الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية.. پشتکو اواسط الثلاثينات من قرن العشرين

مشاهد فيلية.. پشتکو اواسط الثلاثينات من قرن العشرين

في احدى قرى كوردستان حيث تقطن العوائل الفيلية في حدود عشائرية معلومة،فكل عشيرة تعلم حدود مناطقها، رغم انها ما زالت عشائر متنقلة. في الصيف تقترب في تنقلها من الجبال (كوه سان)، وفي الشتاء نحو السهول (گه رمه سير). اراضی تلك العشيرة والتي تعتبر من اكبر العشائر الفيلية وتضم 24 فخذاً، تمتد من جبال پشتکو وبالاتجاه الغرب مروراً الى زرباطية وبدرة صعوداً الى قرى محافظة ديالى. تجمع الاولاد والتفوا حول امهم، لم يكن اكبرهم قد تجاوز 11 عاماً من عمره كان عددهم تسعة، وكانت هي حامل بالطفل العاشر، بينما ابنتها الصغيرة لم تكن قد بلغت عامها الاول، تجلس في حضنها. كان الحزن بادياً عليها، ولكنها حاولت جاهدة، ان تظهر قوية، وبكلمات ثابتة ، وجهت كلامها اليهم ” تعلمون ان والدكم قد غادرنا الى جوار ربه منذ 3 أشهر، وبما أن اهلي يسكنون في المدينة، وحسب الاعراف، فان اعمامكم اخبروني انهم لا يمانعون في مغادرتي اليهم، ولكن وفق ما تقتضيه العادة، ان اترككم هنا، ولكني أخذت قراري، انا لا يمكن لي ترككم، ولا ارغب في ان تصبحوا، شوان (رعاة الاغنام والماعز) وگاوان (رعاة بقر) عند أحد، حتى وان كانوا أعمامكم. وعلينا تحمل تبعة هذا القرار. كان زوجها الابن الاكبر لرئيس العشيرة (كه خدا)، وكان من المفترض ان يحل محل والده، عند وفاته كما هي العادة المتبعة، لكنه رفض ذلك، لاحساسه المرهف، واستنكاره لاي نوع من الظلم، فكان يقول ” كيف سأشارك بجريمة سوق ابناء الامهات الكورديات، ليخدموا في جيش رضا خان، لان من عادة الحكومة ان تطلب من شيوخ العشائر التبليغ عن ابناء العشيرة عند بلوغهم السن القانونية للخدمة الالزامية في الجيش،وكم هناك من اشعار كوردية، تعكس مأساة ووجد الاهل عند سوق ابناءهم الى الجيش كانهم يزفونه الى الموت (ئي وه تت كردم وزوخ و ه ژاري، رزا خان برده ت ئه را أجباري) * (1). كان يعترض على مشاركة ابناء العشيرة الفقراء من الفلاحين في خدمة ارض شيخ العشيرة وفي المضيف، ومشاركتهم في تكلفة تلك المضيف من دخلهم السنوي من المحاصيل والتي كانت غالباً ما تكون من الحنطة والشعير، بالاضافة الى السمن الحر المستخرج من البان الماشية والذي يحفظ في اكياس صغيرة الحجم نسبيا، مصنوعة من جلد الحيوانات (هيزة) تستوعب حوالي كيلو غراماً من السمنة او اكثر قليلا. كان يعتبر ذلك أعتداءاً على هؤلاء الفقراء، لان اي كمية ولو بسيطة من هذه المحاصيل تعتبر بالنسبة لهم ثروة كبيرة. فضل فتح محلا للخياطة التي كان يجيدها بأتقان وذوق رفيع، يعكس موهبته الفنية وخاصة في اختيار النقوشات ، التي كان يضيفها الى خياطة القفطان، وهو جزء من الزي الكوردي في تلك المناطق. اختار مكان عمله في زرباطية. * (2) لم تكن العشائر في تلك المناطق تعير اي اهتماماً للحدود الدولية الحديثة التي استحدثت بين العراق وايران والتي قسمت اراضي العشيرة ما بين طرفي الحدود. كان في الشتاء تقترب العشيرة في ترحالها الى منطقة كانوا يطلقون عليها (كرمه سير)الى داخل الاراضي العراقية، بينما في الصيف تتوجه نحو الجبال ( كوى سان ) وذلك بحثاً عن طقس معتدل ومراعي افضل. تعوٌدَ ان يزور عائلته كل أسبوع، لكنه في ذلك اليوم شعر بحنين جارف لابناءه، فاغلق المحل وترك المفاتيح مع صديق له. بدى هذا التصرف غريباً لصاحبه، لم تكن من عادته، ان يغيب طويلاً، ولكنه في هذه المرة ابلغه انه ربما سيتأخر. غادر بعد ان ودعه وبقية الاصدقاء, امتطى جواده صوب الشرق حيث مرابع الاهل والاحبة. فرحت الزوجة والابناء بعودته المبكرة هذه، ولكنه بدى لهم شاحباً، فعزوه الى المسافة التي قطعها وبسرعة اليهم. كانت المسافة تقاس في تلك الايام كالتالي، أذا تناولت فطورك في زرباطية وغادرت على صهوة جياد اصيلة، تكون قد وصلت وتناولت الغداء مع الاهل، اي ما يقدر بثلاث الى اربع ساعات. احتضن ابناءه، واحداً واحداً، وخاصة الصغرى، لم يعرف سر هذا الشوق رغم انه غادرهم منذ ايام قليلة. عادة كانت سفراته تطول اكثر ، وبالذات شتاءاً مع رداءة الطقس او في موسم الاعياد مع ازدياد العمل. شعر بتوكع وطلب من زوجته ان تتركه لينام حتى المساء، لكي يستعيد عافيته، ثم ليزور اخوته لانه هناك مسألة مهمة يود التحدث معهم فيها. تأخر في النوم كثيراً، وخشيت ان يلومها اذا تركته، اقتربت منه ومست يده بحنان وخفة، علهه يصحو، جفلت عندما مسته، كان محموماً جدا، مع مرور بعض من الوقت بدأ بالهذيان، ازداد قلقها، فلجأت الى شقيقها والذي كان بالصدفة يزورقريتهم، كان يعمل كطبيباً في تلك القرى، لم يكن قد تخرج من اي جامعة للطب، لكنه تتلمذ على يد والده، الذي كان يتجول في مختلف الحقول والاماكن، ليجمع الاعشاب والزهور، التي كان يستخدمها في علاجات كثيرة. كان شخصا مشهود له بالمهارة. وقف الى جانب نسيبه المريض واراد ان يوقضه، ولكنه فشل في ذلك، طلب من اخته ان تحضر له ماء بارد وغطاء، وان تعينه في تخفيف ملابس زوجها، وضع على جسمه كمادات باردة ثم دثره. بعد قليل، عاد الزوج الى وعيه،وكان ذلك دليلاً على انخفاض الحمى، ولكن حالته عادت لتسوء ثانية، وبقى على هذا الحال ثلاث ايام، لم تنفع معه العلاجات المتوفرة، ولا الصلوات، وغادرهم بكل هدوء، وهو لم يزل في ريعان شبابه. تذكرت كل هذا وهي تحدث ابناءها عن قرارها، طلبت منهم ان يقفوا الى جانبها لتحميهم من غدر الزمن. في اليوم التالي خرجت بهم الى الحقل. وكما يقول المثل، المصائب تأتي مجتمعة. في تلك السنة رغم غزارة المحصول، جاء المطر مبكراً، واتلف كثير منها، ولكن بأرادتها, وتصميمها استطاعت ان تحافظ على اسرتها، وبحكم انها كانت من المدينة، فقد اعانها ذلك ان تكون اكثر استقلالية، وان تهتم بتعليم ابناءها حتى اصبحوا قدوة لابناء عمومتهم، ومصدر حسد الاخرين. قد يتبادر الى بعض الاذهان لماذا اقترنت بنت المدينة، بابن الريف. لقد كانت تلك عادة متبعة لدى العوائل الفيلية، هو لربط اواصر الرحم بين ابناء العشيرة في الريف وبين اولئك ممن رحلوا بعيداً. ومن الاحاديث التي قيلت لاحقاً للاحفاد، ان الجد الاكبر للام كان شيخ العشيرة ( كي خودا)، رزق بثمان بنات وولد. ولكي يحافظ على قوة العشيرة وليعمق الآصرة بينه والعشائر الفيلية. زوج كل ابنة من بناته الى عشيرة مختلفة. لذا لا ترى غريباً ان ترتبط مئات العوائل الكورديةالفيلية اليوم بالقرابة نتيجة لتلك المصاهرات. *1. يقول هذا المقطع من اغنية طويلة حيث يناجي الاهل ابنهم ” ربيتك على الم وفقر، فساقك رضا خان الى الخدمة الاجبارية” ، في أشارة الى عدم أهتمام الحكومة برفع أحوال المعيشية لتلك المناطق، في وقت كانت تأخذ ابناءهم الى الخدمة الزامية في الجيش. *2. بقى دكان الخياطة مغلقاً 18 عاماً، حفاظاً على ذكراه. واحتفظ صديقه بالمفاتيح التي أمنت عنده، سلمها الى الابن الاصغر للمتوفي، بعد مرور كل تلك السنين. وحكي ان اقدام ماكنة الخياطة كانت غائرة في الارض، واهدى الابن الدكان الى صديق والده وتصرف بالمحتويات، واخذ معه مقصاً كذكرى من والد لم يراه قط.

تعليق واحد

  1. حقيقه يجب ان يقال لماذا غدر بنا عبر التاريخ شعب كيف ان يسكن الجبال الوعره فى جوء فيه برد وجوع فوق قمم لامياه وقطه رغيف خبز القارء يعلم فى كل كلمه السكن قرب الانهار لافى تلول وجبال جرداء كيف هجر الشعب بعيدا عن المدن التاريخ لايرحم الشعب الكردى الى الوقت الحاضر حين سكن فى بلاد النهرين وشردوا دون رحمه واصبح شعب بشتكوا مهمشين من اراضيهم المنبسطه الى صخور وعره سلبوا كل شى منهم ابسط شرائع السماويه العيش الكريم من حاكم الى حاكم والقارء يفهم مااكتب بعباره لينه المفهوم لقد عانا من يرحم هذا الشعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *