية المنشودة! ان تسويق “التخوين” في عمق الفعل التاريخي يتوغل احياناً الى اعماق هذا التاريخ و ماذا فعل (صلاح الدين الايوبي) للكورد؟! لماذا يا ترى لم يؤسس دولة كوردية في مصر و الشام؟ و (الملا ادريس البدليسي) لو لم يتعهد للسلطان سليم الأول لولاء امراء الكورد له،لما حصل للكورد ما حصل!

و ما اسهل بعدئذ تصنيف هؤلاء في صنف “الخونة”! بينما تشير المعطيات التاريخية الى تطور النزعة القومية و التي انطلقت من اوربا،تشير الى تطور تلك النزعة و الوصول الى الذروة عام (1848) و الذي يسمى في تاريخ اوربا بعام الثورات القومية،و تشير المعطيات التاريخية ايضاً الى نمو هذه النزعة في الشرق بعد قرن كامل من الذي حصل في اوربا أي في اربعينيات القرن العشرين بلغت الحركة القومية في الشرق درجة من الرقي،فظهرت الحركة الوطنية العربية و تأسست الجمهورية الكوردية الاولى في “مهاباد”. اذن المعطيات التاريخية تسير في غير اتجاه بعض التعميمات الخاطئة. و ليس “الإتجاه التخويني” هو الاشكالية الوحيدة في مسار التدوين التاريخي الكوردي و هناك اشكالية اخرى تمثلت في “التوجه الإلغائي” و هو ما قام به اعداء الكورد من الذين ازعجهم النهوض القومي الكوردي المعاصر فبرمجوا عملية واسعة و منظمة للتشكيك في (الوجود الكوردي) اصلاً،فقد اعلن رجب بيكر،الامين العام لحزب الشعب الجمهوري،في محاضرة له القاها في الجامعة سنة 1931: و اننا نقبل بين ظهرانينا المواطنين الذين يعيشون بيننا و ينتمون الى الأمة التركية سياسياً و اجتماعياً،اولئك الذين لقنوا الافكار و العواطف الكوردية..” و لا يتردد هذا السياسي التركي في الاعلان صراحة “ان العلم الحديث ينفي ان تكون امة قوامها بضع مئات من الالوف بل حتى المليون،قادرة على البقاء كأمة مستقلة.”(5)،و لكن خلفاء هذا السياسي لايتوانون لحظة فيما بعد في سعيهم لانشاء دولة لبضعة آلاف من الترك في جزء من (قبرص) !. ان التوجه الإلغائي بلغ بالبعض مثل الدكتور (صكبان) الى الاعلان صراحة “و الحق يقال،لماذا الخوف من الصهر؟! لقد اثبتت التجارب ان صهر الضعفاء من جانب الأقوياء انما يحسن اوضاعهم،ان هذا وحده يكفي مؤنه اللجوء الى القوة”(6). و لا ندري من اين جاء (بيكر) و (صكبان) بالعلم الحديث و التجارب المزعومة دليلاً على تلك الشفافية العنصرية. ان “التوجه الإلغائي” لم يتوقف عند حد الخطاب اللفظي و قد تحول الى فعل مجسم في عمليات الترحيل القسرية بل بلغت النزعة التدميرية ضد الكورد اوجها في العشرينيات و الثلاثينيات من القرن الماضي في ظل الحكم الكمالي،حيث دمرت مناطق باكملها بعد كل ثورة و انتفاضة كوردية “فبعد انتفاضة عام 1930 في تركيا تشير احصائيات غير كاملة الى تدمير ما يقارب 165 قرية و 6816 بيت”(7). و قبل ذلك “تم تدمير 430 قرية عام 1927 من قبل الفرقة 41 التركية تحت قيادة (مصطفى بط)”(8) ” و في برقية الى الممثل السياسي البريطاني مؤرخة في 10 و 11 تموز 1919 ذكر الضابط البريطاني الميجر ئى. دبليو. س نوئيل ما ياتي: ان المحاولات الجارية لتتريك الاكراد هي النقطة الاساسية التي ابني عليها اعتقادي بعدم امكانية سد شقة الخلاف بين الاتراك و الاكراد. ليس هناك كلام الآن عن الحكم الذاتي للاكراد داخل تركيا،و قد اصدرت الحكومة التركية اوامر تقضي ببعثرة اللاجئين الاكراد في البلاد لكي لا يتجاوزوا ابداً خمسة بالمئة من السكان في اية منطقة”(9)،و في ايران يبلغ “التوجه الإلغائي” اوجه ايام (رضا خان) (ففي عام 1925 اصبح رضا خان حاكما و دكتاتوراً على البلاد،فطبق سياسة شديدة في التحكم لجميع الاقليات و صهرهم،بما في ذلك الاكراد)(10). ان توظيف الإلغاء كفعل مؤثر لإخراج الكورد من الساحة في الجانب العربي اتخذ مساراً شفافاً،فالكورد هم اخوة في الدين بل هم اصلاً من السادة من آل البيت و قد بلغ الحس الالغائي ببعضهم حد البحث عن اصول العشائر الكوردية الكثيرة و المعروفة و تنسيبها بشكل او آخر الى القومية العربية فها هو احدهم لا يتورع عن وضع كتاب تحت عنوان “بيوتات و قبائل شمال العراق” و بنية حسنة جداً لا يتوانى عن تنسيب جل القبائل الكوردية المعروفة الى اصول عربية حتى يكاد المرء يفهم بأن كوردستان كانت خالية من السكان عندما داهمها الفتح الاسلامي و استوطنت فيها قبائل عربية تحولت بقدرة قادر الى قبائل كوردية،و رغم بلادة هذا التوجه الإلغائي احياناً،الا انه شكل محوراً مبرمجاً في ممارسات الفعاليات السلطوية الاقليمية المسيطرة على كوردستان. و يجدر ذكره ان الإلغائية جاءت متزامنة مع بدايات النهوض الكوردي المعاصر و قد لعب غياب الكيان الكوردي السياسي دوراً متميزاً في تفعيل هذا التوجه. حيث كانت مراكز السلطة و في زوايا المثلث المحيط بالكورد هي بؤر استقطاب للشرائح النفعية من المجتمع الكوردي و التي وجدت مصالحها متفقة مع توجهات المراكز السلطوية تلك و لم تجد حرجاً في الإنتساب الى الاصول العرقية للطبقات الحاكمة،كما ان الإلغائية التي استهدفت “تغييب” الكورد بالكامل كانت ممارسة سياسية بحتة افتعلتها الفعاليات السلطوية الحاكمة و هي لا تمت بصلة الى نشاطات الشعوب المجاورة للكورد.

اما الاشكالية الأخرى و التي تتعلق بغياب (الكيان الكوردي السياسي) فقد انعكس هذا الغياب سلباً على فعل “التدوين التاريخي” الموضوعي و الذي تحول هو الآخر أي “التدوين” الى اشكالية سنتطرق لها لاحقاً. ان الانعكاس السلبي لغياب الكيان قد يمثل في البداية في حالة الإحباط و من ثم افرازات تداعيات هذا الإحباط،ان التشاؤمية السائدة عند الكثرة من المؤرخين الكورد تعود في جذورها الى هذا الغياب. انه وطيلة خمسة قرون أي منذ بداية القرن السادس عشر و حتى الآن لم يستطع الكورد تحقيق الكيان الكوردي الشمولي و قد نسبت الغالبية من المؤرخين الكورد عدم القدرة هذه الى عامل التشتت الداخلي،اما الجهة الأخرى و التي تتعلق بهذا (الغياب) فقد ظهرت بوضوح في عدم قيام جهة مسؤولة بالتزام الفعل التاريخي الكوردي و لا التزام عملية التدوين التاريخي،و هذا يعني عدم وجود مؤسسة ذات امكانيات مادية و معنوية تساند الباحث الكوردي خصيصاً في عملية البحث و التدوين،و كانت النتيجة ان دون معظم هذا التاريخ اما بجهود فردية غير مدعومة و اما من قبل مؤسسات رسمية غير كوردية الزمت المدون الكوردي بمجموعة من التحفظات و هذا ما ظهر بوضوح في مؤلفات الغالبية من هذه القلة من المؤرخين الكورد. و ادى هذا الى توهين التوفيق الكوردي و اضطرار المؤرخ الكوردي الى الركون في احدى زوايا المثلث المحيط بالكورد و بالتالي مسايرة مراكز الاستقطاب في بعض املاءاتها و توسعت نتيجة لذلك مساحة الطروحات السلبية عن الفعل التاريخي الكوردي و عن حجمه ايضاً. و كان الطرح التغليطي الاكثر رواجاً في هذا المجال هو القاء التبعية في هذا الغياب على التنظيم القبلي للمجتمع الكوردي. ومن ثم تحميل الجانب الاقتصادي من هذا التنظيم و هو الجانب الإقطاعي الجزء الاكبر من (غياب الكيان). يقول “شاميليوف” “و الواقع اذا اردنا ان نفهم التاريخ الكوردي في اطار واقعي لابد لنا من ان ندرس الاقطاع الكوردي في اطار واقعي،فإن هذا النظام الاجتماعي (!)” يؤلف بجميع انواع تشكيلاته البسيطة و المعقدة،الخلفية الأساسية للجانب الاكبر من التاريخ الكوردي المعروف،و لا تزال آثار هذا النظام محتفظة بمواقع قوية في الفكر الكوردي”(11) و الحقيقة ان “النظام الاقطاعي” المستند الى ملكية “الارض” هو نظام اقتصادي اولاً و من ثم هو من المردودات اللاحقة لتطور مؤسسة القبيلة. لقد تأسس الاقطاع على اساس (حيازة الارض) أي على مبدأ (لا أرض بلا سيد)،وقد برز هذا النظام في اوروبا في القرن الثامن للميلاد(12). و يعود الجذر التأريخي لهذا النظام الى شارل مارتل الذي حاول ان يتوسع في نظام الخيالة ليجعل جيشه قوة فعالة في ميدان الحرب،و عندئذ استكشف ان تعميم هذا النظام يتطلب منه نفقات ضخمة لإعداد ما يحتاج اليه الفارس من حصان و درع و سلاح،فضلاً عن ان هذا النوع من الفرسان يجب ان يتوافر لهم مورد يعيشون عليه حتى يتفرغوا لشؤون الحرب و القتال. و لما كانت موارد دولة الفرنجة محدودة في القرن الثامن بحيث لا تفي بكل هذه المطالب. فإن شارل مارتل لجأ الى حل يتفق و تقاليد ذلك العصر فسجل اسماء المحاربين و جعلهم يقسمون له يمين الولاء ثم اعطى كلا منهم اقطاعاً يكفي لسد مطالب معيشته”(13). و في حين تأخر ظهور النظام الاقطاعي في كوردستان الى قرون لاحقة فإن الدكتور كمال مظهر يثير الشكوك حول فاعلية هذا النظام في التأثير في الفعل التاريخي الكوردي “و بالرغم من تشديده – أي شاميليوف – على ذكر مظاهر الاستغلال فيها – أي العشيرة – فإنه لم يعط الجواب عن سؤال اجتماعي – سياسي مهم هو: هل و متى و كيف و اين تحول الاستغلال الاقطاعي الى العامل الاساسي و الحاسم في خلق تناقضات في ظروف كوردستان الخاصة خلف الاطار العام للتحرك السياسي داخل المجتمع او في جزء او اجزاء منه،لا ينكر ان تحديد هذه الامور بشكل موضوعي يحتاج الى دراسات عميقة”(14).

ان تحول النظام الاقطاعي من نظام حيازي و اقتصادي الى نظام اجتماعي و سياسى استغرق بعداً زمنياً في كوردستان و قد تبلورت ملامحه خصيصاً بعد الضعف الذي دب في جسد الكيانات الكوردية الصغيرة التي استفادت مماتبقى من اتفاقية (السلطان سليم – البدليسي) و من الصراع المتواصل بين ايران و العثمانيين،اذن “الاقطاع” هو نتيجة “غياب الكيان” و ليس سببه كما يروج له البعض. اما القبيلة و التي هي كمؤسسة اجتماعية اقدم تكويناً من الامارات السياسية و من النظام الاقطاعي فإنها في مراحلها الاولى “حيث العلاقات القبلية المبكرة،حيث تمتع روابط الدم و القرابة و العلاقات الأبوية بقوة فائقة داخل العشيرة الواحدة”(15). ان “سلطة الاب” التي تستند الى صلة الرحم و القربى كانت الاساس الاجتماعي لمؤسسة القبيلة و التي كانت تمثل الملمح البارز للمجتمع الكوردي. “و هنا نلاحظ ان المجتمع القبلي ابعد دائماً عن ان يكون ديموقراطياً،لا لانه يقوم على اساس احترام سلطة رئيس القبيلة او العشيرة احتراماً مطلقاً فحسب،بل لأن الفرد ذا العصبية القوية فيه يسود دائماً و يتغلب على ضعاف العصبية”(16).

و طبقاً لهذا المفهوم فإن (القبيلة) كمؤسسة اجتماعية حافظت على الطابع القومي للمجتمع الكوردي قبل ظهور الامارات السياسية و تشير المعطيات التاريخية انه و في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و عندما تعرضت الامارات الكوردية الى الضربات المتلاحقة من قبل الاتراك و الفرس رجع الكوردي و في سبيل “حفظ الانتماء” الى احضان القبيلة و التي وجدت الانظمة الاوتوقراطية المحيطة بكوردستان في بقائها شر لابد منه.

“كان الرؤساء النبلاء – رؤساء العشيرة – لا يضطهدون ابناء عشيرتهم فقط بل يتجاوزون على السكان المدنيين ايضاً،الذين و لقلة امكانياتهم يلجأون الى رؤساء العشائر المتنفذين لحمايتهم من هجمات القبائل الرحل،لذا كان على الفلاحين دفع الضرائب الى رئيس العشيرة.. و كانت هذه العلاقة بين رئيس العشيرة و افرادها المدنيين موضع قبول السلطة. كان اصحاب السلطة في ايران و من أجل جلب و جذب العشائر الكوردية الى صفهم يمنحون رؤساء العشائر حقوقاً واسعة”(17). و بعد فقدان الكيان السياسي للامارات صار كيان (القبيلة) هو البديل للحفاظ على ما تبقى من الانتماء الكوردي،و قد توافقت مصالح ممثلي السلطات المركزية مع مصالح رؤساء القبائل،كل له دوافعه،فبينما تجد الدولة المركزية في هذا التشتيت تتويجاً لجهودها في السيطرة على المجتمع الكوردي،يجد رؤساء القبائل في الاحتفاظ بكيان القبيلة الوسيلة الوحيدة للتشبث بما تبقى لهم من مساحة العمل و حماية الذات. ان هذا ليس تبريراً لتصرفات بعض رؤساء القبائل الانانية و خاصة في بعض المراحل الحساسة من تطورات الفعل التاريخي الكوردي في القرن التاسع عشر و العشرين،ذلك لأن هذا البعض اصلاً لم يكن على تماس مع الحس القومي الشمولي،و الذي جاء متأخراً في كوردستان و لعوامل عديدة،و التشبث الذي ابدوه في هذا المجال هو تشبث لاداعي للذود عن حياض (البيت) الذي غدا صغيراً بعد زوال “الامارات”. و قد خدم هذا “التشبث اللاواعي” بقايا البيت الكوردي المتمثل في (مؤسسة القبيلة) في مطلع القرن العشرين التطلعات القومية الكوردية و التي بدأت تتجه نحو الشمولية و هذا ما يمكن ملاحظته في العدد الكبير من زعماء و رؤساء القبائل الذين ساهموا في رفد الحركة القومية الفتية بالدم اللازم. يقول “كريس كوجيرا” في هذا العهد،في اوائل ايام القرن العشرين و بعد نصف قرن من الثورات المتفرقة ظهرت طبقة متوسطة في كوردستان،كانت في الحقيقة مؤلفة من البورجوازية الكبيرة و بقايا امراء الكورد المخلوعين”(18) و من هؤلاء على سبيل المثال و ليس الحصر “مدحت بط بدرخان و عبد الرحمن بط بدرخان و امين عالي بدرخان و الشيخ عبد القادر بن الشيخ عبد الله…الخ”.

اضافة الى ما تقدم فإن المؤسسة القبلية الكوردية ظلت عصية على السلطات المركزية،يقول “كارستن نيبور” “ان قبائل هذه المنطقة الجبلية – كوردستان – لم يعترفوا بأي حاكم تركي فقد ظلت خاضعة لرؤسائها و الذين هم فقط حكامها الفعليين..”(19).

ان القراءة الدقيقة لنصوص “الفعل التاريخي الكوردي” تجعل التلقينية الكلاسيكية عن سلبية المؤثرات التي خلقها “الاقطاع” و “القبيلة” موضع شك. و هنا ايضاً نصل الى الحقيقة القائلة: ان لا حقائق مطلقة تجسد المرجعية في “التدوين التاريخي” الكوردي،يقول العالم الألماني “ايطشتيد” – و هو المختص في دراسات الشعوب – “ان الحقيقة العلمية و المهمة الثابتة عن الكورد حتى اليوم ظلت محصورة بين عدد قليل من المختصين،و ان اكثر هذه الحقائق و المعلومات لم تصل القارئ العادي..”(20). و ليس هذا فقط،حيث ان الحقائق التي وصلت عن التاريخ الكوردي الحديث ظلت اسيرة اختناقات الاشكاليات العديدة التي لازمت جسد هذا التاريخ (المغيب) بل احيانا “المسخ” و الذي نجح الفاعلون من ذوي النوايا السيئة في الغالب في ترسيخ بعض التعميمات الخاطئة و التي سرت الينا كجقائق ثابتة. و “لئن كان التاريخ حواراً بين الماضي و الحاضر فهو ايضاً حوار بين المؤرخ و القارئ،و بذلك تصبح الحوادث ذات قيمة عندما يستنطقها المؤرخ على قدر مسؤوليتها و مدى تأثيرها في وضع الانسان و توجيه مصيره”(21).

ان هذا الحوار الذي يشير اليه (بليخانوف) ليس حواراً من جانب واحد،بعبارة اخرى ليس المؤرخ هو الطرف الوحيد فيه،ان الاستنطاق الحق للماضي يتطلب التمحيص و الموضوعية التامة. و لكن في حالة “التدوين التاريخي الكوردي” ثم توظيف هذا الاستنطاق لترجيح نزعات معينة تصب في قناة عدم اهلية الكورد،فالكوردي قاطع طريق شجاع،و كأن عملية قطع الطرق كانت مقتصرة على الكورد في القرون الماضية،حيث لا تتجاوز قدرة السلطات الحاكمة حدود المدن،كانت الشعوب المجاورة للكورد و حتى الوقت الحاضر تنتهج السلوكية ذاتها في حالات غياب السلطة و تدهور الحالة الاقتصادية و خراب الريف و سنوات القحط و المجاعة التي زخر بها سجل تأريخ الشرق،ان التواصل السلوكي بين الماضي و الحاضر ممكن ان يتخذ طابع الاستدامة اذا تم استحضار الظروف المماثلة أي الاستشهاد بالمقولة الشائعة “ان التاريخ يعيد نفسه”. “و لأن الحاضر لا يلغي الماضي،فالماضي بعد من ابعاده و انما يتجاوزه جدلياً باسقاط ما رث منه و استبقاء ما يعين على مواصلة الطريق”(22). اذن الهدف من الاستنطاق هو الوصول الى الحقائق الموضوعية و التي تجسد تماثل السلوكيات الانسانية في الظروف المتشابهة من جهة،و من جهة اخرى يهدف هذا الاستنطاق الى انصاف رموز الفعل التاريخي من القادة و الزعماء و الى الاقتناع” بأن دور الفرد البارز و تمكنه من صنع الاحداث لا يتم في فراغ او عزلة و انما يتم من خلال الواقع التاريخي في تداخل جدلي متصل بالظروف الموضوعية و بالناس الذين يصنعون التاريخ”(23).

و رغم ان جمهرة المؤرخين ترد بداية الحضارة الى عوامل جيولوجية كما يعزوها بعضهم الى البيئة الجغرافية،و هذا ما لا يقره -توينبي- الذي يرى الحضارة حصيلة تفاعل بين الجنس و البيئة(24).

و هنا يبرز جانب آخر من اشكالية التاريخ الكوردي و هو الجانب المتعلق بالموقع الجغرافي الكوردي،ان مردود الفعل التاريخي الكوردي لا يقتصر على (الانسان الكوردي) بل يتسع ليشمل “البيئة الجغرافية”.

ان الموقع الجغرافي الكوردي المتمثل بطوبوغرافيته الجبلية من جهة و كونه موقعاً داخلياً من جهة اخرى هو نتيجة ظروف تاريخية عريقة في القدم. ففي العصور القديمة استطاعت الدول التي ظهرت في كوردستان ان تغطي السهول الواقعة الى غربي و شرقي جبال زاطروس بفعالياتها السلطوية،و ان آثار (دور كوريكالزو) في (عقرقوف) بالقرب من بغداد تدل على وقوع مناطق واسعة من سهول وسط العراق تحت سيطرة (الكاشيين) الكورد،لكن الضعف الذي آلت اليه الدول الكوردستانية في نهاية العصور القديمة ادى الى انتزاع اكثر المناطق السهلية الخصبة من يد الكورد او الاقوام الكوردستانية و تدريجاً و تحت ضغط الشعوب السهلية المجاورة تمسك الكورد بقمم الجبال و سطوحها و استطاع بذلك الخلاص من عمليات الابادة و التهجير و هكذا تحدد الوطن الكوردستاني بالمناطق الجبلية المتميزة و ابتعد بذلك عن سواحل البحار و التي هي اكثر وسائل اتصال الشعوب و خاصة في العصور الحديثة فاعلية و تأثيراً. و يظهر الانعكاس السلبي لهذا الموقع الداخلي بصورة خاصة في نهاية القرن التاسع عشر عندما مد الاستعمار الحديث المتمثل في (بريطانيا و فرنسا اولاً و المانيا و ايطاليا و روسيا لاحقاً) بانظاره الى الشرق فوجد البريطانيون و الفرنسيون و الايطاليون على سواحل هذا الشرق الأسطوري امماً مثل الفرس و الترك و العرب فتعاملوا مع هؤلاء بحكم ذلك الموقع المطل على الساحل و هم لم يدركوا اصلاً شيئاً عن الكورد الا لاحقاً عندما توغلوا الى الداخل من هذا الشرق الذي ارادوه سوقا عامرة لبضائعهم الفائضة بعد ثورتهم الصناعية العارمة و الفتية.

“ان الطبيعة الجبلية لكوردستان تركت اثرها بوضوح في نوع التطور الذي اصابه الكورد،ان السلاسل الجبلية التي تقطع السهول و الوديان منعت الكورد من ان يصبحوا اصحاب حياة اقتصادية متماسكة..”(25). و في التصنيف الجغرافي فان المناطق الجبلية لا تساعد على العمران لقلة المناطق المنبسطة و لصعوبة المواصلات كما ان داخلية الموقع الجغرافي الكوردستاني جعل الاتصال الحضاري بين الكورد و الشعوب الأخرى ضعيفاً،و خاصة مع الشعوب الاوربية التي جاءت الى الشرق بحثاً عن السوق و السلع الأولية.

“و الموقع الجغرافي لأي اقليم يمكن التعبير عنه بطرق عدة تختلف باختلاف اتجاهات الباحثين. و لعل اشملها هو ان يقال” انه مكان على سطح الارض بين ما يكتنفه من ظاهرات طبيعية و من ظاهرات أخرى بشرية و “تنبغي ملاحظة اننا نعيش في عالم غير ثابت،متغير دائماً و بصورة مستمرة. من المعروف ان العالم في تاريخه الطويل قد مر بتغييرات كبرى طبيعية غيرت من اشكال مسطحة و من العلاقات المكانية بين اجزائه و بين البعض الآخر. كما مر ايضاً بتغييرات كبرى بشرية.. الا ان درجة هذا التغيير تختلف بين الظاهرات الطبيعية من المقومات و بين الظاهرات البشرية منها. فهي في الاولى بطيئة في الغالب و لا تلمسها الاجيال المعاصرة. و لهذا تأخذ من الناحية النظرية صفة الثبات،اما الظاهرات البشرية فإنها سريعة التغيير”(26).

اذن العامل الجغرافي و الذي هو اكثر ثباتاً من العامل البشري المتغير بسرعة،هو من المؤثرات القوية في التغيير الذي يلمس جسد العامل البشري. ان داخلية الموقع الجغرافية لكوردستان افرزت النتائج الآتية:

1-جعل هذا الموقع الداخلي لكوردستان الاتصال بالشعوب الأخرى امراً عسيراً لذا نادراً ما نجد،باستثناء اشارات قليلة عن اتصال الكورد بالشعوب البعيدة،غير الشعوب المجاورة،و قد انعكس هذا الانعزال سلباً و خاصة في القرنين الماضيين على ملامح التاريخ الكوردي الحديث و في حين امتلك الانطليز و الفرنسيون و الالمان معلومات غزيرة عن العرب و الفرس و الترك فإن ما عرفوه عن الكورد لا يمثل جزءاً ضئيلاً،ان الجهل بالخصائص السوسيولوجية و الانثروبولوجية للكورد جعل هؤلاء لاحقاً يوظفون جهودهم في مجال توافق المصالح للتعامل مع العرب و الفرس و الأتراك في حين بقي الكورد بعيداً عن اهتماماتهم.

2-اضافة الى داخلية الموقع الجغرافية و انغلاقه فإن الطوبوغرافية الجبلية الوعرة جعلت الاتصال بين افراد المجتمع الكوردي صعباً و قد نتج عن هذه الطوبوغرافية الوعرة تكتل المجتمع الكوردي الى كتل صغرى تجسدت لاحقاً في مؤسسة القبيلة كما نتج عنها التباين في اللهجات رغم صغر مساحة كوردستان نسبياً،و هنا يمكن و من خلال استيعاب العلاقة السببية بين الطوبوغرافية الوعرة بكوردستان و بين تشبث مؤسسة القبيلة بكيانها ان ندرك لماذا ظلت الصبغة القبلية بارزة للعيان حتى في عهد الامارات الكوردية الاكثر شمولية،كما نجد تميز هذه الصيغة القبلية بعد زوال الامارات،و قد المحنا في صفحات سابقة على صعوبة سيطرة الحكومات المركزية في زوايا المثلث المحيط بكوردستان في مطلع القرن العشرين و لكن تلك الحكومات كانت تود بقاء (المؤسسة القبلية) لأنها لا تمثل تهديداً جاداً لتلك الحكومات،باستثناء حالات نادرة،من جهة و من جهة اخرى فإنها أي المؤسسة القبلية تكرس التشتت الاجتماعي الكوردي و تضعف التماسك القومي الشمولي. و مع ذلك فإن التشبث اللاواعي بحماية الذات و الذي تجسد في فعل و رد فعل المؤسسات القبلية في جهودها لعبت العوامل الدولية و الاقليمية و الذاتية فعلها المؤثر في تمزيق اوصاله نتيجة التقاطع الحاد في مصالح امم اكبر عدداً و اقوى عدة و في تفاعل معقد الملامح بين الموقع الجغرافي و هذه العوامل تكرس الواقع الحالي لكوردستان و ظل شعب من اكبر شعوب الشرق الاوسط محروماً من كيانه الخاص. ان اصول البحث العلمي تقضي بعدم الاحتماء بالاستقرائية المجردة لاصدار التعميمات عن مجريات الفعل التاريخي الكوردي. (صحيح ان الأسلوب العلمي يعتمد اساساً على الاستقراء الذي يختلف عن الاستنباط و القياس المنطقي فيبدأ بالجزئيات ليصل الى القوانين و لا يعني هذا اغفال القياس العلمي و لكن حين يصل الى القوانين يستعمل الاستنباط و القياس في تطبيقها على الجزئيات للتأكد من صحتها..)(27).

ان الاغراق في الاستقرائية المجردة عمق اشكالية التاريخ الكوردي الحديث،حيث التصقت (الدونية) بجسد الاستقرائية هذه و امتدت هذه (الدونية) بآثارها السلبية و خاصة في الجانب التربوي بين طرفي التأريخ الكوردي،أي بين الفعل التأريخي و التدوين التأريخي،لتخلق حالة احباط و تداعيات تحولت الى ارث ثقيل يقلل من مساحة الحركة للمؤرخ المعاصر.

“ثمة وسائل مختلفة لمعاينة و عرض موضوعات الفكر – و منها التأريخ – و الظواهر الحياتية البشرية و منها:

الاولى – تحقيق الوقائع و تسجيلها.

الثانية – استخلاص قوانين عامة عن طريق دراسة مقارنة للوقائع المحققة.

-بصفة عامة:

اولاً – ان تحقيق الوقائع و تسجيلها هو الاسلوب الفني للتأريخ.

ثانياً – ان الظواهر في مجال هذا الاسلوب هي الظواهر الاجتماعية للحضارات.”(28).

و هذا ما نسعى الى استقرائه في مجال الفعل التاريخي الكوردي بغية الوصول الى تدوين تاريخي اكثر انصافاً. و ان “كانت الاخلاق هي التي جعلت وجود بلد ما ممكناً” كما يقول “مكسيم ا.رميروستر(29). فإن اللااخلاقية الاستعمارية ستظل العامل الاكثر حجماً في تكريس اشكالية الواقع الكوردي المعاصر مع عدم تبرئة جميع العوامل الأخرى شرط عدم تحميل أي منها تبعية الاشكالية هذه على انفراد،و من هنا ننطلق الى قراءة سياسية معاصرة لما وصل الينا من التاريخ الكوردي الحديث.

الهوامش
1-شرفخان البدليسي،شرفنامه،ط بغداد ت: ملا جميل روذبياني ص26.

2-زكي،محمد امين،تأريخ الكورد و كوردستان،ج1 ط بغداد 1961 ت: محمد علي عوني ص 245.

3-شبل،فؤاد محمد،منهاج توينبي التاريخي،القاهرة ص 13.

4-زكي. ن. م السابق ج1 ص 238.

5-قاسملو،د. عبدالرحمن،كوردستان و الاكراد،بيروت ص 76-77.

6و7-قاسملو ن.م السابق ص 70.

8-شيركو،د بلج،كيَشةى كورد،ط 1990 ص 86.

9- سعد الله،صلاح،المسألة الكوردية في تركيا،بغداد 1991 ص 7.

10-قاسملو،ن. م. السابق ص99.

11-شاميلوف،حول مسألة الاقطاع،ت.د. كمال مظهر احمد،ط بغداد ص6.

12-عاشور،د. سعيد عبد الفتاح،اوربا العصور الوسطى ج2،القاهرة 1963 ص45.

13-عاشور،ن.م السابق ج2 ص 45.

14-شاميليوف،ن.م السابق ص 15.

15-شاميليوف،ن.م السابق ص 45.

16-عاشور ن.م السابق ص 44.

17-جليلي. د. جليل “رابةريتى كورد 1880” ق: كاوس قفطان ص 23.

18-كوجيرا،كريس،بزاظى نةتةوةيى كورد،و. لة فارسييةوة،حمة كريم عارف. (مخطوط و ماثل للطبع) ص5.

19-ديشفر،د. غوينتر،(كورد طةلى لة خشتةبراوى غةدر لـآ كراو) ت:حمه كريم عارف،ط اربيل ص 45.

20-ديشفر،ن.م السابق ص 42.

21- بليخانوف،دور الفرد في التاريخ،ت: احسان سركيس،مشق ص 13.

22-بليخانوف،ن.م السابق ص 54.

23-بليخانوف،ن.م السابق ص 47.

24-بليخانوف،ن.م السابق ص 24.

25-جليلي،ن.م السابق ص 17.

26-شريف،د. ابراهيم،الموقع الجغرافي للعراق،ج1 ص و,د ط بغداد.

27-السماك،د. محمد زاهر و د. قيس النهادي و صفاء الصفاوي (اصول البحث العلمي) ط،جامعة صلاح الدين،1986 ص11.

28-شبل،ن.م السابق،ص 21.

29-رميروستر،مكسيم،”رؤساء الولايات المتحدة” ص7.



*كاتب و صحفي و خبير في وزارة التربية – اربيل

 المقال من موقع /www.sardam.info

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *