الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية – بيان 11 آذار

مشاهد فيلية – بيان 11 آذار

د. منيرة أميد

نامت متعبة بعد عودتها من المدرسة كانت قد دخلت في نقاش طويل في ذلك اليوم وصل الى حد الصدام بينها وبين احدى زميلاتها.
كان البعث قد عاد الى السلطة مجدداً. وبدأت منظماته “الجماهيرية” تنشط في كل مفاصل الدولة وأصبح لها جيش من كتبة التقارير، ولكنها لم تكن قد وصلت الى ما آلت اليه لاحقاً.
تشاجرت مع تلك البيضاء المائلة الى الصفرة، الطويلة والنحيلة ، كانت يبدوا على هندامها انها قادمة من الريف او البادية حديثاً. بعكس بقية طالبات المدرسة والتي كان معظمهن من الطبقة الميسورة وكان الكثيرات منهن أبناء شخصيات متنفذة في الاقتصاد والسياسة في البلد . كانت احدى زميلاتها في الصف، ابنة قيادي في الدولة، ووقتها لم يكن يبدوا عليها انها ستثير أهتمام الغرب بعد ان صارت “عالمة” أطلق عليها “مس انثراكس” واول امرأة قيادية في حزب البعث الفاشي المنحل.

دخلت تلك المدرسة بالصدفة، كأن القدر كان يريد ان يريها تجربة لم تكن تعرفها من قبل وانما كانت تسمع بها. قضت سنة واحدة في تلك الثانوية ولم تكن تعرف كيف مرت ، ولكن اعتبرتها سنة مظلمة من حياتها. طبعت في ذاكرتها للابد.

كانت المديرة ومعاونتها من سوء الخلق لا يمكن ان تحسدا عليه، كانت تتفنان في قمع الطالبات وملاحقاتهن بسبب او دونه. كانت تحاسب الطالبات على ملابسهن وتأخرهن ولو للحظات عن بدء الدوام وحتى على الابتسامة على وجههن مما كان ينم عن سادية غريبة، ستتطبع بها عشرات الاخريات اللاتي سرن في نفس طريقهن.

ولكن وأدهى من كل هذا العنصرية والطائفية التي كانت متفشية في المدرسة ، وتلك ما لم تراه في حياتها قبل وبعد تلك السنة. لذا لم يكن غريباً ان تتشاجر بعد ان عرفوا انتمائها القومي والطائفي. وخاصة وهي لم تكن ممن تخبأ عواطفها وميولها بعكس الكثيرات ممن كن معها.

تشاجرت مع تلك البدوية التي كانت عضوة في اتحاد الوطني للطلبة بعد ان نعتت الثورة الكوردية وقادتها “بالجيب العميل”,وأخرى من احد الاقليات كانت تتحدث عن ” أفعال الكورد” في كركوك؟؟؟!!!, عندها فقط عرفوا انها كوردية، ومنذ يومها لم تعد حياتها سهلة.

أستيقضت من حلم او رؤيا ، حيث شاهدت ابواب السماء تنفتح لتخرج منه صورة شخص اضاء بنوره الدنيا ولكنها لم تحدد من يكون ” أهو الرسول (ص) او أمام علي (ع). ففتحت عينها ووجدت الصباح قد اقبل. بقي الحلم عالقاً في ذهنها ، واعطاها أحساساً بأن شيئاً كبيراً سيتحقق.

وفي احد الاماسي تسمروا أمام شاشة التلفاز ، بعد ان تكرر اعلان عن بيان هام سيعلن ويحمل بشرى للشعب العراقي. واخيراً نطق المذيع بصوته الجهوري ” عن اتفاق بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية على منح الكورد “حكم ذاتي” سيتحقق على مراحل تأخذ اربع سنوات.
عمت الفرحة البيت والحارة التي كانت تسكنها أغلبية كوردية ، فرح كل العراقيين العرب بوقف الاقتتال وعودة ابناءهم من جبهات القتال ، والكورد لتحقيق آمالهم أخيراً.

لم ترى والدتها والتي رأتها طوال عمرها متلحفة بالسواد بتلك السعادة ولم تراها كذلك بعد ذلك. استخدمت القدور كطبل لتدق عليها. وشاركت ابناءها بالرقص الفلكلوري الكوردي “هل به ركه ” حتى الصباح.

في اليوم التالي كان اول مستقبليها ومهنئيها في المدرسة من تشاجرت معهم قبل فترة ، كان عيداً بكل معنى الكلمة اشترك الجميع بالدبكات العربية والكوردية ولم تتوقف طوال اليوم. كان هناك أحساساً غامراً بالسعادة و بالاعتزاز، وخاصة بعد ذلك عندما رأت أشبال البطل القومي الكوردي ، كل من مسعود وأدريس البرزاني على سطح بناية في وسط ساحة التحرير ببغداد.

أحتفل الكورد الفيلية في مناطق تواجدهم بهذه المناسبة ، وكأنهم يعيدون ذكريات الايام الاولى لثورة تموز 1958.

توسعت التنظيمات الكوردستانية الحزبية والديمقراطية وخاصة اتحاد شبيبة كوردستان وكان رئيسه في تلك الفترة عبد الرزاق عزيز ميرزا واتحاد نساء كوردستان ورئيسته القاضية زكية اسماعيل حقي واتحاد الطلبة لكوردستان العراق ورئيسه عادل مراد وكانوا جميعاً من الكورد الفيلية ، وفي مؤتمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، كانت القاضية زكية أسماعيل الوجه النسوي الوحيد في القيادة الكوردية، كما كان سكرتير الحزب حبيب محمد كريم وعضو المكتب السياسي يد الله كريم وعشرات الاخرين في القيادة الكوردية هم من الشريحة الفيلية. اصبح العمل الحزبي والديمقراطي الكوردستاني شبه علني وخاصة مع فتح مقرات لها ، حيث كان مقر الفرع الخامس للحزب في منطقة الاعظمية، واتحاد طلبة كوردستان العراق في الوزيرية، واتحاد نساء كوردستان في شارع الكفاح قرب “عكد الاكراد” وبذلك كان مكاناً سهلاً لمراقبة نشاطات الداخلين الى تلك المقرات وتحديد هوياتهم وخاصة وكان ضمن الاتفاق ان تتحمل الحكومة العراقية مصاريف تلك المقرات والعاملين على الخدمة فيها.
وأذكر حادثاً وقع في مقر أتحاد طلبة كوردستان عندما ذهبنا على ما أعتق لحضور أحدى الاجتماعات. حيث العامل الموجود في المقر والذي كان يضع على رأسه عقال عربي ويتظاهر بانه لا يحسن القراءة والكتابة، كسر فوهة قنينة الغاز لانه حاول فتحها كما أدعى، ولولا شجاعة الاخوان أعضاء الاتحاد وتصرفهم السريع لتلافي الحادث وتخلصهم من القنينة بسحبها الى الخارج لكان قد حدث كارثة، وكان العامل قد اصيب بجرح عميق في يده ، اسعفوه بسرعة ونقلوه الى المستشفى، ويومها فسر ذلك على اساس أنه جاهل ولكنه اتضح لاحقاً انه كان عقيداً في المخابرات العراقية؟؟؟!!!.
أن كشف التنظيمات وبتلك الصورة كان خطئاً أستراتيجياً، لانه قد كشف الاصدقاء والداعمين للحركة الكوردية بالاضافة الى كوادرها مما سهل لاحقاً عملية الانقضاض عليهم من قبل النظام البعثي الفاشي. ومن تلك الفترة بدأ سلسلة التسفيرات للكورد الفيلية بحجة التبعية، بعد انكشاف دعمهم اللوجستي للثورة الكوردية. وكانت بداية مأساة وحملة تطهير عرقية شمل كل الكورد ونشهد آثارها وتبعاتها لحد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *