الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية..بكاء في السر على الجار

مشاهد فيلية..بكاء في السر على الجار

بغداد عام 1959: المكان احد أزقة بغداد القديمة. صوت شجار يتعالى ثم رمي امتعة الى الشارع مع التهديد لمجموعة متكونة من عدة رجال ونساء ينتمون لعائلة واحدة وانذار لهم بترك الحي فوراً. كانت تلك اول مرة تحصل فيها مثل هذه الحالة بهذا الحي الهادئ من بغداد، والذي كان يطلق عليه بحي التورات لوجود كنيس يهودي فيه، هذا الحي هو أحد احياء بغداد الكثيرة، التي كانت تقطن فيها العوائل العراقية اليهودية قبل مغادرتهم العراق*(1).
اجتمع الجيران ليقفوا على ما يجري، كان صاحب النزل يشتاط غضباً، ودعى الناس الى داخل المنزل ليريهم فعلة هذه العائلة ، التي خدعته بانتسابها الى مدينة بعقوبة، حين جاؤوا يبحثون عن سكن في مدينة بغداد، لحصول ابنهم على فرصة عمل فيها. ثم ليكتشفهم على حقيقتهم ، تصوروا ماذا فعلوا لصورة الزعيم التي قام ابنه الفنان برسمها على جدار احد الغرف في منزله, الذي اعتاد تأجيره كنزل حيث كان هذا الايجار مصدر رزقه الوحيد . تسللنا عبر أرجل الكبار لنشاركهم المعرفة فيما اقترفته هذه الاسرة لتستحق هكذا مصير.
رأينا صورة الزعيم ملطخة بالصبغ الاسود، كان ذلك المنظر رهيباً لنا نحن الاطفال، كيف يجرأ أحداً ان يفعل ذلك بصورة زعيمنا الاوحد، والزعيم الذي ” كل القلوب تهواه”. لقد فهمنا لاحقاً انها عائلة تظاهرت بانها كوردية فيلية، لاجادتهم هذه اللهجة بحكم سكنهم في المناطق الكوردية الفيلية من محافظة ديالى. ولكنهم في الحقيقة جاءوا الى منطقتنا لينسقوا مع أحد سكانها القدامى. وكانت العائلة الثانية من سكنة الحي لعقود وتحظى بأحترام الجميع ، بحكم كونهم أول من يقيم مآتم في عاشوراء ، وكانوا ميسوري الحال، يعمل أبنهم الكبير، وهومتزوج، وأب لطفلين، في المحل التجاري الذي تركه له والده، كما كان يشرف على أعالة اخته الارملة مع ابنها الشاب. وكذلك كان من ضمن الاسرة الابن البكر، الشاب في بداية العشرينات من العمر، من زوجته الاولى. وكانت هذه العائلة تمتد جذورها الى مدينة المسيب القريبة من بغداد. وعلى ما يبدو ، ان الشابان قد تورطا في الانضمام الى أحد الاحزاب المعادية للثورة ، بحكم معاداة الثورة للاقطاع حيث تنتمي العائلة لهذه الطبقة. وهذا السبب هو الذي ربط هذه العائلة وتلك القادمة من لواء ديالى. وقد روى الكثيرون عن الاسلحة التي كانت في حوزتهم في الليلة السابقة لمحاولة اغتيال الزعيم . بعد الحادث انكفئ الناس عن زيارتهم ، والبعض اصبح حتى لا يرد سلامهم ، ولم تمض فترة طويلة حتى رأيناهم ينقلون أمتعتهم مغادرين الحي. تألمت يومها الكوردية الفيلية جارتهم وبكت في سرها، لانها لم تستطع توديع النساء، وحسب وصفها لهم ،كانت عائلة جيدة ربطتها بهم علاقة جيرة وطيدة لم تر منهم اي سوء، حتى دخل الشيطان في عقل ابناءهم وأغواهم.

*1. استغلت البيوت التي غادروها اليهود عام 1948 *(2)، لاستقبال المهاجرين من الفلسطينيين الذين قدموا للعراق بعد عام 1948. وكان جزء منه يزخر بالمتاجر المختلفة وخاصة المتخصصة في بيع الاقمشة والملابس الجاهزة, والتي كان معظم العاملين فيه من الفلسطسنيين، قبل ان يشب حريقاً هائلا في المحلة أتى على كثير من بيوتها المتداخلة. كان من ضحايا الحريق، طفل في المهد وأمرأة عجوز كانت مقعدة من الجالية الفلسطينية، ثم لحقهم ضحايا آخرون من العراقيين عندما انهار بقايا جدار من احد المنازل المحترقة، على صبية كانوا يلعبون عنده، بعد مضي اشهر من ذلك الحريق ، كان سبب الحريق مجهولاً ، توجهت اصابع الاتهام فيه كما قيل لنا في حينه ونحن صغارالى القوى الصهيونية. لم نفهم معنى هذه الكلمة، ولكنها استخدمت لاحقاً كثيراً من قبل الاعلام الرسمي لمعظم البلدان العربية لتبريرها للاحكام العرفية السائدة ومصادرة الحريات بالضد من تطلعات شعوبها نحو الديمقراطية.

*2. سميت املاك اليهود المهاجرين من العراق بالاموال المجمدة ولم يتم مصادرتها لحين مغادرتي العراق في اواخر السبعينات ، وكانت تدار شؤونها من قبل مديرية الاموال المجمدة، بينما تم مصادرة اموال وعقارات من هجروا من العراقيين، عام 1980 وما تلاه من اعوام ، بتهمة التبعية الايرانية، وأغلبهم من الكورد الفيلية، وبيعت تلك الاملاك بعقود وهمية الى ازلام السلطة، او حولت ملكيتها الى وزارة المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *