الرئيسية » مقالات » قصة أغربُ من الخيال !

قصة أغربُ من الخيال !

كذلك التقيتُ في أمن الرمادي بشاب من البصرة اسمه ( سيد فرج ) من حزب الدعوة .. كان النظام قد اعدم والده وأشقاءه ..
بعد حصوله على شهادة الثانوية ، قـُبل السيد فرج في كلية الزراعة جامعة البصره .
كان السيد فرج يستمعُ إلى إذاعة إيران ، بشكل منتظم ، ويسجـّل تعليقاتها وتصريحات القادة الأسلاميين ويقوم باستنساخها وتوزيعها في احياء عديدة من مدينة البصرة ، ومع تنامي حقده على النظام ، اخذ يفكـّر بعمليات ضد المسؤلين من حزب البعث وعناصر الأمن ونفذ بمفرده أربع عمليات إغتيال بواسطة السكين والخنجر ، ثمّ قيم ما قام به فتوصل إلى قناعة بأن العمل الفردي مهما أعطى من نتائج يبقى ناقصا ً .
فحاول البحث عن علاقة مع تنظيمات المعارضة .
إلتقى برجل دين من أصدقاء والده ، ممن يحقدون على النظام القمعي ، والذي شجعه وأبدى حماسه للفكرة قائلا ً له:
إذا عزمت فتوكل ..
قال للشيخ ..
أنا عازم كل العزم .
حينها طمأنه رجل الدين وتعهد له بترتيب صلاته . بعد يومين عرّفه على شخص ٍ ( منظـّم ) في حزب الدعوة يدعى أبو الزهراءْ . كان نائب ضابط في الجيش وتمّ أسره من قبل الجيش الإيراني .
في إيران ، والحديث للسيد فرج ، أعلن أبو الزهراءْ توبته ، وأصبح من التوابين وتم ّ إعداده لتنفيذ بعض المهام داخل العراق ، وفي إحدى مهماته اعتقل من قبل السلطات العراقية وهددوه بالإعدام واعتقال عائلته أو التعاون معهم على أساس مواصلة العمل داخل حزب الدعوة كعميل مزدوج .. فوافق ..
وتمكن أبو الزهراء بعد أن خططت له الجهات الأمنية العراقية من تعزيز موقعه داخل حزب الدعوة ، وتم ربطه فيما بعد بالمجلس الإسلامي الأعلى مباشرة .
وكلـّف من قبلهم بجلب مخططات وصور لفنادق بغداد المهمة ( الشيراتون وبابل ومريديان ) التي يترد د عليها قصي وعدي ..
فأعطته الجهات الامنية العراقية ، المخططات المطلوبة مع الصور كاملة ً ، ونقَلها بدوره إلى المخابرات الإيرانية من خلال المجلس الأعلى ..
وتم تثمين جهوده ، واعتبر ناجحا ً في تأديته للمهام الصعبة والمعقدة .
وبعد ذلك كلـّف أبو الزهراءْ ، بعملية تفجير داخل مدينة بغداد لصالح المخابرات الإيرانية .
ونفذت العملية تحت إشراف المخابرات العراقية ، بالقرب من سينما أطلس ، في شارع السعدون ، وفق الخطة الإيرانية.

بعد أن ربط رجل الدين ، سيد فرج بأبي الزهراء ، التقى الاثنان على انفراد .
فقال له أبو الزهراء :
السادة في مدينة قـُم المقدسة يطلبون معلومات عن حياتك الشخصية ..
فكتب له السيد فرج مفصلا ً عن نشاطاته السابقة ، ابتداء ً من سماعه إذاعة إيران وكتابة تعليقاتها بالإضافة إلى نشاطاته الفردية التي نفذها قبل الارتباط ، بما فيها الاغتيالات الأربعة التي ذكرت ، وسلـّمها إلى أبي الزهراء.
بعد اسبوع عاد إليه أبو الزهراء قائلا ً .. الساد ة في قـُم قرروا سفرك إلى جمهورية إيران الإسلامية للدراسة .. شريطة أن تعلم والدتك وشقيقتك بما يلي :

– أن تأخذ كتبك وحاجياتك الشخصية إلى شاطيء النهر وتتركها هناك ..1
– يعلن بالاتفاق معهم ، عن غرقك في الشط .2
3- تتم مراسيم الفاتحة الوهمية على روحك حسب الأصول .

وهكذا نفذ سيد فرج الاتفاق حرفيا ً مع أبي الزهراء ، وبعد أن ألقى بنفسه في الماء .. خرج عن بعد مائة متر ليشاهد سيارة برازيلي حمراء تنتظره ، وبدلا ً من أن يقوده أبو الزهراء باتجاه إيران .. قاده إلى مديرية أمن البصرة ..
وفي اليوم الرابع للتعزية الموهومة .. دخل أبو الزهراء على والدة وشقيقة السيد فرج ..
قائلا ً لهما :
قبل يومين كنتُ في مدينة قـُم المقدسة ، وصليتُ هناك مع السادة بحضور فرج ، وهو مرتاح ويسلم عليكم فهنيئا ً لكم أن ابنكم بين السادة ..
أمّا أنا .. يقول السيد فرج .. فكنت ُ في طريقي من أمن البصرة إلى أمن الرمادي مع ستة عشر مسلحا ً من أفراد الأمن المذعورين .
لم يبقى فرج بيننا طويلا ً – يقول أبو سلوان – كان يعذ ب كل يوم ، حتى استشهاده البطولي ، حيث صعد إلى المشنقة بكل شموخ وكبرياء ، بعد أن أودع ألأمانة ( القصة ) لدينا ، وأرجو أن أكون وفيا لكل ما قاله الشهيد فرج …
ولست ادري ، لماذا تذكرتُ قول المحقق في إحدى الجلسات معي .. حينما قال :
حزب الدعوة نجيبهم كل 100 بوكيل واحد … بينما كل شيوعي نجند له 100 وكيل ولا نظفر به ..
وربطا ً بالموضوع ، واستكمالا ً لحوادث أخرى ، قد تكون مشتركة الدوافع والأسباب .. أتذكر أيظا ً إنهم جلبوا في عام 1988 ( 17 ) فردا ً من منظمة العمل الإسلامي ، إلى قاطع الإعدام ، كان مسؤولهم في منظمة العمل أيظا ً نائب ضابط ، من المحتمل أن يكون العميل نفسه أي أبا الزهراء ، لتشابه القضية في المضمون والأهداف والزمان . حيث ُ كان يأخذهم ، هذا النائب ضابط ، إلى دار في بغداد الجديدة ، ويلتقي بهم بوجود مخطط كامل لفندق بابل حيث يتدربون على اغتيال عدي صدام حسين . وكان يشرح لهم الخطة ويوزعهم حسب تفاصيلها قائلا ً لهم :
السلاح لا نستطيع جلبه للدار ، وسوف نضعه في الفندق ، في صناديق القمامة ، وهم ، أي المجموعة المنفذة ، حسب مخططه سيكونون في مواقع حساسة داخل الفندق ، أثـناء التنفيذ ..
وكان في المجموعة أطباء ومهندسون .. وتم تحديد يوم التنفيذ .. وقبل ساعة الصفر جلب لهم كوستر لتنقلهم إلى موقع العملية في الفندق ..
وبعد أن صعدوا إلى السيارة .. قال لهم : تغيرت الخطة ، بسبب تغيير موعد مجيء عدي .. وتمّ نقلهم بدلا ً من الفندق إلى مديرية الأمن العامة في بغداد ..
وبعد تحقيق سريع وعاجل معهم ، صدر بحقهم حكم الإعدام.. ولم يمكثوا في القاطع سوى( 13) يوما ً فقط حيث كان من المعتاد أن يبقى المحكومون فترة( 45 ) يوما ً في القاطع قبل التنفيذ . واعدموا جميعا ً دفعة ً واحدة ..


صباح كنجي

مقتطف من كتاب ، اعده الكاتب عام 1995 بعنوان ( دهاليز الموت .. جوله في أروقة المعتقلات العراقيه) الذي تمت مصادرته من قبل مخابرات دولة عربيه أثناء مداهمتها للمطبعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *