الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية… زحف قوى الظلام

مشاهد فيلية… زحف قوى الظلام

كانت الجماهير تشيط غضباً في تلك الصبيحة، من شباط 1963، في الاحياء الشعبية من بغداد، لان الزعيم تسامح كثيراً مع القوى المعادية ، وعفى عمن سعوا الى تصفيته، بمقولته الشهيرة
” عفى الله عما سلف”، ولكن وكما يقول المثل، ان أكرمت الكريم ملكته، وان أكرمت اللئيم تمردا، ولكون من عفى عنهم كانوا من الصنف الثاني من المثل، لذا استمروا في غيهم، وتكالبت كل القوى الظلامية لوأد الثورة. وما زاد من سهولة تحقيق ذلك، هو ابتعاد الزعيم عن الاصدقاء الحقيقيين، وأستمراره في عمليات الاعتقال لهم، بينما كان أعداء الثورة يصولون ويجولون، لتحقيق مآربهم، بتحالفهم مع القوى الخارجية المختلفة، وفي مقدمتهم الاخوة الاعداء، كما حالهم اليوم.

كانت الجماهير تصرخ مطالبة بالسلاح للدفاع عن الثورة ومنجزاتها، وعندها ظهر لهم زعيمهم فجأة وكادت الجماهير ان تحمل سيارته، فتح لهم الشباك طالباً منهم الهدوء، وفسح المجال له، ليصل الى وزارة الدفاع، وطمأنهم ان ما يجري هو لعب اطفال، وسيتم القضاء عليه بسرعة. تلك كانت آخر الكلمات التي سمعوها منه، وتواصلت الهتافات بحياته، وحياة الثورة.

في تلك الاماسي لم يندم رب الاسرة الفيلية على عطل جهاز التلفاز، لانه ما كان ليسره ما عرض لاحقاً، من محاكمة صورية للزعيم ورفاقه في مبنى التلفزيون العراقي، ليكون وصمة عار على جبين خونة الشعب.

في الايام التالية تحولت تلك الاحياء الفقيرة من بغداد والتي يسكنها الكثير من الكورد الى ساحة حرب حقيقية، سطرت فيها ملاحم في المقاومة، لم يشهد لها العراق مثيلا، كان السلاح الوحيد فيه قناني النفط المشتعلة بفتيل (المولوتوف)، واعواد تمرر على الواح السطوح الحديدية( الچينكو) لتصدر صوتاُ اشبه، بقذائف الرشاش الالي، وكانوا يرعبون به العدو، وظلت تلك المناطق عصية على الحكومة الانقلابية، الى ان زجت بفرق من الجيش والحرس القومي سئ الصيت . واصبح مظهر الدبابات في كل ركن مألوفاً. وصدرت قوانين تستبيح الدم العراقي. وصارت البيوت العراقية الامنة، مسرحاً لتلك القطعان المتوحشة،التي كانت تدخلها وقت ما تشاء بكامل أسلحتها.

اصبح بيتهم يداهم في اليوم عدة مرات رغم انه لم يعرف لرب الاسرة اي ميول سياسية، وكان عندما يسأل يقول انا من “حزب الله” للدلالة على انه لا يهتم بالسياسة وانما اهتمامه منصباً على عائلته وتأدية الفرائض الدينية. قبل ان يقتبس هذا الاسم ويتحول الى حزب سياسي؟! كما كان ابناءه ما زالوا صغاراً. السبب لتلك المداهمات يعود الى الموقع الاستراتيجي للمنزل والذي اكتشفه المقاومون. كان الدار يقع في نهاية زقاق صغير لا يتعدى عدد بيوته الاربعة. كان موقع ذلك هو الدار حلقة وصل لثلاث احياء تبتعد كثيرا عن الاخرى، فبمجرد وصولك السطح وبقفزة على اي سطح مجاور تكون قد انتقلت الى منطقة اخرى مما يسهل عليك الهروب من اية مطاردة. لذا استخدمه المقاومون في عمليات انسحابهم من المواجهات، مما شكل لغزاً لقوات الامن والحرس القومي.

أنقسمت الاحياء الشعبية في شارع الكفاح في ولائها مع او ضد الانقلاب الفاشي، في وقت كانت معظم المناطق ضد الردة، عرفت مناطق أخرى معها مثل منطقتي بني سعيد والفضل، لذا لم تَسلم السيارات والبيوت من عمليات ثأرية كانت الغلبة فيها للمقاومين في البداية، ولكن مع انضمام ابناء هاتين المنطقتين الى قطعان الحرس القومي وتوقف المقاومة في كثير من مناطق بغداد، ولاصابة المقاومين بالتعب والانهاك ،انطلقت القوى البعثية لتنفذ المجازرفي خيرة ابناء العراق ولتقوم باعتقال الالوف من الشباب والشابات، الذين تعرضوا الى ابشع انواع التعذيب والتصفية.

فرض منع التجوال، ولكن خرج ابن الجار الشاب الفيلي ذو العشرين ربيعاً، في ملابس العمل ظناً منه ان ذلك سيشفع عند أولئك المتعطشين للدماء. وكان يعمل سائقاً في مصلحة نقل الركاب، ليشتري سجائر لامه العجوز، التي اصيبت بالصداع نتيجة توقفها عن التدخين. ما كان الا طلقة استقرت في رأسه. فخر مستشهداً. وبقيت قبعته في الحي لعدة أيام، لا يجرأ احداً الاقتراب منها. كما ظهرت مشكلة أخرى، كيف سيتم دفن الجثة في هذه الظروف العصيبة، التي اصبح فيها كل من يخرج من بيته هدفاً للقنص.
منذ تلك الايام فقدت الفرحة في بيوت العراقيين، وظلت مستمرة حتى يومنا هذا.

أغرق الوطن في بحر من دماء خيرة ابناءه وأعتقل الكثير من الجيران، وذات يوم جاءت مجموعة من ” الحرس القومي ” بصحبة ابن الجارالذي كان معتقلا منذ اشهر، لم يفهم الهدف من تلك الزيارة. ولكن لفقر اهله لم يستطيعوا، ان يعطوه اي مال لدى طلبه ذلك. فسارعت الابنة الكبرى للعائلة الفيلية الى محصلتها، التي كانت توفر فيها مصروفها اليومي، وافرغت المبلغ الموجود فيه، في يده، والذي كان 620 فلساً، كانت تروم شراء خاتم ذهبي به ، ففضلت ان تمنحه له.

لم يصدق سكنة تلك الاحياء، فقدهم لزعيمهم ، لذا انتشرت الشائعات على ان ما عرض على شاشات التلفاز لم تكن سوى مسرحية لشخص يشبهه، وانه ما زال حياً ، وانه سيعود، ولا اعلم لماذا حددت أحدى تلك الشائعات فترة عودته بخمسة وعشرين عاماً. و عندما كبر القمر وتوسط السماء طلبوا منا ان نرى صورته وهي مطبوعة فيه، حتى اني اتذكر وانا طفلة اني رأيت تلك الصورة.

لم يشأ ابناء العائلة الفيلية التخلي عن صورة زعيمهم الاوحد ، وخشية من ان تعثر عليه قطعان الحرس القومي لدى مداهماتها المتكررة لبيتهم، وضعوها بعد ان رفعوا عنها الايطار( البرواز) في ثنايا السقف الخشبي . وعثرت ابنتهم بعد مرور 35 عاماً على صورة مشابهة على احد المواقع الالكترونية ، وهي في المهجر، فما كان منها سوى ان تقوم بطبعها وتعيد اليها الاطار وتضعها في ركن واضح من منزلها، يتوسط صور شهداء عائلتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *