الرئيسية » الرئيسية » ملحمة جلجامش ملك الوركاء ، والطوفان

ملحمة جلجامش ملك الوركاء ، والطوفان

تعد ملحمة جلجامش ، إحدى أقدم ملاحم بلاد ما بين النهرين – ميسوبوتاميا – ، التي تدين لها الثقافة الإنسانية بمضامين أدبية وفكرية وفلسفية عالجت قضايا إنسانية مركزية ، كمشكلة الموت والخلود ، والصراع بين الحياة والموت ، وقد انتقل أثر الملحمة إلى آداب الأمم القديمة ، وشاعت مفاهيمها في أساطير الشعوب المجاورة لحضارة بلاد الرافدين .
تكشف لنا الدراسات أن الملحمة تكونت خلال حقبة طويلة ، أي أن النص الأول ، أو الفكرة الأولى للملحمة وضعت ثم زاد عليها الرواة والكتاب صفحات أخرى ، خلال حقب تاريخية ، ومناطق جغرافية تمتد من الأناضول إلى وادي السند ، وقد صاغت الشعوب تلك الأسطورة الخالدة المعروفة اليوم بأسطورة جلجامش ، وظلت الملحمة تروى شفاها ، وتقص في المناسبات ، والليالي ، ويضاف لها ، ودونت في بقاع مختلفة ، على ألواح الطين . انتقلت الملحمة ، وقصص أخرى إلى وادي النيل ، وعثر الأثريون هناك على ألواح مدونة بالهيروغليفية لقصص كانت معروفة في العراق القديم . يقول طه باقر في مقدمته لملحمة جلجامش ما يلي : ( فقد وجدت نسخ لبعض القطع الأدبية الشهيرة مثل ملحمة جلجامش في المآثر الحثية في الأناضول وفي بلاد الشام وفي عيلام وحتى في الأدب المصري القديم مثل قصة أدابا ) . وهناك بعض الألواح التي عثر عليها المنقبون ، غير مكتملة ، وبعضها سجل جزء من الملحمة ، وهناك ألواح نثرية تضمنت الأخبار التاريخية ، وألواح تضمنت التراتيل والأغاني الدينية …
ومن خلال دراسة المصادر التاريخية لملحمة جلجامش ، لابد أن نتساءل ، من هو جلجامش ، وهل هو ملك من سلالة ملوك بابل ؟
يثبت طه باقر في مقدمته للملحمة ، أن اسم جلجامش ورد في سجل إثبات الملوك السومريين ، وأن أمه كانت الالهة _ ننسون – زوجة الإله لوكال بندا ، ولكن أبا جلجامش لم يكن لوكال بندا و إنما ورد ذكره في سجل إثبات الملوك باسم ـ للا -.
ويتعذر تحديد تواريخ لحقبة حياة جلجامش ، ولكن من المتفق عليه عامة أنها حوالي 2800 قبل الميلاد . وتشير بعض المصادر إلى أن والد جلجامش كان رجل – ليّلو – وهو الرجل الذي يتمتع بخصال شيطانية ، وانه راهب مهيب من كلاب ، التي تشكل جزء من أوروك .
وهنا نجد خلافا لا يمكن التوفيق بينه ، مما يؤكد وجود نصين مختلفين عن جلجامش .
ويرجح أن يكون جلجامش قد انتصر على مدينة اوروك ، ثم تبنى وهو ( الأجنبي ) والدا له من الحكام المعروفين ، وقد كان هذا التقليد رائجا في بلاد ما بين النهرين يفعله الفاتحون المغتصبون للحكم . وقد ثبت أن المدينة التي حكمها جلجامش ووالده هي مدينة الوركاء وسط العراق .
لقد رابني ما جاء في الملحمة من صفات لجلجامش : ( لم يترك جلجامش ابنا لأبيه / وما فتئ يضطهد الناس ليل نهار / على انه هو راعي اوروك / السور والحمى / هو راعيهم ولكنه يضطهدهم / وهو قوي وجميل وحكيم / إن جلجامش لم يترك عذراء لحبيبها / ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل …. )
ويجعلني هذا المقطع من الملحمة ، ومقاطع أخرى ، أقتنع بالرأي القائل أن جلجامش ، جاء من خارج اوروك ، واحتل البلاد وحكمها ، وارى أنه انتسب للملك لوكال بندا ، وهي سنة عمل بها المغتصبون ، كي يفرضوا أنفسهم على أبناء البلاد ، وارى أن اسم جلجامش مكون من مقطعين هما : كه ل ويعني الكبير ، في الكردية ، و جامش ويعني الجاموس في الكردية أيضا ، فيكون الاسم الجاموس الكبير ، وبما أن الثور كان معبودا في العراق القديم وهو رمز القوة والفحولة والاخصاب ، لذلك فان الجاموس الكبير أو الثور الكبير تعني كبير الالهة ، وجامش مازالت مستخدمة في الكردية بمعنى الجاموس ، أما كلمة ( كي ) فهي ملازمة لاسماء العديد من مشاهير الملوك القدماء في الإمبراطورية الفارسية ، مثل كي كاوس ، وكي خسرو ( ونقله العرب إلى كسرى ) ،وكي قباد .
وكي وجمعها كيان تعني في الفارسية القديمة الجبار ، العادل ،اللطيف ، النقي ، الملك القاهر ، الشجاع ، حامي الحدود ،… الخ .
وقد يكون اسم جلجامش هو كي جامش ، أي الثور الشجاع ، أي الإله الشجاع ، ثم نقله الاكديون إلى كالجامش ، أي كالثور . ويحتمل اسم جلجامش وقوته ، إلى أنه قد يكون من أقوام اللولو ، من هضبة ايران ( إيلام )وهم من أجداد الكرد الفيلين ، لذلك نجد أن اسم أبيه ( ليّلو ) ، وليس لوكال بندا .
وترد في الملحمة قصة الطوفان وبناء السفينة التي نجى فيها اوتو نبشتم وقومه من الغرق ( سفينة نوح ) ، وأردت أن أشير إلى الأبحاث التي دارت حول السفينة ومكان رسوها ، وجاء في الملحمة ( صفحة 97 ) ان السفينة استقرت على جبل نصير . و يذكر طه باقر أن معنى نصير في البابلية الخلاص ، وقد ورد اسم جبل نصير في أخبار الملك الاشوري آشور ناصر بال الثاني ؛ حوالي 859 قبل الميلاد ، ويقع إلى جنوبي وادي الزاب الصغير ، وقد ذكر مصحوبا باسم الكوتيين ، وقد عينه بعضهم بجبل بيرة مكرون قرب السليمانية ،ويبعد عن شروباك ، موطن اوتو نبشتم بنحو 450 كم وجاء اسم الجبل حسب رواية برعوشا ، الكاتب البابلي في القرن الثالث ق .م باسم جبل الكورديين أي جبل الأكراد .
كما ورد في القرآن الكريم أنها رست على جبل الجودي ، وجاء في التوراة أنها رست على جبل ارارات ..الخ
وأردت أن أقول أن أقرب جبل إلى منطقة اوروك في جنوب العراق ، والى منطقة الأهوار ، هو جبل بشتكوه ، الواقع في عيلام ، ولذلك أعتقد أن السفينة قد تكون رست هناك ، فجبل بشتكوه أقرب من جبل بيره مكرون ، وهو جبل الأكراد أيضا .
وهذا يتفق مع رواية الكاتب البابلي برعوشا المذكورة آنفا .