الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية -بغداد آذار 1974

مشاهد فيلية -بغداد آذار 1974


كانت مهلة الاربع سنوات التي منحت لتطبيق ما سمي ببيان 11 آذار للحكم الذاتي للكورد قد اوشكت على الانتهاء. وما بين الفترة من اعلان عن مشروع الحكم الذاتي في آذار 1070 وذلك اليوم، كانت قد حدثت احداث كبيرة عكست نوايا سيئة مبيته ومغايرة لتلك التي اعلنت من قبل السلطة الفاشية في بغداد.
لقد ابتدأت حملة واسعة لتهجير الكورد الفيلية بعد ان اتضح دعمهم الجلي للثورة الكوردية كما جرت محاولة فاشلة لاغتيال قائد التاريخي للثورة الكوردية المناضل مصطفى البرزاني وكذلك استمرت حملات التعريب في مدينة كركوك بخلاف ما تم الاتفاق عليه كما جرى التفاف على الكثير من البنود وتفريغها من محتواها. حتى أصبح من المستحيل تطبيق الاتفاقية على ارض الواقع.

رغم ان كل مؤشرات كان تشير الى ان المفاوضات قد وصلت الى طريق مسدود ولكن الامل كان ما زال يحدوٌهم لعله يحدث انفراج في اللحظات الاخيرة.

في ذلك العام، كان لقد جرت الانتخابات للجان الكليات لاتحاد طلبة كوردستان للسنة الدراسية 1973-1974 رغم الاجواء التي كانت تبعث على التشاؤم ولكن الامل والتحدي كان ما زال قائماً في نفوس طلبة الكورد في كليات الجامعات في بغداد.
دخل شهر آذار ودخل معه الترقب الكل كان بانتظار شئ ما قد يحدث.

للاسف في الفترة التي سبقت ذلك الشهر، كان السلطة قد نجحت في وضع أسفين بين الحركة القومية التحررية الكوردية وحليفها في الملمات والمصائب الحزب الشيوعي العراقي ،بعد ان دخل الاخير في تحالف مع حزب البعث، وكانت صحيفتا التأخي لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني القائد لنضال الشعب الكوردي حينذاك وطريق الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي قد دخلتا في مساجلات على صفحاتهما في أمور لا يخدم الحزبين الذين جمعهما مصير مشترك لسنوات طويلة من النضال. مما سبب توتراً أكثر في الاجواء.

في الجامعة حيث تعود الطلبة الكورد ان يلتقوا يوميا كانوا يتناقلون الاخبار وما تصلهم من كوردستان وبلهفة ، حتى جاء اليوم المرتقب، وصلت المفاوضات الى حيث لا رجعة.
فما كان من ابناء الكورد في جميع ارجاء كوردستان سوى ان يلبوا نداء النضال المشروع لنيل حقوقهم القومية. وايام وبدأ الطلبة يغادرون مقاعد الدراسة، البعض استطاع ان يودع اصحابه والاكثر من دون ذلك. رحل معظم الطلبة للالتحاق بالثورة وحمل السلاح بينما غادرت القليل من الطالبات، وتلافياً لمعضلة ان لا يتركن لوحدهن لا اعلم ان كانت قد جاءت الاوامر بابقاء بعض الطلبة لانتهاء من العام الدراسي الذي لم يبقى منه كثيراً، أم تطوع البعض لقيلم بذلك، وتلك كانت شجاعة كبيرة منهم. وبما ان بنايتي كلية الادارة والاقتصاد وكلية الحقوق والعلوم السياسية كانتا متقابلتين، لذا تبقى طالبان فقط وهم كانوا في الصفوف المنتهية في الكليتين هما المناضلين بختيار أمين من كلية الحقوق والعلوم السياسية وحمه (محمد) امين من كلية الادارة والاقتصاد، بينما لم يبقى للاخرين من أثر بحلول عيد نوروز ذلك العام.

مرت ايام عصيبة بعد ذلك، في البداية كانت هناك أخبار تصل واخرى كانت تسمع من أذاعة “صوت كوردستان”، والتي لم يكن من السهل التقاطها، ولكن تلك العائلة الفيلية سعت وبكل جهدها ان تستمع الى هذه المحطة وتتلهف لسماع العبارة ” ئه يره ده نجي كوردستانه له عراقه وى” ، فكانوا عند سماعها يحسون بطمئنينة، وان كل شئ على ما يرام.

كان ابنهم البكر في سنته الاخيرة من الدراسة في جامعة السليمانية، كان أملهم ان يروه وهو يتخرج ذلك العام وخاصة وهو كان من أوائل الطلبة المتفوقين في الجامعة وكان بانتظاره مستقبل كبير.

عند المساء طرق أحدهم الباب وسلمهم قصاصة وأختفى. أكد لهم انه رأى أبنهم في “قلعة دزه” فلا تقلقوا عليه.
أختطفت الورقة من والدتها، وبدأت تقرأ كانت الرسالة مرسلة اليها من شقيقها، يناديها بيا رفيقتي بالنضال ، لم تتمالك نفسها فاجهشت بالبكاء، مما اقلق كل من حولها ولكنها طمأنتهم انه بخير فلا تقلقوا ، وهو يعتذر لهم لانه لم يحقق لهم ما كانوا يحلموا به لان نداء النضال من اجل أمته كانت اقوى من كل شئ. ذكر لها انه انتظرها حتى تلتحق معه بالثورة وكان آخر المغادرين، ويبدوا ان رسالته الاولى اليها لم تصلها. وأكد في رسالته ولكنهم سيواصلون الدراسة والنضال لان قيادة الثورة كانت قد هيأت الاوضاع لمثل هكذا احتمال وخاصة ومعظم الطلبة والاستاذة كانوا قد التحقوا بالجبال. واعلنت في الاذاعة نداء للطلبة للالتحاق بالجامعة التي أنشأت في “قلعة دزة”؟؟!!.

في ذلك المساء لم يستطعوا ان يتلتقطوا أشارات البث لمحطتهم التي اصبحت بالنسبة لهم الهواء الذي يتنفسون من خلاله. فكان كنذير شؤم لهم. في اليوم التالي سمعت الخبر المفجع من الطالبات الكورديات التي معها. لقد تم قصف الاقسام الداخلية لطلبة الجامعة في “قلعة دزة” وهناك 9 شهداء بين الطلبة؟!!

كانت الفاجعة قد حدثت صبيحة 24 من آذار 1974 ، حيث قصفت المنطقة من قبل مجموعة من الطائرات بقنابل النابالم المحرمة دولياً. وركز القصف على الاقسام الداخلية للطلبة والتي بالاصل كانت مخازن لشركة التبغ ، وبما ان السقوف كانت من الحديد ( الجينكو) فان ذلك ساعد على تخفيف من أثر الضربة.
شيع أهالي سليمانية شهداء الكورد في اجواء حزينة لم تشهدها من قبل، واعلنت قيادة الثورة ، اعتبار 24 من آذار يوماً للشهداء الكورد وكوردستان. يتم فيه كل عام احياء ذكرى من سقطوا على درب النضال الطويل لنيل الحقوق القومية لشعبنا الكوردي.

وهنا لا يسعني سوى ان اذكر باجلال ذكرى ذلك الصبي البطل صلاح الفيلي ذو 14 ربيعاً والذي أبى ان يبقي مع اخوته، وأصر ان يرافق والده الى النضال، وبعده عرف “بالبطل الذي يحارب الطائرات” حيث أصبح يضرب به المثل لشجاعته وكيف كان يصوب بمدفعيته صوب الطائرات المغيرة ليسقطها، حتى نال الشهادة، وتدفق دمه ليروي ارض كوردستان. لتنبت في ذلك المكان شقائق حمراء تحيطها النرجس كل عام.

فتحية لروحه الطاهرة في هذا اليوم
المجد والخلود لشهداء كورد وكوردستان
المجد والخلود لكل شهداء العراق







اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *