الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية ـ رسالة أعتذار الى الشهيد البطل جواد مراد هماوندي

مشاهد فيلية ـ رسالة أعتذار الى الشهيد البطل جواد مراد هماوندي

بعد كتابتي للمشهد الفيلي الذي تطرقت فيه الى أعدام المناضلة وعروسة الكورد ليلى قاسم. أتصل بي أخ عزيز معاتباً. “أيعقل أن تكتبي عن المناضلة ليلى دون أن تذكري أسم خطيبها”. فقلت له أنا أعرف أنها زفت في ليلة 12 – 13 أيار عام 1974 كعروس لقضية قومها وكانوا بصحبتها كوكبة مؤلفة من أربعة شهداء، فقد أبدوا أن يسمحوا لها بالرحيل دونهم ، ولكنها الذاكرة يا أخي فهي التي لا تسعفني بعض الاحيان.
فقال لا يستوي الحديث عنها دون ذكر توأم روحها، واللذان سارا يداً بيد معاً الى الشهادة, انه خطيبها الشهيد البطل جواد مراد هماوندي.

لذا قررت أن أكتب رسالة الاعتذار هذه لعلها تغفر لي هفوتي، وأحضى بسماح منها. واليكم قصته:

كان شاباً وسيماً رفيع الخلق. ينحدر من أسرة تمتد جذورها الى درة المدن الكوردية الفيلية خانقين. كان يسكن مع أهله في بيت مستأجرمتواضع ببغداد في حي يقع على مقربة من محطة باب الشيخ القديمة. كانت الاسرة المؤلفة من الوالدين ومجموعة من الاخوة والاخوات، تعاني من شظف العيش، حيث كان يعمل الوالد والمعيل الوحيد لتلك العائلة الكبيرة أسكافياً. ولم يجد الشاب اليافع وهو المهموم بقضية شعبه بداً من أن يفتح دكاناً للبقالة ليرفع من الثقل الواقع على كاهل ابيه وهو لم يزل طالباً في مرحلة المتوسطة. أستأجر محلاً في ما كان يطلق عليه “سوق الجمعية” في حي 14 تموز قرب مدرسة الراهبات.

لم يكن غريباً أن يرى ذلك الشاب اليافع الطموح وضمن الفضاء الرحب لخيالات من هو في مثل سنه، أن تحقيق حقوق قومه المشروعة، هو بالنضال ضمن اليسار العراقي، وفي أخطر حلقاته.

لقد طرأت كثير من المتغيرات على ظروف العمل السياسي بعد سقوط الجمهورية الاولى بردة 8 شباط الدموية عام 1963. ثم سقوط حكومة البعث الاولى.

لم يكن راضياً عن المستجدات في سياسة الحزب الشيوعي العراقي وتوجهاته في تلك الفترة ، وهو الذي كان يبحث عن العمل الثوري المباشر. لذا وجد ضالته في الحركة التي كان يقودها الضابط الوطني سليم الفخري ومدير أذاعة بغداد في فترة حكم الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم. لقد أنضم الى اللجنة الثورية تشكلت من بعض الشيوعيين وأصدقائهم من أجل العمل على تخليص العراق من الطغمة العارفية. وتتضح من وثائق المحاكمات التي أجريت للمرحوم الفخري ورفاقه، أن حركته كانت قاب قوسين من تحقيق أهدافها لولا افتضاح أمرها في اللحظات الاخيرة، واعتقال الاعضاء المشاركين فيها من العسكريين وعلى رأسهم المرحوم سليم فخري وأكثر قيادة للجنة الثورية.

أن أنتكاسة تجربته الاولى لم تخمد جذوة النضال عنده وهو الباحث عن خلاص شعبه والحامل على كتفه معاناة الكورد وتشردهم لذا انضم الى الحركة الكوردية وعمل بنشاط في قطاع الطلبة.

لقد سخر كل امكاناته وجهوده وجماهيريته في خدمة الاهداف التي كان يؤمن بها. وقد كان يتصف باخلاق عالية، فانه كان رجل أجتماعياً محبوباً بشوشاً ، وكان يتمتع بحضور أخاذ، يوصل أفكاره الى الاخرين بيسر لما كان يتمتع به من صدق المشاعر ولباقة في الحديث، دون ان يسرف في الكلام.

أن أتفاق كل تلك الصفات في شخص واحد وخاصة تلك المواصفات الوجدانية، لذا لم يكن غريباً أن يلتقي كل ذلك مع روح بطلتنا الشهيدة ليلى قاسم التي كانت تجمعها وأياه الكثير من هذه الصفات، وأن يجمعهما الحب والعهد على الزواج وليعلنا خطبتهما. كانا يتهيآن للزواج عندما القي القبض عليهما بتهمة ملفقة باطلة كعادة البعث مع خصومها السياسيين، وعرضوا على شاشات التلفاز. وكانت نهاية مشوارهم النظالى بالسير معاً على درب الحرية والشهادة، وقد تم تنفيذ حكم الاعدام بهما في ليلة 12- 13 أيار 1974 بعد أعتقالهما في 29 نيسان (أبريل ) 1974* (1) . وحلقت روحهما متعانقان معاً الى السماء. مع كوكبة أخرى من شهداء *(2) كوردستان والعراق.

فاليك يا شهيدنا الف أعتذار وأعتذار، واليكم أنتم جميعاً، يا من عبدتم طريقنا بدمائكم الزكية، لتسير أجيالنا القادمة شامخة مرفوعة الرأس وتهتف بأسماءكم التي نقشت في القلوب قبل الحجر.

د. منيرة أميد
25 آذار 2005

* 1. أي بعد أسبوعيين فقط من أعتقالهما.
* 2. أذكر من الشهداء الذين أعدم معهم نريمان فؤاد مستي و آزاد سليمان و حمه ره ش، ولا أذكر أن كان الشهيد خالد الزهاوي أعدم معهم في نفس اليوم أم انه قتل تحت التعذيب. وقد تم تنفيذ الاعدام بمجاميع أخرى في نفس الليلة كانوا موقوفيين على ذمة قضايا أخرى أيضاً تتعلق بالنضال من أجل حصول الكورد على حقوقهم.

ملاحظة: كان السيد مسعود البارزاني رئيس أقليم كوردستان قد استقبل في يوم الجمعة 10 شباط 2006 لدى زيارته لبغداد عائلة الشهيدة ليلى قاسم حسن وعائلة الشهيد جواد مراد هماوندي. نتمنى أن تتطور مثل تلك اللقاءات لتشمل كافة أهالي الشهداء من الكورد الفيلية. وان تشملهم رعاية حكومة أقليم كوردستان أسوة بعوائل بقية شهداء الكورد وكوردستان.

د. منيرة أميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *