الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية.. المأتم الفيلي

مشاهد فيلية.. المأتم الفيلي

قرر الخال البقاء في بغداد. سافر وعاد بصحبة زوجته الريفية الجميلة. طلب من اخته ان يسكن معهم، لانه لا يأتمن على زوجته، وهي غريبة سوى بيننا. كان قرار الوالد بالموافقة عيداً للابناء. نظراً لتعلقهم الشديد بخالهم. كان في العشرينات من العمر. تزوج صغيراً كالعادة المتبعة في القرى الكوردية من ابنة خاله، ورزق بولد ولكنه، فقد الطفل بعد فترة قصيرة من ولادته، لاصابته بحمى مفاجئة، وكان ذلك سبباً مباشراً لقراره بالسكن في بغداد. كان يحس بالذنب لفقدانه لابنه. لانه كان يعزي سبب وفاته لعدم توفر العناية الطبية في القرية حيث كان يعيش، كحال كل القرى الكوردية التي كانت حتى تفتقر لمستوصف صحي و لو قريب، كان الاهتمام بهذه القرى يقع في آخر سلم اولويات الحكومات المقتسمة لارض كوردستان.
وكأن القدر كان له بالمرصاد. اصيب بالحمى هو الاخر. لم تسعفه لا الادوية ولا العمليات الجراحية، لاصابته بكيس مائي في الكبد، تحول الى تقرحات مع فشل العملية، رغم انها اجريت على يد احد امهر الجراحين، وفي أحد افضل مستشفيات بغداد في حينه. استغرق مرضه شهوراً ثلاث ، كانت تتناوب زوجته وشقيقته واحد ابناء العمومة، السهر المتواصل عليه.
كان حزن الابناء عميقاً لم يجربوه في حياتهم، كان حزناً مزدوجاً، لفقد الخال، ومرض الام التي كانت لا تستوعب فقدها لشقيقها. كانت ايام العزاء رهيبة لهم، رأوا لاول مرة في حياتهم هذه الجموع الهائلة من النساء، وهي تجلس في صفوف، تقابل صاحبة العزاء ،وكانت الجموع تبدأ الصراخ،و باللغة الكوردية (وي وي وي) وهي مازالت عند الباب، وتبدأ بلطم الخدود (تخديشها)، وتتقدم حتى تصل الى المجلس، فتشاركهم جموع الحاضرين بهذا الطقس، لتجلس وتبدأ، النساء بالمناجاة وترديد الاشعار الحزينة، حيث تبدأ واحدة لتكمل الاخرى، ومعظمها في مديح الميت ومناجاته. قد تبادر أخرى بالبكاء وترديد شعر (مور) على فقيد لها مع ذكر اسمه، او لفقيد لاحد الحضور تكريماً وتقديراً.. بينما اقرباء الميت تنتف شعورها وبحركة ، اقرب الى غير أرادية تلف ذلك الشعر حول يديها، وتكون الوجوه قد تمزقت، مسترسلات في نداءات الاستغاثة للحبيب الذي غاب قبل الاوان. تتوقف النساء عن البكاء للحظة، ليتجدد ثانية وهكذا لمدة سبعة ايام متواصلة. يأخذ المشهد في اليوم السابع طابعاً اكثر دراماتيكياً، عن الايام السابقة حيث يستعان بقارئة، تأجج حزن الحضور بقصائدها الشعرية، التي عادة تختمها بالبكاء على سيد الشهداء ” الامام الحسين” (ع) *(1).
ذات صباح صحى الابناء فلم يجدوا والدتهم، كانت قد غادرت الى مدينة كربلاء بصحبة ابنها الاكبر، لانها نذرت ان تفطر بتراب ضريح الامام العباس(ع) ( ابو راس الحار)،تلك الكنية اطلقها العراقيون عليه،لانه معروفاً لدى المسلمين بكراماته الكثيرة*(2).. كانت قد صحت ليلاً على صوت فتحها لاقفال الباب، فاكتشفت انها تمشي نائمة. بعد عودتها من تلك الزيارة، سكنت نفسها كثيراً، وعادت للعناية بأسرتها، ولم تعد اليها حالة المشي تلك أبدا؟؟!!.

بشتكو نفس الفترة
عاد شقيق الميت بعد ان صاحبه في ايامه الاخيرة، بصحبة الزوجة الى مرابع الاهل، وهناك عندما علمت العشائر بالمصاب الجلل، كانت تستقبلهم ، بشعائر خاصة بهذه المناسبة، حيث كان الرجال يستقبلوهم على مسافة طويلة بخيولهم وخناجرهم في حركة دائرية للتعبير عن الحزن، بينما النساء تستقبلهم على مسافة طويلة ايضاً وهي تلطم الخدود وتصرخ تعبيرأً عن المشاركة في الحزن، ثم تسير لمسافة لتتوقف لتعيد نفس المشهد. وهكذا في كل القرى التي مروا بها، لحين وصولهم الى منازلهم لتبدأ مراسيم (چمِرْ)، حيث تقطع ظفائر النساء من اقرباء الميت بالسكين*(3)، لتعلق على سارية يرقص بها الرجال حزناً. تلك ما وصلتنا من اخبار، ذلك المأتم وطقوسه، والتي تجرى عادة لاشخاص ذو مكانة رفيعة في العشيرة. ثم اخبرونا ان عزاءاً مماثلاً اقيم على الوالدة لدى وفاتها، لانهم فجعوا بأستشهادها وابناءها، وكانت لها منزلة كبيرة في العشيرة، حتى كان يقال ان رجال العائلة اذا اقسموا برأسها، وتلك اسلوب المتبع عند الكورد بالقسم، يكون عهداً لا يخلفوه ابدا، كانت قد اكتسبت تلك المكانة والمعزة عندهم، لانها غادرتهم صغيرة، وعاشت في الغربة، ولم تسنح لهم رؤيتها سوى مرة يتيمة زارتهم فيها، حين رزقت بمولودتها البكر، وهي لم تبلغ 13 ربيعاً من عمرها، لحين استشهادها،عن عمر يناهز 43 عاماً .



*(1)، الامام الثالث للشيعة وحفيد الرسول الذي استشهد وبقية من اهل بيته واتباعه في موقعة الطف المعروفة.
*(2).وكان هو الاخر استشهد في نفس الموقعة اعلاه مع اخوه الامام الحسين(ع).

*(3). كان يقال ان الشعر المقصوص بهذه الطريقة، نادراً ما يعود الى حاله الاول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *