الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية-عرس فيلي

مشاهد فيلية-عرس فيلي

بغداد عام 1957…كان قد غادر الوطن بصحبة أمه، بعد وفاة والده بحادث دهس، كان الابن الوحيد وهكذا بقى طوال حياته ، رغم ان امه تزوجت مرة أخرى، من كوردي من أهالي كرمنشاه. وهذا كان سبب مغادرته للعراق في سنين حياته المبكرة. لا احد يعلم ما السبب الذي دعاه الى ان يغير جنسيته العراقية، ربما بسبب حاجته اليها لدخول المدرسة. لكن عند بلوغه سن الرشد قفل عائداً الى العراق. باحثاً عن الاهل والاقارب. كانت والدته الشقيقة الوحيدة لجد العائلة، بينما كان والده شقيقاً للجدة. فرح بعودته جميع الاهل والاقارب.
كان شاباً وسيماً، ذو خلق عالي، انهى تعليمه الثانوي حديثاً.كما كانت لديه خبرة كبيرة في مصانع الحلويات، و تعلم تلك المهنة من زوج امه، الذي كان يمتلك مصانع كبيرة ومعروفة للحلويات في كرمنشاه حسب ما سمعنا من الكبار.
اجتمعت العائلة للتفكير ولايجاد حل لمستقبله، بحيث يضمنوا بقاءه الى جانبهم، فجاء الحل بمساعدته في فتح محل لبيع الحلويات، كوكيل لاحد اشهر المصانع العراقية للحلويات (الجكليت)، بضمانة التجار من الاقارب. وتم تحقيق ذلك. ومن اجل ربط الآصرة به أكثر،تقرر ان يتزوج بأحدى فتيات العائلة، ولما كانت بنت عمهم هي الكبرى بين فتيات العائلة، وكان عمرها لا يتجاوز 14 ربيعاُ، لذا كان الاتفاق ان تكون هي عروسه. وتم توزيع المهام بين افراد العائلة حيث يقوم الوالد ووالدة والجد بدور الخطبة، ليطلبوا من العم يد أبنته لقريبهم. وتم ذلك ،رغم ان والدة العروس لم تكن موافقة، لسبب نجهله. وبدأت مراسيم الاستعداد، لتنفيذ الزواج.

في احد الايام شاهدت والدتها، تضع ملابس جميلة و جديدة في سلال مصنوعة بعناية من الخيزران،بالاضافة الى حاجات نسائية أخرى، ثم وضعت عليها أغطية من حرير مطرزة عند اطرافها،واختلفت الوان الاغطية حيث شملت على لون الزهر (الوردي ) والبنفسج والازرق بلون السماء والاخضر( الفستقي) والاصفر الذهبي والابيض الفضي وكأننا في مهرجان للالون وكانت متناسقة وجميلة وظلت تلك الالوان هي الاثيرة لنفسها طوال حياتها.

عند المساء طلبت الام من ابنتها الصغرى أصطحابها مع جمع آخر من فتيات العائلة وكانت هي اصغرهم سناً، وزعت السلال عليهن ووضعت أحدهاعلى رأس صغيرتها، وكانت تلك التي غطائها بلون زرقة السماء، . أحست بثقلها. لم تتذمر، كانت سعيدة لانها كلفت بهذه المهمة، لذا سعت الى تنفيذها بأتقان، خشية ان لا تكلف بغيرها كعادة كل الاطفال.

ذهبوا الى بيت العم في احد احياء جانب الكرخ من بغداد ( العطيفية)، وكانوا ضمن العوائل الفيلية الاولى التي سكنت تلك المنطقة.دخلوا البيت بالزغاريد وكذلك فعل مستقبليهم. كان هناك جمعاً كبيراً من الاقارب، ولكن اكثر من شد انتباهها هي جدتها بملابسها الجميلة. كانت تراها بهذه السعادة لاول مرة في حياتي وربما كانت هي الاخيرة. صعدوا الى غرفة في الطابق العلوي، حيث كانت العروس، اخرجت الوالدة علبة من القطيفة الحمراء، كانت تحوي على قلادة ذهبية بليرات عثمانية خمس وسبحة (*1) وخاتمين، كانت أحداها مزدانة بيأقوت أحمر، أُلبست في اصابع العروس وسط الزغاريد، كما غطت الام رأس العروس بوشاح احمر كبير و شفاف مرصع بأحجار براقة. عادت الام الى بيتها بخاتم رجالي ذهبي والاخر من الفضة للعريس.
لم تفهم ما حدث ذلك المساء وانما فهمت انها خطبة. وبعد اسبوع من ذلك تكرر ذهابهم الى بيت عمهم ولكن في هذه المرة كان البيت يغص بالرجال والنساء من الاقارب والمعارف والجيران،و في غرفة واسعة من الطابق السفلي، أجلست بنت العم في بدلتها الحمراء، سرعان ما ابدلت باخرى بيضاء ووضع في حضنها مصحف شريف وامسكت بمرآة بينما وضعت اقدامها في دلو ماء، كما كانت هناك صينية ملئى باوراق الياس والشموع.
ثم حدث هرج واغلق الباب ، وطلب منهم السكوت والهدوء ، حتى سمعوا صوت رجل الدين يسألها وهي لا تجيب، وتكرر السؤال ثلاث مرات حتى اجبرت على النطق بكلمة “نعم انت وكيلي” لتتعالى الزغاريد وتم توزيع الحلوى في علب خزفية صغيرة و جميلة مطبوعة على غطائها صورة ” لروميو وجوليت” و تحوي على حلويات (المسقول) ومناديل رجالية بيضاء.موضوعة كلها في اوراق ملونة شفافة ومربوطة بعناية وذوق.

وبعد ايام وبأصرار منها، سمح لها بمرافقة مجموعة من نساء الى السوق وكانت والدة العريس قد وصلت من كرمنشاه، وفي السوق تم شراء الفرش وحاجيات البيت، وادوات زينة بالاضافة الى عباءة عراقية سوداء للعروس وأخرى لوالدتها، ومن النوع الفاخر(عباءة فرنسية) وقطع من الاقمشة للمشاركين في شراء (الجهاز).

لم يمض وقتا طويلا حتى عادوا الى بيت العم مساءاً. في ذلك المساء تم تنقيش يد العروس واقدامها بالحناء وكذلك ايدي البنات وارجلهن، وغلفت بالاقمشة وطلب منهن النوم بها. وفي صبيحة اليوم التالي ذهبوا الى الحمام العام حيث كان قد تم حجز غرفة خاصة للعروسة، عند عودتهم كان الغداء والذي اعد في قدور كبيرة أوقدت تحتها النيران وفي ذلك الجزء من الشارع المحاذي لبيت العم، جاهزاً، وكان البيت ملئ بالضيوف (المعازيم) وبعد الغداء بدأت الدبكات الكوردیة والاهازيج والاغاني الشعبية شارك بها النساء والرجال، حيث “دبك” الجموع على انغام الطبل والناي ( ساز و دهل) , تصدرت تلك الدبكات (هه ل په رگه) أمرأة كبيرة في السن ، كانت متعجبة من خفتها وهي تؤدي تلك الحركات وبشكل منفرد ويرافقها في بعض الاحيان شخص آخر يحاول منافستها ولكنه يفشل ،أحست ان الجميع يخشونها ، بالرغم من انها كانت تتمتع باحترامهم بدون استثناء، ، كانت مطالبها تنفذ كأوامر، ولم تفهم لماذا بقيت تلك الليلة عندهم، مرافقة للعروس والعريس ؟!

عند العصر بدا جمع كبير من الضيوف بالمغادرة ، بعد ان كانوا يضعون نقود في صحن معد لذلك، في الطريق المؤدي الى الباب حيث كانت تجلس الجدة و تمنح كيس يحوي على ليفة حمام و غسيل للشعر”طين خاوة” وقليل من الحناء لكل من لم يشارك في الذهاب الى الحمام ،بينما تمنح الجميع بعض من المكسرات والحلوى.

دعي الجميع للتجمع لمغادرة بيت عائلة العروس، وراقبت عمها وهو يربط خصر ابنته بمنديل قبل مغادرتها بينما كانت تنهمر دموع العروس ووالدتها واخواتها. لم يصحبهم اي شخص من بيت العم.

غادروا بعدد كبير من السيارات وهم مستغرقين في الغناء والتصفيق، مع الزغاريد وصلوا الى مدينة الكاظمين عليهما السلام لان العادة كانت تستوجب ذلك ليبارك الله في الزواج، ثم توجهوا الى بيتهم عبر الجسر الحديدي (الصرافية) لينتقلوا الى صوب الرصافة من بغداد، والى حيث يقيمون وستقيم العروس في الطابق الثاني من منزلهم ، لان رب الاسرة اعتبر والداً للعريس ، ومن يقوم مقامه. عند وصول العروس نحرت الذبائح وطلب منها ان تقفز عليها ثم خضبت العروس احدى يديها في دم الذبيحة وطبعته في باب غرفتها. وكان عند وصولها قد قام الوالد بفتح المنديل الذي ربط في خصرها. لقد فاتنا ان نذكر انه ضمن موكب العرس كانت هناك شمعة كبيرة صفراء اللون تم تزينها باوراق ذهبية وورود مختلفة الالوان مصنوعة من الورق كانوا قد ذهبوا بتلك الشمعة الى بيت عمهم في الليلة السابقة وبقيت مشتعلة لمدة سبع ليالي متتالية. كانت وهي طفلة تستغرب عدم نفاذ تلك الشمعة، وحتى بقي منها جزءاً اوقدته العروس لدى ولادة ابنتها البكر.
في وقت متأخر من ذلك المساء جاء العريس ترافقه فرقة موسيقية تدق موسيقى (شيش كباب) مع صحب كبير من الرجال، يزفونه الى عروسه.

في اليوم التالي للعرس وفي الايام الثلاثة التالية كان منظر الدبكة الكوردية والاهازيج يتكرر يوميا و لمدة ساعتين في بيتهم، بينما كانت تلزم العروس غرفتها وكانت تسمى تلك الفترة ( بعدهه عروس بالپرده)،حتى جاء اليوم السابع. كان اهل العروس قد حضروا مع جمع من الاقارب لمباركة العروس، واجلست على كرسي عالي نسبياً وتم تغير ملابسها سبع مرات ، حيث بدأت ببدلة العرس البيضاء ثم حمراء واخرى بلون الورد وزرقاء و واحدة بلون الفستق لتنتهي بصفراء وسوداء تفسر فصول الحياة كما ذكرت.

كانت تلك من المناسبات الفريدة التي شاهدت فيها طقوس كاملة لعرس فيلي بغدادي ، لم تفهم ان كان ما اتبع فيها من مراسم هي فيلية خالصة ، ام تأثرت بمراسم الزواج البغدادي مع الاحتفاظ بالنكهة الكوردية.

*1. السبحة قلادة نسائية طويلة نسبياً تتكون من ربط ما اشبه بحبات على شكل حبة اللوز وأخرى اصغر كرويةبتنسيق خاص وكانت عادة تلبس مع قلادة الليرات العثمانية