الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية.. أذناب الاستعمار ومناديل الحلوى

مشاهد فيلية.. أذناب الاستعمار ومناديل الحلوى

بغداد عام 1959: كان التلفاز الذي أشتروه حديثاً قد تعطل. اصر الاب ان لا يصلحه ، عقاباً لابناءه الذي اتهمهم بالاهمال والتسبب في عطله، كما لم ينسَ ما قاله له شقيقه حول هذا الجهاز، بانه شيطان في الدار، وكيف تنبأ الأولون ان زماناً سيأتي، ترفع فيه بيارق الشيطان في كل بيت، وان المقصود بذلك لواقط البث الانتنا (أريل التلفزيون). وذًكر أبناءه بذلك وان سبب عطل الجهاز هو انتقام إلاهي، متناسياً انه قبل قليل كان قد عزى ذلك الى اهمالهم.
لكنه في تلك الليلة شعر بندم شديد لتأخره في اصلاح الجهاز. جرى مسرعاً الى احد بيوت الاصدقاء ليقف على آخر الاخبار، ولكي لا تفوته صورة الزعيم الذي اطل من الشاشة الصغيرة، ليطمئن محبيه ان محاولة اغتياله فشلت. لحق به الصغار ، وتناهى الى مسامعهم أحاديث مختلفة عن الاعداء وخططهم، وسمعوا بالاعظمية والجعيفر وبعقوبة والموصل والزبير ومناطق أخرى ربما لاول مرة في حياتهم، حتى لم يتيقنوا من الاسماء ولم يحفظوها سوى مع تكرارها لاحقاً. وترددت كذلك لفظة أذناب الاستعمار ، فجلسوا يفكرون بهذا الاستعمار فتخيلوه وحشاً بعدة أذناب يحارب بطلهم ويحاول قتله.
في اليوم التالي طلبت مدرسة الصف الاول من الطالبات ان يغنوا لنجاة زعيمهم فغنوا اغنية “كتان كتانة ” المعروفة لديهم لان افراحهم ومناسباتهم لم تكن لها تلك اللذة دون ترديد هذه الاغنية ، نظراً لان غالبية الطالبات في الصف كانوا من الكورد الفيلية. ثم وزعت الحلوى ومناديل طبعت عليها صورة للزعيم، قيل انها كانت هدية دفعت تكاليفها من قبل تجارسوق الشورجة*.


30/ 9/ 2005

* سوق الشورجة من أقدم الاسواق العراقية وأشهرها. يعتبر عصب التجارة العراقية وخاصة في تلك الفترة ، التي شهدت ازدهاراً على يد تجارها وكان معظمهم من الكورد الفيلية. حيث امتازوا بالفطنة والموهبة الفطرية والحس التجاري بالاضافة الى أمانتهم ونزاهتهم. حتى قيل ان من بين عدد أعضاء غرفة تجارة بغداد المائة، كان بينهم عربياً واحداً والباقون من الكورد. وكان ذلك سبباً رئيسياً لما عزيٌ اليه لاحقاً ، عملية تسفيرهم من قبل النظام المقبور، هو للاستيلاء على اموالهم ومصادرتها لان النظام كان يهدف الى اضعاف الكورد وتشتيتهم وكان يرى في سيطرتهم على السوق العراقية مكمن قوتهم وتأثيرهم في المجتمع العراقي.
ففي مسرحية هزلية تراجيدية تم استدعاء التجار الى غرفة تجارة بغداد لغرض الاجتماع . ثم جرى اعتقالهم من هناك، وزجوا في شاحنات نقلتهم لترميهم على الحدود الايرانية، في ابشع جريمة تهجير شهده العراق في بداية الثمانينات من القرن المنصرم. طال زهاء نصف مليون من خيرة ابناء الشعب العراقي كان جلٌَهم من الكورد الفيلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *